اتصالات معلنة بين الخرطوم وواشنطن، وتحركات داخل أطراف الصراع، واجتماعات سياسية مرتقبة في أديس أبابا، ومبادرات لتقريب مواقف القوى المدنية.. مؤشرات متزامنة تثير سؤالًا حول ما إذا كانت الحرب دخلت مرحلة إعادة تهيئة البيئة السياسية للتفاوض؟ أم أن الأطراف تعيد فقط ترتيب مواقعها استعدادًا لجولة جديدة من الصراع؟

لا تنتهي الحروب الكبرى عادة بتوقيع اتفاق مفاجئ أو بإعلان سياسي واحد، وإنما تسبقها مرحلة معقدة تتبدل فيها الرسائل، وتتغير خلالها موازين القوى، وتُعاد صياغة التحالفات، قبل أن تتبلور ملامح التسوية.

 وفي السودان، الذي يدخل عامه الرابع من الحرب، تبدو الأسابيع الأخيرة مختلفة عن سابقاتها، فالأحداث التي تبدو متفرقة، عند قراءتها في سياق واحد، توحي بأن هناك حراكًا سياسيًا يجري على أكثر من مستوى، داخليًا وإقليميًا ودوليًا، قد يمثل بداية إعادة تهيئة البيئة السياسية، حتى وإن لم يصل بعد إلى مرحلة التسوية.

ولعل السؤال الأكثر أهمية اليوم لم يعد: هل اقترب السلام؟ وإنما: هل بدأت الأطراف المؤثرة إزالة العقبات التي حالت دون الوصول إليه طوال السنوات الماضية؟

رسائل مجلس الأمن.. هل عاد الحوار بين واشنطن والخرطوم

جاءت جلسة مجلس الأمن الأخيرة بشأن السودان لتكشف عن تطور لافت في طبيعة العلاقة بين الخرطوم وواشنطن.

ففي الوقت الذي نقل فيه كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، أن الحكومة السودانية رفضت مقترحات أمريكية تتعلق بمسار إنهاء الحرب، قدم السفير الحارث إدريس، مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة، رواية مغايرة تمامًا.

وأكد الحارث أن رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان كان يتابع الجلسة، وأرسل إليه أثناء انعقادها رسالة تضمنت تعديلات على مقترحات تتعلق بجدول للانسحاب واستعادة السلام، مشددًا على أن الخرطوم لم ترفض المبادرة الأمريكية، وإنما تفاعلت معها وقدمت ملاحظاتها.

ورغم التباين الواضح بين الروايتين، فإن التطور الأهم لم يكن في الاختلاف نفسه، بل فيما أعقبه. فقد أعلن مسعد بولس، عبر صفحته الرسمية على منصة “إكس”، استعداده لزيارة الخرطوم لاستكمال النقاش حول المقترحات المطروحة، وهو ما يعني أن قنوات الاتصال السياسية بين الجانبين لا تزال مفتوحة، بل ربما أصبحت أكثر مباشرة من أي وقت مضى منذ اندلاع الحرب.

ولا ينبغي التقليل من أهمية هذا التطور. فمنذ انهيار مسار جدة وتعثر المبادرات الإقليمية، سادت قناعة بأن العلاقة بين الخرطوم وواشنطن دخلت مرحلة الجمود. لكن ما جرى في مجلس الأمن، وما تبعه من رسائل متبادلة، يشير إلى أن الخلاف لم يتحول إلى قطيعة، وأن الطرفين ما زالا يبحثان عن مساحة مشتركة، حتى وإن اختلفا بشأن شروطها وحدودها.

لماذا تغيرت المقاربة الأمريكية؟

يصعب فهم التحركات الأمريكية الأخيرة بمعزل عن التحولات التي يشهدها الإقليم بأسره. فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم تعد الأزمة السودانية قضية داخلية أو إنسانية فحسب، بل تحولت إلى ملف يرتبط مباشرة بأمن البحر الأحمر، واستقرار القرن الإفريقي، وتوازنات الساحل، وهي جميعها مناطق ازدادت أهميتها في الاستراتيجية الأمريكية في ظل التنافس الدولي المتصاعد على المواني والممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية.

ومن هذا المنطلق، يبدو أن واشنطن انتقلت تدريجيًا من سياسة تقوم على إدارة الأزمة، إلى مقاربة تسعى إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية التي يمكن أن تسبق أي تفاوض جاد. ولا يعني ذلك أنها أصبحت أقرب إلى الخرطوم، بقدر ما يعني أنها باتت أكثر اهتمامًا بإعادة تعريف قواعد اللعبة السياسية.

وتأتي القرارات الأمريكية الصادرة في مارس الماضي في هذا السياق. فقد أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية إدراج الحركة الإسلامية السودانية ضمن قائمة الإرهابيين العالميين المصنفين تصنيفًا خاصًا، مع إعلان نيتها تصنيفها منظمة إرهابية أجنبية، بعد أشهر من إدراج لواء البراء بن مالك على قوائم العقوبات. كما أكدت الإدارة الأمريكية، في تصريحات رسمية نقلتها مجلة أفق جديد، عدم صحة ما تردد عن وجود قنوات تواصل مع قيادات إسلامية، في رسالة بدت موجهة إلى الداخل السوداني بقدر ما هي موجهة إلى المجتمع الدولي.

ولا يمكن فصل هذه الخطوات عن رؤية واشنطن لمستقبل العملية السياسية. فالإدارة الأمريكية تبدو حريصة على التمييز بين التواصل مع مؤسسات الدولة السودانية، وبين الاعتراف بأطراف تعتبرها خارج أي معادلة سياسية مقبولة. ومن هنا جاءت الرسالة مزدوجة؛ الإبقاء على الحوار مع الخرطوم، بالتوازي مع رسم حدود واضحة للقوى التي لا ترى واشنطن أنها يمكن أن تكون جزءًا من أي تسوية مستقبلية.

غير أن هذه المقاربة لا تتحرك بمعزل عن البيئة الإقليمية. فالسعودية ومصر، كل لأسبابه، تفضلان الحفاظ على وحدة الدولة السودانية ومؤسساتها، وتريان أن استمرار الحرب يهدد الأمن الإقليمي بأكمله.

وفي الوقت نفسه، يسعى الاتحاد الإفريقي والآلية الخماسية بشأن السودان ” تضم الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والجامعة العربية والاتحاد الأوروبي والهيئة الحكومية للتنمية (إيجاد)”، إلى إعادة إطلاق المسار السياسي، في محاولة لردم الفجوة بين القوى المدنية، تمهيدًا لأي ترتيبات انتقالية مقبلة.

لذلك، فإن قراءة التحركات الأمريكية باعتبارها مبادرة منفردة تبدو قاصرة. والأقرب إلى الواقع أنها جزء من محاولة أوسع لإعادة تنسيق المواقف الإقليمية والدولية تجاه السودان، بعد أن أثبتت سنوات الحرب أن غياب الرؤية المشتركة بين الوسطاء كان أحد أسباب تعثر جميع المبادرات السابقة.

رسائل من الداخل.. هل تغيرت حسابات المؤسسة العسكرية؟

إذا كانت الرسائل المتبادلة بين الخرطوم وواشنطن تعكس حراكًا دبلوماسيًا متجددًا، فإن الداخل السوداني بدوره أرسل خلال الأيام الماضية إشارات لا تقل أهمية، أبرزها الظهور الجماهيري لرئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وسط حشود من المواطنين في منطقة الكلاكلة جنوبي الخرطوم، وفق ما بثته وكالة السودان للأنباء.

ولم يكن اختيار الكلاكلة مجرد تفصيل بروتوكولي، فالمنطقة التي ظلت لأشهر مسرحًا للمعارك أصبحت رمزًا لاستعادة الجيش السيطرة على أجزاء واسعة من العاصمة، وهو ما منح الزيارة بعدًا سياسيًا يتجاوز بعدها الميداني. فالبرهان لم يخاطب المواطنين وحدهم، وإنما وجّه، بصورة غير مباشرة، رسالة إلى القوى الإقليمية والدولية مفادها أن المؤسسة العسكرية تدخل أي نقاش سياسي وهي تستند إلى واقع ميداني مختلف عمّا كان عليه الحال في الأشهر الأولى للحرب.

وفي العلوم السياسية، كثيرًا ما تسبق الرسائل الرمزية جولات التفاوض. فالأطراف لا تذهب إلى الطاولة من موقع الضعف، وإنما تسعى أولًا إلى تثبيت معادلات القوة التي ترى أنها تمنحها أوراقًا أفضل في أي تسوية مقبلة.

 ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة جولة البرهان باعتبارها جزءًا من عملية بناء موقف تفاوضي، أكثر من كونها نشاطًا جماهيريًا اعتياديًا.

وتزامنت هذه الرسائل مع نقاشات واسعة حول إعادة ترتيب بعض مؤسسات الدولة، بعدما تداولت وسائل إعلام أنباء عن تغييرات في موقع وكيل وزارة الخارجية، قبل أن يصدر المكتب الصحفي بوزارة الثقافة والإعلام بيانًا ينفي صدور قرار من مجلس الوزراء بتعيين وكيل جديد للوزارة. وبغض النظر عن صحة تلك الأنباء، فإن الجدل الذي صاحبها يعكس حساسية المرحلة، إذ أصبحت أي تغييرات داخل مؤسسات الدولة تُقرأ في سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل البيئة السياسية والإدارية استعدادًا لما بعد الحرب.

إعادة التموضع… هل تتغير بنية أطراف الصراع؟

لا تقتصر مؤشرات التغيير على المؤسسة العسكرية وحدها، بل تمتد إلى الأطراف التي تشكلت حول الحرب نفسها.

ففي المعسكر المرتبط بالحركة الإسلامية، برزت خلال الأسابيع الأخيرة تصريحات من بعض قيادات لواء البراء بن مالك تتحدث عن الاتجاه نحو العمل المدني، بالتزامن مع ظهور قائد اللواء في المملكة العربية السعودية بعد عام من واقعة احتجازه وإبعاده، وهي تطورات لا يمكن فصلها عن المناخ السياسي الذي أعقب القرار الأمريكي بتصنيف الحركة الإسلامية السودانية، وإعلان نية واشنطن إدراجها منظمة إرهابية أجنبية.

كما تشير معلومات حصلت عليها صحيفة (صوت الأمة) السودانية من مصادر مطلعة إلى وجود نقاشات داخل دوائر رسمية بشأن مستقبل بعض التشكيلات التي نشأت خلال الحرب، في وقت تشهد فيه المؤسسات الأمنية مراجعات داخلية عبر كشوفات الإحالة إلى التقاعد والترقيات. ورغم أن هذه المعطيات لا ترقى بعد إلى مستوى القرارات المعلنة، فإنها تعكس حراكًا داخل أجهزة الدولة يصعب عزله عن التطورات السياسية الجارية.

وفي المقابل، تبدو قوات الدعم السريع هي الأخرى أمام مرحلة إعادة تشكل. فقد شهدت الأشهر الأخيرة انسحاب عدد من القيادات والعناصر، بينما عاد بعضهم إلى القوات المسلحة أو أعلن انضمامه إلى القوى الداعية إلى وقف الحرب، بما يشير إلى أن الضغوط العسكرية والسياسية بدأت تؤثر في تماسك البنية التي استندت إليها القوات منذ اندلاع الصراع.

ولا يعني ذلك أن أيًا من المعسكرين أصبح على وشك التفكك، لكنه يعني أن الحرب لم تعد تنتج الاصطفافات نفسها التي كانت قائمة في عاميها الأول والثاني، وأن التحولات الداخلية باتت جزءًا من المشهد السياسي، لا مجرد نتائج جانبية للعمليات العسكرية.

هل بدأت القوى المدنية البحث عن مركز سياسي جديد؟

بالتوازي مع هذه التحولات، يتحرك المسار المدني بوتيرة متسارعة، في محاولة لاستعادة دوره بعد أن همشته الحرب.

فمن المقرر أن تستضيف أديس أبابا خلال الفترة من 27 إلى 29 يوليو اجتماعات للقوى المدنية السودانية بدعوة من الآلية الخماسية، في إطار مساعٍ لبناء أرضية مشتركة يمكن الانطلاق منها نحو عملية سياسية أوسع.

وفي السياق ذاته، كشفت تقارير اعلامية عن شروع نائب رئيس مجلس السيادة مالك عقار في إجراء اتصالات مباشرة مع قيادات من تحالف “صمود” والكتلة الديمقراطية، تمهيدًا لإرسال ورقة تتضمن أسئلة تتعلق بالموقف من المؤسسة العسكرية، وقوات الدعم السريع، والحركة الإسلامية، إضافة إلى العلاقة مع المجتمعين الإقليمي والدولي، بهدف استكشاف إمكانات التوافق حول ترتيبات المرحلة الانتقالية.

وتكتسب هذه المبادرة أهميتها من أنها لا تنطلق من محاولة إنتاج تحالف سياسي جديد بقدر ما تسعى إلى اختبار إمكانية بناء حد أدنى من التفاهم بين قوى ظلت متباعدة منذ اندلاع الحرب. وإذا نجحت في ذلك، فقد تشكل إحدى اللبنات الأساسية لأي عملية سياسية مقبلة، خاصة أن التجارب السودانية السابقة أثبتت أن الاتفاقات التي تُبنى على توافقات واسعة تكون أكثر قدرة على الصمود من تلك التي تقوم على تفاهمات ثنائية أو مؤقتة.

تقدير موقف.. هل دخل السودان مرحلة إعادة التهيئة؟

لا تكمن أهمية المؤشرات التي ظهرت خلال الأسابيع الماضية في كل منها على حدة، وإنما في تزامنها. فمنذ اندلاع الحرب، لم تتحرك قنوات الاتصال بين الخرطوم وواشنطن، وإعادة تعريف الشركاء السياسيين من جانب الولايات المتحدة، ورسائل المؤسسة العسكرية من الداخل، والتحولات داخل أطراف الصراع، والمبادرات المدنية والإقليمية، في وقت واحد كما يحدث الآن.

ولا يعني ذلك أن السودان بات على أعتاب اتفاق سياسي، فالفجوة بين الأطراف لا تزال عميقة، والملفات الخلافية أكثر تعقيدًا من أن تُحسم عبر اتصالات دبلوماسية أو لقاءات تمهيدية. لكن المؤشرات المتوافرة توحي بأن بعض الفاعلين المحليين والإقليميين والدوليين بدأوا الانتقال من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة إعادة تهيئة البيئة السياسية التي قد تسمح، إذا توافرت الإرادة، بإطلاق مسار تفاوضي أكثر جدية.

ويبقى نجاح هذا المسار مرهونًا بثلاثة شروط رئيسية: أولها توافق الوسطاء الإقليميين والدوليين على رؤية موحدة، وثانيها استعداد الأطراف السودانية لتقديم تنازلات متبادلة، وثالثها أن تتحول التحركات الحالية من تبادل للرسائل إلى إجراءات عملية تُوقِف الحرب وتضع أسس انتقال سياسي يعالج جذور الأزمة.

وحتى يتحقق ذلك، سيظل السودان معلقًا بين احتمالين؛ أن تكون هذه المؤشرات بداية مسار جديد ينقل البلاد من منطق السلاح إلى منطق السياسة، أو أن تتحول إلى حلقة جديدة من إعادة التموضع، تطيل أمد الحرب بدلًا من أن تفتح الطريق أمام نهايتها. والفارق بين الاحتمالين لن تصنعه كثرة المبادرات أو البيانات، وإنما قدرة السودانيين، مدعومين بإرادة إقليمية ودولية متسقة، على تحويل الرسائل المتبادلة إلى قرارات، والاتصالات إلى اتفاقات، والتوافقات الأولية إلى سلام مستدام يعيد للدولة استقرارها وللسودانيين حقهم في مستقبل يتجاوز سنوات الحرب.