من متابعتي لتغطية الإعلام الرسمي وشبه الرسمي لذكرى ٣٠ يونيو، لاحظت تركيزا فوق العادة هذا العام على مساوئ حكم جماعة الإخوان، قبل سقوط نظامهم، وعلى مخاطر هذه الجماعة بالذات على الوطن والهوية والمجتمع والمواطن، وذلك على الرغم من أنه لا جديد هناك تم اكتشافه، ولا قديم لم يذكر من قبل.
فكل ذلك، وأكثر منه قيل من قبل كل يوم وكل ساعة طوال السنوات التالية للثلاثين من يونيو عام ٢٠١٣، وربما كان هذا الإلحاح- وقتها- مبررا بمنطق التحليل السياسي المجرد لتأسيس شرعية جديدة، أو بمعني أصح لإحياء شرعية نظام يوليو ١٩٥٢- الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة- حتي وإن كانت النسخة الجديدة منه مختلفة كثيرا (بالسلب غالبا) عن النسخ السابقة، لكن أن يعود المجتمع والنظام إلى اجترار نفس المفردات والعبارات والحجج بعد ١٣ عاما من الحدث، فهذا يعيد طرح السؤال المعلق، منذ انتهاء الولاية الأولى للرئيس عبد الفتاح السيسي على الأقل، وهو هل خرج ملايين المصريين يوم ٣٠ يونيو لمجرد خوفهم من جماعة الإخوان وكراهيتهم لها، ورفضهم لما أطلقنا عليه التمكين وأخونة الدولة والمجتمع، أم جاء هذا الخروج لأجل استبدال نظام الإخوان العقيم، القادم من خارج الزمن ومن خارج بنية الدولة، بنظام أكثر كفاية وعصرية وقبولا لدى الأغلبية العظمي للمواطنين! باعتبار أن ذلك هو المعنى التاريخي الأكبر لثورة يناير!
معنى الكفاية هنا هو إقامة نظام حكم قادر على النهوض بالدولة ومؤسساتها المدنية والعسكرية والمجتمع بالتعليم والبحث العلمي والتصنيع والتطوير التكنولوجي والإداري، والتنمية المستدامة، أما معنى العصرية فهو إقامة دولة القانون والمواطنة المتساوية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص والتداول السلمي للسلطة، والحكم الرشيد الخاضع لمبدأ المسئولية والمساءلة، والحائز لرضا أغلبية المواطنين دون تزوير أو إجبار.
من البديهي أن الإجابة الصحيحة، والتي لا خلاف عليها عند أصحاب الضمائر المستقيمة، والعقول المتحررة هي مطلب أن الكتلة الجماهيرية التي تحركت في يناير عام ٢٠١١، وفي يونيو عام٢٠١٣، كان في المرة الأولى تشييع نظام يوليو إلى ذمة التاريخ، بعد أن انتهى عمره الافتراضي، وأن المحرك في المرة الثانية كان إدراك الكتلة الأكبر من المصريين، أن جماعة الإخوان أعجز كثيرا من إنجاز تلك المهمة التاريخية، أي مهمة بناء ذلك النظام الكفء والعصري بالمعاني السابق شرحها توا، إذ على العكس انخرطت تلك الجماعة في استرضاء الدولة العميقة على حساب الاستحقاق التاريخي المأمول، كما انخرطت في استرضاء التنظيمات والاتجاهات القريبة من توجهاتها الإيديولوجية داخليا وإقليميا، دون أفق حقيقي للنهضة والإصلاح.
من هنا، يكون من قبيل مغالطة الذات القول بإن النظام السياسي الذي أعقب سقوط النظام الإخواني كان هو الإجابة الصحيحة على سؤال ٣٠ يونيو، وذلك بالقدر نفسه من المغالطة في الادعاء بأن تجربة جماعة الإخوان في عام حكمها للبلد كانت الإجابة الصحيحة على سؤال يناير ٢٠١١.
إن كل ما حدث، رغم الضجيج والمغالطات هو فقط إعادة الروح إلى نظام يوليو ١٩٥٢ المحتضر، وكأننا نسير عكس اتجاه التاريخ.
وحين أتحدث هنا عن نظام يوليو، فإنني لا أقصد المبادئ المعلنة والسياسات المطبقة في كل نسخة من نسخ ذلك النظام المتعاقبة منذ عام ١٩٥٢، ولكني أقصد بنية النظام من حيث حصر مصدر السلطة في مؤسسة القوة، دون بقية مكونات المجتمع والدولة، ومن حيث الطبيعة السلطوية، أو الاستبدادية لوضع السياسات وتنفيذها، وعدم القابلية، للمساءلة، بما ينطوي عليه ذلك من رفض مشاركة القوى السياسية الأخرى في المجتمع، وكراهية التنظيمات السياسية المستقلة، وإعمال منهج الإدارة الأمنية للشأن السياسي في البلاد، فضلا عن عدم رسوخ مبدأ الانتقال أو التداول السلمي للسلطة، بما يسببه ذلك من توجسات، تهز الاستقرار، وتقطع الاطراد وتعطل النمو.
أما على مستوى تفاصيل الحياة اليومية، فالمتفق عليه أن مستوى معيشة أغلب المواطنين لم يتحسن، بل إنه تدنى، بسبب التضخم، وانهيار قيمة العملة، وكذلك فإن معظم المؤشرات الاقتصادية الكلية أو القومية تنبئ بأزمة ضخمة بالغة الخطورة، فلدينا عجز مزمن، يزداد تفاقما في الموازنة العامة، ولدينا عجز دائم ويزداد تفاقما هو الآخر وفي ميزان المدفوعات، وكذلك لدينا ازدواجية غير حميدة ما بين الموازنة العامة والموازنات المنفصلة، وكل ذلك إضافة إلى أزمة المديونية العامة الداخلية والخارجية.
كذلك، فالمتفق عليه أن مؤشرات الحريات والحقوق العامة لا تقل تدهورا عن المؤشرات الاقتصادية، بدءا من حرية التعبير وصولا إلى سائر حريات الاتصال السياسي والتفاعل الجماهيري، والأخطر أن كل مكونات البنية التشريعية الأساسية للاستبداد والملاحقات الأمنية لا تزال قائمة وفاعلة، مع أنها صدرت- كما يقال- لمكافحة الإرهاب عقب إسقاط نظام جماعة الإخوان، وكان ينبغي بالتالي إلغاء بعضها، وتعديل بعضها الآخر، بعد هزيمة الإرهاب واستقرار نظام ٣٠ يونيو، الذي يمر اليوم على تأسيسه ١٣ سنة كاملة، والمقصود هنا قانون تمديد فترات الحبس الاحتياطي، وقوانين منع التظاهر، وغيرها من القوانين والإجراءات التي تعرف تاريخيا في أدبيات السياسة المصرية بالقوانين سيئة السمعة.
هكذا إذن يبقى وسيبقى سؤال ٣٠ يونيو معلقا، حتى يصحح النظام سياساته وتجربته بالكامل، ليس بتسابق مسئوليه وإعلامييه على تبيان وسرد مساوئ ومخاطر جماعة الإخوان المسلمين، كلما حلت الذكرى السنوية لذلك اليوم، وإنما ببرنامج متدرج للإصلاح السياسي الشامل، وإعادة بناء المجال العام، وإطلاق طاقات المجتمع والأفراد، ولعل البداية تكون بإحياء العملية السياسية في البلاد، وذلك من خلال انتخابات المجالس المحلية، كما طلب الرئيس السيسي مؤخرا، بوصفها خطوة أولى تؤدي إلى خطوات تالية، ولعل أملنا لا يخيب هذه المرة أيضا، كما جرى من قبل عدة مرات.






