لم تكن الضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإيران خلال الأيام الماضية إعلانا عن حرب جديدة، ولا مجرد انهيار لهدنة بين الطرفين، لأن الطرفين واصلا التفاوض حتى بعد سقوط الهدنة ميدانيا، كما لم تكن العمليات العسكرية منفصلة بحيث يمكن قراءتها بعيدا عن مسار المباحثات حول مضيق هرمز والنفط والبرنامج النووي.
هذا المشهد المتناقض، الذي تضرب فيه إيران سفنا لدول تتوسط بينها وبين واشنطن، وترد فيه الولايات المتحدة بقصف مواقع إيرانية، ثم تؤكد استمرار المباحثات، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعلن انتهاء وقف إطلاق النار، لكنه في الوقت نفسه يقول، إن التفاوض مع طهران سيستمر.
إنها لحظة تتحول فيها الضربات العسكرية إلى لغة تفاوض، وتتحول العقوبات النفطية إلى سلاح ميداني، ويصبح مضيق هرمز هو الطاولة الحقيقية للصراع.
هل نحن أمام حرب أم هدنة تفاوض؟
عقب الهجمات على السفن قرب مضيق هرمز، أعلنت واشنطن أن قواتها نفذت ضربات موجعة للجانب الإيراني، واستهدفت أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، وشبكات القيادة والسيطرة، ومواقع الرادار الساحلي، وقدرات الصواريخ المضادة للسفن، إضافة إلى أكثر من ستين زورقا تابعا للحرس الثوري، والهدف المعلن بوضوح، وفقا لتقارير وكالة رويترز: إضعاف قدرتها على تهديد الملاحة الدولية، وردت إيران بدورها بضرب منشآت ومواقع عسكرية أمريكية في عدد من دول المنطقة، من بينها قطر والكويت والبحرين والأردن، لكنها حافظت هي الأخرى على مستوى محسوب من التصعيد، ضربات تظهر القدرة على توسيع الميدان دون التحول إلى حرب شاملة مفتوحة.
هنا تظهر القاعدة التي تحكم المواجهة: كل طرف يريد إقناع الآخر، بأنه قادر على رفع الكلفة، لكنه لا يريد بلوغ النقطة التي يصبح عندها التراجع مستحيلا.
وبالتالي، نحن أمام هدنة سياسية بلا هدوء عسكري، وحرب عسكرية بلا قرار سياسي بالحسم.
لماذا ضربت إيران سفن دول تتفاهم معها؟
أثارت الهجمات على ناقلة الغاز الطبيعي القطرية (الركيات) وناقلة النفط السعودية (وديان) سؤالاً منطقيا: لماذا تستهدف إيران سفن دولتين تشاركان في جهود الوساطة والتهدئة؟
الناقلة القطرية كانت محملة بالغاز الطبيعي المسال حين أصيبت قرب الساحل العماني، واندلع حريق في غرفة محركاتها، وسط مخاوف من الانفجار، وبعدها تعرضت ناقلة النفط السعودية لأضرار في المنطقة نفسها.
قراءة هذه الهجمات من قبل طهران، تأتى بالنظر لما أعلنته من تحذيرات واضحة للسفن من استخدام مسارات غير معتمدة داخل المضيق، وهددت برد قوى لمن يخالف التعليمات، وعلى ذلك لم يكن منطق الاستهداف هو عَلَم الدولة التي تملك السفينة، بقدر ما كان اختباراً لسلطة إيران على حركة العبور. الرسالة الأساسية كانت أن التفاهمات السياسية مع الحكومات لا تعني تلقائيا قبول مرور سفنها خارج النظام الملاحي، الذي تريد طهران فرضه.
إيران تحاول الانتقال من مجرد القدرة على تعطيل الملاحة في المضيق إلى امتلاك حق فعلي في تنظيمه، أي تحويل القوة العسكرية التي فرضتها أثناء الحرب إلى مكسب سياسي واقتصادي دائم بعد الحرب.
ولهذا يرتبط الخلاف الحالي بمسألتين: المسارات التي تسلكها السفن، وما إذا كان من حق إيران تحصيل رسوم أو فرض شروط على المرور. واشنطن تصر على أن يكون العبور آمناً ومفتوحا ومجانيا، بينما تناقش أطراف عُمانية نماذج لفرض رسوم طوعية مقابل خدمات ملاحية.
وثمة تفسير آخر لا يمكن استبعاده، وهو أن الضربات عكست صراعا داخل المنظومة الإيرانية نفسها بين مؤسسات تريد استثمار التهدئة اقتصاديا، وقطاعات متشددة داخل الحرس الثوري تخشى أن يؤدى الاتفاق إلى سحب أهم أوراق الضغط من يدها.
يميل البعض إلى التفسير السابق، بعد أن أبلغت طهران وسطاء، وفق روايات أمريكية أن الهجمات ربما نفذتها عناصر متشددة؛ سعت لتخريب المفاوضات. لكن هذا التفسير لا يعفي الدولة الإيرانية من المسؤولية؛ لأن القيادة إما أمرت بالهجمات لتقوية موقفها التفاوضي، وإما أنها لم تعد تسيطر بالكامل على القوة التي تدير المضيق، وفي الحالتين تصبح المشكلة أعمق من مجرد حادث بحري.
الرد الأمريكي: القوة العسكرية مقابل خنق النفط
الرد الأمريكي لم يقتصر على القصف.
ففي الوقت الذي استهدفت فيه القوات الأمريكية الرادارات الساحلية والصواريخ المضادة للسفن ومنظومات الدفاع الجوي، ألغت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الترخيص، الذي كان يسمح لإيران ببيع النفط بصورة مؤقتة.
كانت واشنطن قد أصدرت في ٢٢ يونيو ترخيصا عاما، يسمح ببيع النفط الخام والمنتجات البترولية والبتروكيماويات الإيرانية حتى ٢١ أغسطس، باعتباره أحد الحوافز المرتبطة بمفاوضات السلام، لكن بعد ضرب السفن، قررت إنهاء الترخيص عمليا، مع منح فترة تصفية لا تتجاوز موعد الـ ١٧ من يوليو.
القرار يوضح أن واشنطن لا تنظر إلى النفط بوصفه ملفا اقتصاديا منفصلا عن الحرب، بل باعتباره جزءا من منظومة الردع.
الضربات الجوية استهدفت قدرة إيران على تهديد الملاحة وإلحاق الضرر بمنشآت حيوية، بينما يستهدف إلغاء الترخيص قدرتها على تمويل الحرب والدولة معا.
هنا تكمن خطورة الرد الأمريكي، فالمنشآت العسكرية يمكن إصلاحها أو تعويضها، لكن إعادة فرض القيود على النفط تعني تجفيف الإيرادات، في لحظة كانت طهران تحاول فيها تحويل الهدنة إلى انفراجة اقتصادية.
فخلال الفترة القصيرة، التي أعقبت مذكرة التفاهم، صدرت إيران عشرات الملايين من البراميل، وبدأت محادثات مع مشترين من اليابان وآسيا، لكن إعادة العقوبات دفعت المشترين إلى التراجع، وتسببت في تراكم شحنات إيرانية في البحر، بينما اتجهت مصافي التكرير الصينية إلى بدائل عراقية وقطرية وإماراتية أرخص، ووصل متوسط الواردات الصينية من المواد الخام الإيرانية خلال شهر يوليو إلى نحو ٥٥٦ ألف برميل يوميا، وهو أدنى مستوى منذ يناير ٢٠٢٣.
وبذلك حولت واشنطن النفط إلى مهلة سياسية لطهران للالتزام بأمن الملاحة أو الوقوع في استنزاف خسائر النفط.
حرب القدرات الأمريكية مقابل حرب الكلفة الإيرانية
لا تقاتل الولايات المتحدة وإيران بالطريقة نفسها؛ لأنهما لا تملكان الأدوات نفسها.
الولايات المتحدة تستخدم تفوقها الجوي والاستخباراتي والبحري لتدمير الرادارات ومنظومات القيادة والصواريخ والزوارق، التي تسمح لإيران بالسيطرة على المجلب “النقل” البحري، مستهدفة تقليص القدرة الإيرانية على تنفيذ الهجمات وربط كل استخدام للسلاح بخسارة جزء من البنية العسكرية الإيرانية.
أما إيران، فتخوض حرب كُلفة. فهي لا تحتاج لهزيمة بحرية أو التفوق على سلاح الطيران الأمريكي، بل يكفيها استمرار العمليات العسكرية ورفع كلفة الحرب على الجميع مع تعطل الملاحة.
حين تعرضت السفن للهجوم ارتفعت أسعار النفط بنحو ٦٪ وارتفعت أخطار الملاحة لمستوى تقدير (شديد).
هذه هي المعادلة الإيرانية: لا حاجة إلى إغلاق المضيق بالكامل، بل يكفي رفع تكلفة الخطر على الجميع.
الأمريكيون يملكون قوة نيران أكبر، لكن الإيرانيين يحاولون توزيع التهديد على مساحة أوسع من قدرة الخصم.
الأزرق: توسيع ساحة الاشتباك من الخليج إلى شبكة القواعد
تكتسب الضربات الإيرانية هذه المرة أهمية خاصة؛ بسبب ضرب قاعدة الأزرق في الأردن.
فالقاعدة هذه المرة ليست في الخليج، كما أنها ليست من القواعد التي ارتبط اسمها بالمواجهة المباشرة مع طهران.
وبالتالي، استهدافها يعني أن طهران لم تعد تحصر الرد في المنشآت الأمريكية في الخليج، بل تتعامل مع الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، باعتباره شبكة واحدة مترابطة.
الأهم هو أن قاعدة الأزرق هي القاعدة العسكرية، التي ارتدت إليها القوات الأمريكية من الخليج للأردن بعد ضرب مواقع القواعد بالخليج، وعلى الرغم من ذلك، لم يتم تسجيل خسائر بشرية أو أضرار كبيرة، وفقا للرواية الأردنية على الرغم من تعرض القاعدة لعشرات الصواريخ الباليستية الإيرانية.
يكشف الاستهداف عن انتقال الصراع من معركة حول مضيق هرمز إلى معركة حول البنية الإقليمية للوجود الأمريكي: قواعد في قطر والبحرين والكويت والأردن، منظومات دفاع جوي، مخازن وقود، ومحطات اتصالات وأقمار صناعية.
إيران لا تستطيع إخراج الولايات المتحدة من المنطقة بضربة واحدة، لكنها تستطيع التشكيك في قدرتها على توفير الأمن للدول التي تستضيفها، وكل ضربة ناجحة ولو محدودة، تحمل رسالة سياسية إلى العواصم الخليجية والعربية بالقلق.
الصين الغائب الحاضر
لا تظهر الصين في مقدمة المواجهة العسكرية، لكنها موجودة خلف معظم حساباتها.
فهي أكبر سوق محتملة للنفط الإيراني، وأحد أكبر المستوردين للطاقة العابرة من مضيق هرمز، كما أنها القوة الوحيدة تقريبا القادرة على منح طهران متنفسا اقتصاديا في مواجهة العقوبات الأمريكية.
لكن السلوك الصيني خلال الأزمة الأمريكية الإيرانية برمتها اتسم بالحذر، بكين لم تمنح إيران شيكا مفتوحا، كما لم تتبنَ علنا حقها في فرض رسوم إلزامية على المرور، بل اتفقت مع واشنطن في مايو، على معارضة أي محاولة لفرض رسوم على السفن العابرة للمضيق.
وفى الوقت نفسه، دخلت الصين في محادثات مع طهران لضمان مرور ناقلات النفط والغاز المتجهة إليها، خصوصا شحنات الغاز القطري التي تعتمد عليها الأسواق الآسيوية.
الصين تريد ثلاثة أمور متعارضة ظاهريا: بقاء إيران شريكا استراتيجيا، واستمرار تدفق الطاقة، وعدم تحول طهران إلى قوة تتحكم منفردة في أهم ممر ملاحي نفطي عالمي.
لهذا تبدو بكين غائبة عن المشهد لكنها حاضرة بقوة داخل المعادلة الاقتصادية.
وحتى الآن لا يبدو أن الصين مستعدة لدفع ثمن إنقاذ الاقتصاد الإيراني، فقد تراجعت مشتريات المصافي المستقلة الصينية من الخام الإيراني، واتجهت للإمدادات المنافسة الأكثر انخفاضا ومخاطرة من حيث عقوبات التأمين.
بكلمات أوضح الصين تدعم بقاء إيران، لكنها لا تريد تمويل تصعيد إيراني يضر مصالحها النفطية في الوقت الحالي.
هرمز حدود القوة ولماذا يعود الجميع إلى طاولة التفاوض؟
رغم التصعيد العسكري، فإن الوقائع على الأرض تشير إلى أن أيا من الطرفين، لا يستطيع تحويل هذه المواجهة إلى حرب مفتوحة طويلة من جديد.
إيران تمتلك القدرة على تهديد الملاحة ورفع تكلفة التأمين وضرب بعض القواعد الأمريكية، لكنها تعتمد هي نفسها على مضيق هرمز لتصدير ما تبقى من نفطها واستيراد احتياجاتها، وكلما طال أمد الأزمة، زادت خسائر الاقتصاد الإيراني، خصوصا بعد إعادة واشنطن تشديد القيود على صادرات النفط.
لكن المشكلة بالنسبة لطهران لا تقتصر على العقوبات، بل على طبيعة الهدف الذي تقاتل من أجله، فهي لا تريد مجرد إغلاق للمضيق، لأن ذلك سيضر بها قبل غيرها، وإنما تريد تثبيت واقع جديد يعترف بأن الحرب غيرت قواعد المرور فيه.
وهنا تبدأ ملامح التفاوض تتكشف بصورة أوضح:
فبينما تتواصل الضربات، توجه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى سلطنة عمان، لعقد اجتماع مع نظيره العماني بدر البوسعيدي، بالتزامن مع مشاركة مسؤولين قطريين في الاتصالات بين طهران وواشنطن. لم يعد النقاش حول استعادة وقف إطلاق النار، بل حول الفتح الكامل لمضيق هرمز وضمان حرية الملاحة.
وهو تطور بالغ الدلالة لأنه يكشف أن جوهر الأزمة لم يعد تبادل الضربات، وإنما من يضع قواعد المرور في المضيق.
لهذا لم يكن من الغريب أن يعلن دونالد ترامب انتهاء وقف إطلاق النار، ثم يؤكد في الوقت نفسه استمرار المحادثات مع إيران.
فالهدنة العسكرية ربما تكون قد انتهت، لكن التفاوض لم يتوقف أصلا.
لقد أصبحت الضربات جزءا من عملية التفاوض، كل صاروخ إيراني يرفع كلفة تجاهل مطالبها، وكل ضربة أمريكية تقلص قدرة إيران على فرض تلك المطالب بالقوة، فيما تتحرك عُمان وقطر لرسم صيغة تمنع انفجار الممر البحري الأكثر أهمية في العالم
لذا فالسؤال الحقيقي الآن:
أي توازن جديد سيولد من هذه الحرب، ومن سيكون صاحب الكلمة الأخيرة في أهم ممر للطاقة في العالم؟






