وقّع لبنان وإسرائيل في واشنطن اتفاقًا إطاريًا برعاية وزارة خارجية الولايات المتحدة، عقب الجولة الخامسة من المفاوضات بين الجانبين. ووصف وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الاتفاق، بأنه “خطوة أولى” نحو ترتيبات أوسع لوقف دائم للأعمال العدائية، ورحب الرئيس اللبناني جوزاف عون بالاتفاق، واعتبره بداية لاستعادة السيادة.
وركزت إسرائيل على البعد الأمني، إذ أعلنت مؤسساتها، أن الاتفاق لا يتضمن جدولًا زمنيًا لانسحاب القوات الإسرائيلية، وأن بقاءها في جنوبي لبنان سيستمر، حتى التأكد من نزع سلاح حزب الله، مع دور أمريكي في دعم الجيش اللبناني.
وفى السياق، أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على الاحتفاظ بـ”المنطقة الأمنية”، ما دام لم يتحقق هذا الهدف “نزع سلاح الحزب”، وأن انتشار الجيش اللبناني سيكون تدريجيًا، ووفق ترتيبات أمنية متفق عليها، مشيرًا إلى السماح له بالتواجد في مناطق جنوبية بوصفها “مواقع تجريبية” لتقييم قدرته على تنفيذ المهام الأمنية.
ووصف نتنياهو الاتفاق، بأنه “إنجاز كبير لإسرائيل”، معتبرًا أنه يمثل “ضربة قوية لإيران”، التي قال إنها سعت إلى فرض انسحاب إسرائيل من جنوبي لبنان، في إشارة إلى محادثات إسلام آباد ومذكرة التفاهم الإيرانية-الأمريكية، التي ينص بندها الأول على وقف الأعمال العدائية في مختلف الجبهات، بما فيها لبنان، والحفاظ على سيادته ووحدة أراضيه.
ونشرت الخارجية الأمريكية، السبت، نص الاتفاق الموقع في واشنطن يوم الجمعة 26 يونيو، مؤكدة في بيان أنه بموجب “هذا الإطار الثلاثي، ومن خلال الاتفاقيات المستقبلية، يعلن البلدان طموحهما لإنهاء الصراع بينهما، وضمان سيادة وأمن كليهما، وإقامة علاقات جوار سلمية بينهما”. ما يعني انتقال لبنان رسميا للتطبيع، وربما الالتحاق بالاتفاقيات الإبراهيمية، إذ استمر هذا المسار.
ردود الفعل
رفض حزب الله التفاوض مع إسرائيل، وبعد الإعلان عن الاتفاق قال النائب حسن فضل الله، إن الحزب يرفض إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، داعيًا الحكومة اللبنانية إلى “التراجع عن هذه المفاوضات وعن كافة القرارات التي اتخذتها بحق شعبها”.

وأضاف، في حديث لقناة “الميادين”، أن “من يصافح العدو فهو مجرم مثله، والسلطة أعطت هدية للعدو لن يكون لها مفاعيل على الأرض، وأي إجراء تقوم به السلطة سنتصدى له وسنتمسك بمقاومتنا وسلاحنا أكثر”. وكذلك اعتبر قائد الحزب الشيخ نعيم قاسم، أن سلطات بلاده تعطي هدايا مجانية لإسرائيل.
وفي أولى المؤشرات على رفض للاتفاق، جاب مناصرون للحزب على متن دراجات نارية شوارع بيروت، ولا سيما في مناطق بشارة الخوري ورياض الصلح وطريق المطار، احتجاجًا على الاتفاق، وفق ما ذكرته الوكالة الوطنية للإعلام اللبنانية.
التحالف الدولي بعد “يونيفيل”
في سياق الترتيب الأمني المتزامن مع الاتفاق، وعلى صعيد التفاعل الدولي مع المفاوضات، رحب الرئيس اللبناني جوزاف عون بإعلان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني السعي إلى تشكيل تحالف دولي بعد انتهاء مهمة قوات “يونيفيل” وهي قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان.
واعتبر أن المبادرة تعكس دعمًا لسيادة لبنان واستقراره، ولدور الجيش اللبناني في بسط سلطة الدولة، خصوصًا في الجنوب، مؤكداً انفتاح لبنان على أي صيغة تعزز قدرات الجيش وتحول دون تحول أراضيه إلى ساحة للتصعيد.
كما ثمّن عون التأكيد الفرنسي- الإيطالي على ضرورة تجنب أي فراغ أمني بعد انتهاء مهمة “يونيفيل” نهاية العام 2026، مشددًا على أن الجيش اللبناني هو الضمانة الأساسية لأمن الجنوب وصون السيادة.
وكان ماكرون وميلوني قد أعلنا، عقب القمة الفرنسية- الإيطالية السادسة والثلاثين يوم 25 يونيو، إطلاق تحالف دولي بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة لدعم سيادة لبنان وقواته المسلحة ومنع التصعيد الإقليمي، على أن يكون تحالفًا متعدد الجنسيات، يركز على حصر السلاح بيد الدولة وسحب سلاح حزب الله.
وبالتوازي، تعمل باريس وروما على إطلاق مبادرة دولية، تشمل قمة لدعم لبنان ومؤتمرًا للمانحين لتمويل الجيش اللبناني وإعادة الإعمار وتعزيز قدرة الدولة على بسط سلطتها الأمنية، في مقاربة تقترب من الآلية الإسرائيلية، التي طُرحت في غزة، والتي ربطت الإعمار بالاشتراطات الأمنية، من دون أن تنجح عمليًا حتى في إدخال مستلزمات الإيواء.
ويستهدف التحالف أن يكون بديلاً عملياً لقوات اليونيفيل بعد انتهاء مهمتها، وهي تضم حاليًا نحو 7500 جندي من قرابة 50 دولة، وتنتشر في جنوبي لبنان منذ عام 1978. وكان مجلس الأمن قد قرر في أغسطس إنهاء مهمتها في 31 ديسمبر 2026، فيما دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش إلى الإبقاء على وجود عسكري أممي بعد انتهاء المهمة، وطرح خيارات لتحقيق ذلك.
وفي المقابل، رحبت الولايات المتحدة وإسرائيل بإنهاء مهمة “يونيفيل”، في ظل تشكك إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في جدوى عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وتقليص مساهمتها المالية فيها، وهو ما دفع المنظمة الدولية إلى خفض قواتها في عدد من مناطق الانتشار حول العالم.
ولا يمكن فهم هذه التحركات الدولية بمعزل عن طبيعة الاتفاق ذاته وما يحمله من ترتيبات أمنية جديدة.
ماذا يعني الاتفاق؟
لا يمثل الاتفاق سلامًا أو حتى وقفًا نهائيًا للعمليات العسكرية، بل هو إطار لإدارة الصراع، يعيد صياغة ميزان القوى في جنوبي لبنان، بصورة تمنح إسرائيل أفضلية واضحة ومكاسب سياسية وأمنية.
كما توحي صياغته بتقارب رؤية الطرفين للمهددات الأمنية، وهو ما يتضح من نص البند الثامن، الذي يؤكد أن البلدين “يتشاطران هدف إقامة لبنان آمن ومعاد إعماره، يتمتع بسيادة الدولة اللبنانية الكاملة، ولا تشكل فيه أي جماعة مسلحة غير تابعة للدولة تهديدًا لإسرائيل أو للبنان أو لمواطني أي من البلدين”.
ويضيف البند ذاته أن استعادة الأمن في جنوبي لبنان، من خلال انتشار القوات المسلحة اللبنانية، والعودة الآمنة للسكان المدنيين، وضمان أمن التجمعات السكانية في شمالي إسرائيل، تمثل عناصر أساسية لتحقيق الاستقرار والسلام على المدى الطويل، بما يعكس اتفاقًا في الرؤية الأمنية بين الجانبين تجاه مستقبل الجنوب.
كما تعكس صياغة البند الخامس بقاء الوجود العسكري الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية، باعتباره مرتبطًا باستمرار وجود حزب الله وهجماته، مع تأكيد إسرائيل أنها لا تسعى للبقاء الدائم أو ضم أراضٍ لبنانية، لكنها في المقابل لا تحدد موعدًا للانسحاب أو نطاق قواتها أو التزاماتها، تاركة هذه المسائل لملحق أمني سيحدده الجانبان.
بينما يؤكد البند السادس، أن حكومة الجمهورية اللبنانية وحدها تمتلك السلطة السيادية الحصرية لاتخاذ قرارَي الحرب والسلم، وترفض أي استخدام للقوة من قبل أي دولة أو جهة غير حكومية دون تفويض منها، وتعتبر أي دور عسكري أو أمني خارج إطار الدولة غير قانوني. وتحمل هذه الصياغة دلالة واضحة على رفض استمرار أي دور خارجي، بما في ذلك الدعم الإيراني، الذي كان حاضرًا في محادثات إسلام آباد وسويسرا الخاصة بإنهاء الحرب على لبنان، ضمن مذكرة التفاهم الأمريكية-الإيرانية.
وفي مجملها، توحي بنود الاتفاق بأن أولوياته الأمنية تتقاطع مع هدف الحد من الدور العسكري لحزب الله وتقليص النفوذ الإيراني، عبر تعزيز احتكار الدولة اللبنانية للسلاح والقرار الأمني، وفك الارتباط السياسي مع مفهوم مقاومة إسرائيل، وكل جبهة ترفع هذا الشعار، وهذا وإن كان هدفا إسرائيليا، لكنه مدعوم أوروبيا ومن أطراف عربية ترى في ذلك خيارا لحل أزمة لبنان وتكرار عدوان إسرائيل عليها.
أبرز دلالات الاتفاق:
أولًا: انتقال مركز التفاوض من وقف إطلاق النار إلى ترتيبات ما بعد حزب الله، وفق الارتباط السياسي بمفهوم مقاومة الاحتلال وتأكيد مسار التفاوض دون استخدام أي أوراق غير هذا المسار.
وفى الاتفاق، انتقل مسار التفاوض من البحث في وقف إطلاق النار إلى وضع ترتيبات أمنية لمرحلة ما بعد حزب الله، إذ أصبح نزع سلاحه شرطًا سابقًا لمطلب بيروت بانسحاب إسرائيل من الأراضي، التي احتلتها وتوغلت فيها مؤخرًا.
كما أن الاتفاق لا يحدد توقيتًا أو نطاقًا جغرافيًا واضحًا للانسحاب، في حين تؤكد تصريحات المسؤولين الإسرائيليين استمرار حرية الجيش الإسرائيلي في تنفيذ عملياته ورفض الانسحاب الكامل قبل تحقيق أهدافه الأمنية.
ثانيًا: بروز الدور الأمريكي في الشراكة الأمنية مع إسرائيل
يكشف الاتفاق عن انتقال الدور الأمريكي من دور الوسيط إلى شريك مباشر في تنفيذ الترتيبات الأمنية، عبر دعم الجيش اللبناني، والإشراف العملي على تنفيذ آليات نزع سلاح حزب الله وإبعاده عن الجنوب، مع الدفع نحو تقليص دوره العسكري، وربما التمهيد لإجراءات قانونية وسياسية تستهدف شرعية وجوده المسلح وأنشطته السياسية.
كما يتخذ الحضور الأمريكي مسارين متوازيين؛ أحدهما دبلوماسي تقوده وزارة الخارجية، والآخر عسكري تقوده وزارة الحرب “البنتاجون” لدعم اللجنة الأمنية الأمريكية وتوسيع نطاق عملها داخل لبنان.
ثالثًا: بقاء الوجود العسكري الإسرائيلي وربط الانسحاب بالاعتبارات الأمنية
يمنح الاتفاق إسرائيل هامشًا واسعًا للاحتفاظ بوجود عسكري داخل الأراضي اللبنانية، فيما يعرف بالخط الأمني أو “الخط الأصفر”، من دون سقف زمني واضح، بما يجعل الانسحاب مرتبطًا بتقديرها لمستوى الأمن ومدى تنفيذ المطالب ويعني ذلك أن “المنطقة الأمنية” قد تتحول إلى واقع دائم، يسمح لإسرائيل بالتحرك عسكريًا، بينما تصبح إعادة إعمار الجنوب وعودة السكان المدنيين، مرتبطة بتحسن الوضع الأمني وتنفيذ الترتيبات الخاصة بنزع السلاح.
رابعًا: اختبار صعب أمام الدولة اللبنانية
يضع الاتفاق الدولة اللبنانية ومؤسساتها أمام اختبار بالغ الصعوبة يتمثل في إبعاد حزب الله عن الجنوب، ونزع سلاحه، وملاحقة بنيته العسكرية والسياسة ومصادر تمويله ومناطق نفوذه شعبيا، وهو ما قد يفتح الباب أمام توترات سياسية وربما أهلية، في ظل غياب حوار داخلي شامل بين الحزب ومؤسسات الدولة بشأن ملفات عدة.
ويزداد هذا التحدي مع استمرار الانقسام بين القوى السياسية اللبنانية بشأن العلاقة مع إسرائيل، رغم الإجماع على رفض استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية.
وقد بدا غضب قوى لبنانية واضحًا منذ الإعلان عن الاتفاق، رغم عدم الكشف عن كامل بنوده، ومن المتوقع أن تعلن قوى سياسية عدة رفضها له، بما فيها قوى تختلف مع حزب الله في توجهاته، وهو ما يعيد إلى الأذهان تجربة اتفاق 17 مايو 1983، الذي سقط لاحقًا بفعل الانقسام الداخلي والرفض السياسي.
المقارنة التاريخية
قبل عقدين، قام القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن على مبدأ التوازن، إذ ربط بين انسحاب إسرائيل، وانتشار الجيش اللبناني، وتعزيز دور قوات الأمم المتحدة “يونيفيل”، مع إبقاء قضية سلاح حزب الله ضمن مسار سياسي لبناني طويل الأمد، وهو المسار الذي لم يشهد تقدمًا؛ بسبب التوازنات الداخلية ووجود سند سياسي وشعبي للمقاومة.
وفي اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في نوفمبر 2024، والذي انهار مع تجدد المواجهات في مارس 2026، جرى التأكيد على تنفيذ القرار 1701، إلا أن الاتفاق الإطاري الحالي يمثل تحولًا واضحًا؛ إذ أصبح الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المحتلة مشروطًا بالتحقق من تفكيك البنية العسكرية لحزب الله، وتقييم إسرائيل مدى نجاح الجيش اللبناني في تنفيذ المهام الأمنية قبل الانتقال إلى مراحل لاحقة.
الخلاصة
يعكس الاتفاق الإطاري تحولا في بنية الاتفاقات السابقة، وفي طبيعة الترتيبات المطروحة في جنوبي لبنان، وانتقالها من معادلة تقوم على التوازن بين الانسحاب الإسرائيلي وعودة الجيش اللبناني في الجنوب، كما في القرار 1701، إلى المشروطية الأمنية، بحيث يصبح تنفيذ المطالب المتعلقة بنزع سلاح حزب الله وإعادة هيكلة الوضع الأمني في الجنوب شرطًا لأي انسحاب إسرائيلي، وكذلك عودة السكان وجهود الإعمار والتمويل وغيرها، وهنا تصبح الضغوط على الدولة اللبنانية متعددة.
ويأتي هذا التحول في سياق تغيرات أوسع في ميزان القوى الإقليمي بعد الحرب الأخيرة، وحرب إسرائيل على إيران، ونتائج حرب غزة، واتساع العمليات العسكرية الإسرائيلية لتشمل الأراضي الفلسطينية ولبنان وسوريا واليمن، بما عزز قدرة إسرائيل على فرض أولوياتها الأمنية في أي ترتيبات تفاوضية.
وفي المقابل، يجد لبنان نفسه أمام مرحلة انتقالية معقدة، تتداخل فيها متطلبات استعادة السيادة وبسط سلطة الدولة مع ضغوط تنفيذ ترتيبات أمنية جديدة، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من أراضيه، والانقسام الداخلي بشأن مستقبل سلاح حزب الله، ووضع مأساوي خلفه الاحتلال من تدمير وقتل ومفاقمة الأزمة الاقتصادية، ذلك مع غياب موقف عربي حاسم يحد من قدرة إسرائيل على فرض رؤيتها الأمنية في المنطقة، وشروطها لوقف العدوان في الساحة اللبنانية.






