السيادة المتسربة: من يقود مَن في تحالف واشنطن تل أبيب؟
قرأنا في المقالات السابقة من هذه السلسلة، العلاقةَ بين إسرائيل وراعيها الأمريكي قراءةً أحاديةَ الاتجاه: إسرائيل تابعةٌ هيكلياً للولايات المتحدة، صمودُها “صمودُ العضو الموصول بجهاز التنفّس الصناعي”، وعقدتُها “معلّقةٌ بالراعي”. وهذه القراءة تلتقط نصف الحقيقة بدقّة. لكنّها تُسقط نصفها الآخر- وهو النصف الذي يقلب معنى الأرقام ذاتها.
فالعلاقة بين تل أبيب وواشنطن، ليست هرماً تتدفّق فيه القوة من القمة إلى القاعدة، بل شبكةٌ متبادلة النفاذ، يأسر فيها “التابع” (إسرائيل) شريحةً وظيفيةً من قرار “الراعي” (أمريكا)، حتى وهو يعتمد عليه في شرائح أخرى. وبتعبيرنا: التبعية والأَسْر لا يتناقضان، لأنّهما يعملان في وظيفتين مختلفتين. وهذا ما يُخصَّص له هذا المقال الخامس والأخير من السلسلة.
أولاً: قناتان لأَسْر القرار الأمريكي
تَنفذ القدرة الإسرائيلية على تكييف القرار الأمريكي عبر قناتين متمايزتين، تلتقيان في النتيجة، وإن اختلفتا في الآلية. القناة الأولى داخلية- سياسية: قدرة إسرائيل على التأثير في صناعة السياسة الأمريكية عبر بنيةٍ مركّبة من جماعات الضغط المنظَّمة، والتحالف مع التيار الإنجيلي- الصهيوني ذي الوزن الانتخابي الكبير، وبنية الكونجرس، التي تجعل دعمَ إسرائيل كلفةً سياسيةً باهظة على من يخالفه. وقد جادل بهذه الأطروحة باحثان من تيار الواقعية البنيوية- ميرشايمر ووولت- في عملهما “جماعة الضغط الإسرائيلية والسياسة الخارجية الأمريكية” (Mearsheimer & Walt-2007)، إذ رأيا أنّ الدعم الأمريكي غير المشروط يصعب تفسيره بالمصلحة القومية الأمريكية وحدها. ومن واجب الإنصاف أن نسجّل أنّ هذه الأطروحة محلّ نقدٍ أكاديميٍّ واسع، إذ يرى خصومها، أنّها تُبالغ في وزن العامل الداخلي، وتُقلّل من الالتقاء الاستراتيجي الحقيقي بين الطرفين.
لكنّ هذا النقد ذاته يصبّ في مصلحة أطروحتنا لا ضدّها، إذ ينقلنا إلى القناة الثانية: القناة الاستراتيجية- الوظيفية، هذه القناة تقوم على قيمة إسرائيل الفعلية للاستراتيجية الأمريكية الكبرى، بوصفها قاعدةً متقدّمة، ومورّداً تكنولوجياً في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي العسكري، ومنفّذاً إقليمياً يملك تفوّقاً قتالياً، لا يملكه حليفٌ آخر. وبموجب هذه القناة، لا يدعم الراعي وكيلَه إحساناً، بل لأنّ الوكيل يؤدّي وظيفةً، يحتاجها الراعي ولا يجد من يؤدّيها سواه. والقناة الثانية أقوى تفسيرياً من الأولى، لأنّها تُبيّن أنّ الأَسْر ليس التواءً عَرَضياً في السياسة الأمريكية يمكن تقويمه، بل بنيةٌ مصلحيةٌ راسخة ما دام التفوّق العسكري الإسرائيلي قائماً.
ثانياً: قراءةٌ معاكسة لأرقام الذخائر
هنا تُقرأ أرقام المقال الثاني ذاتها قراءةً معاكسة تماماً. سُقنا استدلالاً على التبعية- أنّ الولايات المتحدة أطلقت دفاعاً عن إسرائيل أكثر من مئتي صاروخ THAAD، أي قرابة نصف مخزون البنتاجون، وأكثر من مئةٍ من طرازَي SM-3 وSM-6 (Washington Post-2026)، وأنّ إعادة بناء هذه المخزونات تحتاج ما بين سنةٍ وأربع سنوات (CSIS-2026).
قرأنا هذا أوّلاً بوصفه دليلَ اعتماد إسرائيل على ترسانة راعيها. لكنّ القراءة المعاكسة أبلغ وأعمق: أيّ “تابعٍ” هذا الذي يستطيع أن يستنزف نصف مخزونٍ استراتيجيٍّ لأعظم قوةٍ عسكريةٍ في التاريخ، ويُلزمها بسنواتٍ من إعادة البناء، خدمةً لحربٍ هو من بدأها؟
استنزافُ الراعي لاحتياطيّه الاستراتيجي دفاعاً عن وكيله، ليس علامةَ خضوع الوكيل، بل علامة أَسْره للراعي. فالتابع لا يجرّ راعيه إلى تفريغ ترسانته، أمّا الآسِر فيفعل. والحرب الإيرانية كلّها، بهذا المعنى، شاهدٌ على الاتجاه المعكوس: لم تكن إسرائيل ذراعاً حرّكتها واشنطن، بل كانت في جانبٍ حاسم، الفاعلَ، الذي جرّ واشنطن إلى حربٍ تخدم أولويّاته الأمنية، فأنفقت فيها الإمبراطوريةُ من رصيدها الاستراتيجي، ما لم تكن لتنفقه لو أنّ القرار قرارها وحدها. وقد أطلقت مراكز التفكير الأمريكية تنبيهاتٍ متعاقبة حول كلفة هذا الاستنزاف على الجاهزية الدفاعية الأمريكية (RUSI-2026).
ثالثاً: الهيمنة المتمايزة في العلاقة العمودية
تتكشّف وجاهة هذا المحور، حين نُعمِل أداة “الهيمنة المتمايزة” على علاقة إسرائيل براعيها ذاتها لا على علاقتها بإقليمها فحسب. فكما أنّ إسرائيل مهيمنةٌ وظيفياً في حقلٍ ضيّق- السيبرانية والذكاء الاصطناعي العسكري- وتابعةٌ فيما عداه، كذلك هي في علاقتها بأمريكا: تأسر وظيفةً بعينها، وهي المساهمة بدور فاعل في صياغة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وملفّ إيران تحديداً، بينما تظلّ معتمدةً في وظائف أخرى كإعادة إمداد الذخائر والمظلة المالية وضمان الردع النهائي.
فالتبعية والأَسْر ليسا حالتين متعاقبتين ولا متناقضتين، بل وظيفتان متزامنتان في العلاقة الواحدة. وما جرى في المقالات السابقة، أنّنا طبّقنا الأداة على الخارج الإقليمي، وأغفلنا تطبيقها على العلاقة العمودية بالراعي، فبدت لنا أحاديةَ الاتجاه. حين نطبّقها هنا، يزول التناقض الظاهري بين “إسرائيل المعلّقة بالراعي” و”إسرائيل التي تجرّ الراعي”: كلاهما صحيح، لأنّ كلاً منهما يصف وظيفةً مختلفة.
وهذا “التسريب الوظيفي” بين مستوى الراعي ومستوى الوكيل هو ما يجعل الحديث عن “استقلالٍ إسرائيليٍّ كامل” أو “تبعيةٍ إسرائيليةٍ كاملة” تبسيطين متماثلين في الخطأ. الأصحّ أنّ السيادة هنا مُتسرِّبة في الاتجاهين: يتسرّب جزءٌ من قرار إسرائيل إلى يد راعيها في الإمداد والحماية النهائية، ويتسرّب جزءٌ من قرار الراعي إلى يد وكيله في رسم أولويّات الإقليم. والعلاقة في محصّلتها ليست هرماً، بل عقدةٌ مزدوجة يصعب فيها الجزم، بمن يقود مَن، لأنّ القيادة ذاتها موزّعةٌ على الوظائف لا محتكَرةٌ في طرف.
رابعاً: الإبراهيمية بعد الطوفان- من التطبيع إلى الإكراه
يبقى أن نصل المحورين السابقين بآليةٍ سببيةٍ واحدة. والحلقة التي تصلهما هي التفوّق العسكري الإسرائيلي الذي ثبت- نسبياً- في حرب 2023- 2026. وأشدّد على قيد “نسبياً”، لأنّ المقال الثاني أثبت أنّ هذا التفوّق مُعارٌ في جزءٍ حاسمٍ منه، ومُستنزَفٌ أسرع مما يُجدَّد. لكنّ التفوّق حتى في حدوده النسبية يؤدّي وظيفةً سببيةً محدّدة: إنّه “المؤهِّل” الذي يُغري الراعي، بأن يعهد إلى الوكيل بأدوارٍ في إعادة صياغة الشرق الأوسط، لأنّه لا يجد في الإقليم كلّه فاعلاً واحداً، يملك من القدرة القتالية، ما تملكه إسرائيل باستثناء تركيا التي تنافسها.
وهنا تُقرأ اتفاقيات إبراهام بمستوىً مختلف، عمّا قدّمناه في المقال الثالث. فقد قرأناها بوصفها “تكاملاً ثنائياً رفيعاً بين الحكومات وانفصالاً مجتمعياً عميقاً” بين الحكومات العربية وشعوبها- وهذه القراءة صحيحة على مستوى المجتمعات. لكنّها تُغفل المستوى الذي تُصمَّم عنده الإبراهيمية أصلاً: مستوى الاستراتيجية الأمريكية الكبرى. فالاتفاقيات لم تكن مبادراتٍ خليجيةً- إسرائيليةً عفوية، بل معماراً أمريكياً مقصوداً لإعادة تنظيم الإقليم على ركيزتين متلازمتين: أمنيةٌ قوامها التفوّق الإسرائيلي بوصفه ضامنَ الردع الإقليمي، واقتصاديةٌ قوامها تحويل إسرائيل ومحيطها الخليجي إلى مركز ثقلٍ، تمرّ عبره التدفّقات من ممرّ الهند- الشرق الأوسط- أوروبا إلى الطاقة إلى التكنولوجيا. فالشبكة التي تُبنى ليست شبكةً مجتمعيةً بالرضا، بل شبكةٌ استراتيجية- لوجستية- أمنية تتجاوز المجتمعات عمداً، لأنّها تستند إلى التفويض العسكري والإكراه لا إلى القبول.
وهنا يقع المفصل الأهمّ: طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023 وما ترتّب عليه من حروب، لم يُسقط فقط شرعية إسرائيل، بل أسقط صراحةً مشروعَ الإبراهيمية في صيغته الأصلية- صيغة “التطبيع بالرضا” التي راهنت عليها الاستراتيجية الإقليمية الأمريكية، والتي كانت تتقدّم نحو تطبيعٍ سعوديٍّ يُكلِّل المسار. فالطوفان أعاد القضية الفلسطينية إلى قلب المعادلة، فجعل التطبيعَ الطوعي كلفةً شعبيةً لا تُحتمَل. ولم يُنهِ هذا الإسقاطُ المشروعَ الأمريكي، بل دفعه إلى استبدال مساره: من التطبيع الطوعي، الذي يلتمس قبول المجتمعات، إلى إعادة الصياغة بالإكراه عبر الوكيل المتفوّق عسكرياً.
وبمصطلحنا؛ فنحن أمام “تسريبٍ وظيفي” بين مسارين أمريكيين متلازمين: حين تتعطّل وظيفةٌ- الشرعنة بالتطبيع الطوعي- تتضخّم الوظيفة المقابلة- الإنفاذ بالإكراه عبر الوكيل- لتسدّ الفراغ. وهذا بالضبط ما يجعل قراءة المقال الثاني ناقصةً، ما لم تُقرأ من هذه الزاوية: المفارقة المركزية لا تقول إنّ إسرائيل تخسر فحسب، بل تقول إنّ خسارتها الشرعية هي ذاتها التي تُعمّق دورها الإكراهي بالوكالة. الفشل في الشرعية والنجاح في التفويض ليسا حدثين منفصلين، بل وجهان لانقلابٍ واحدٍ فجّره الطوفان.
الاستنتاج التركيبي: هيمنة التشظّي بالوكالة
حين نلمّ الخيوط عبر مقالات السلسلة الخمسة، تتكشّف الصورة عن إعادة معايرةٍ لا عن نقض. فالمقالات الثلاثة الأُول لم تُخطئ حين برهنت أنّ إسرائيل تفشل، في أن تكون “عقدةً اندماجيةً” تقود إقليمها بالرضا؛ لكنّها قاست إسرائيل على نموذجٍ للهيمنة ليس هو نموذجها. فإسرائيل لا تسعى إلى الهيمنة الاندماجية لتفشل فيها، بل تسعى إلى نمطٍ آخر، كان مستتراً عن مقياس الاندماج: هيمنةٌ على (محيطها الجغرافي)، تُمارَس بالوكالة عن راعٍ مأسور (أمريكا)، ومقنّنةٌ في إطارٍ إبراهيميٍّ، تحوّل بعد الطوفان من تطبيعٍ بالرضا إلى إنفاذٍ بالإكراه.
ويبقى أن نصل هذا التشريطَ بالخيط الناظم للسلسلة كلّها: الصدع الداخلي. فقد يُظَنّ أنّ الحديث عن “استراتيجيةِ تشظية” و”أَسْرٍ للراعي” يفترض فاعلاً عاقلاً موحّداً، فيناقض أطروحةَ الفاعل المتصدّع التي بنينا عليها قراءتنا. والحقّ أنّ العكس هو الصحيح: تفتيتَ الجوار وأَسْرَ الراعي، هما بالضبط الوظيفتان اللتان تجتمع عليهما الكتلتان المتصارعتان داخل إسرائيل تماماً، كما رأينا أنّ الإكراه هو الوظيفة الوحيدة التي يجتمع عليها طرفا الصدع. فالكتلة العلمانية- التكنوقراطية والكتلة الدينية- الاستيطانية قد تختلفان في كلّ شيء، لكنّهما تتّفقان على إبقاء الجوار ضعيفاً مفتّتاً، وعلى تعميق الارتباط بالراعي الأمريكي. الصدعُ الداخلي لا يُنتج استراتيجيةً متماسكةً للقيادة؛ لأنّها تتطلّب إجماعاً مفقوداً، لكنّه يُنتج بسهولةٍ استراتيجيتين سلبيتين- التفتيتَ والتبعيةَ المتبادلة- لأنّهما القاسم المشترك الأدنى لدولةٍ منقسمة.
والأصدق منهجياً- اتساقاً مع رفضنا لمنطق السيناريوهات- أن نرصد اتجاهاً بنيوياً مشروطاً لا تنبؤاً، وهو أنه بمقدار ما يبقى الإقليم متماسكاً كدولٍ، ويعيد بناء فاعليّته الجمعية، تصدق أطروحة “السيطرة دون قيادة” للكيان الصهيوني، ويتحوّل عجزُ إسرائيل إلى قيدٍ على قوّتها. وبمقدار ما ينفرط الإقليم إلى طوائف وإثنيات، وبمقدار ما يبقى الراعي الأمريكي مأسوراً مفوِّضاً، تقترب إسرائيلُ من “هيمنةِ التشظّي بالوكالة”. والمتغيّرُ الحاسم، في الحالتين، ليس في تل أبيب بل في المحيط: في قدرة الدول العربية على أن تبقى دولاً، وعلى أن تنزع عن راعي إسرائيل بعضَ ما أُسِر منه.
هيمنة التشظّي، على فاعليّتها، تحمل بذور هشاشتها هي الأخرى: الشظايا التي تُصنَع لا تبقى دائماً طيّعة، والراعي المأسور قد يُفلت من آسره، حين تتبدّل أولويّاته أو يتعب من كلفة الوكيل، والشرعية التي استُغني عنها في المدى المتوسط تعود؛ لتُلزِم في المدى الطويل حين يصير جيلٌ كاملٌ في ديمقراطيات الراعي ناخباً ومسؤولاً، وقد تشكّل وعيُه على صورةٍ مغايرة تماماً، لما ألفته الأجيال السابقة (Pew-2026).
لا انتصارٌ مكتمل، ولا انهيارٌ محتوم، بل بنيةٌ مفتوحةٌ على مصيرٍ يصنعه الإقليم بقدر، ما تصنعه القوة العارية من أي غطاء أخلاقي.
اقرأ أيضا :
في تشريح الهيمنة الإسرائيلية بعد حرب 2023- 2026 (1ــ 5)
في تشريح الهيمنة الإسرائيلية بعد حرب 2023-2026 (2من5)
في تشريح الهيمنة الإسرائيلية بعد حرب 2023- 2026 (3 ـــ 5)
في تشريح الهيمنة الإسرائيلية بعد حرب 2023- 2026 (4 ــ 5)
الهوامش والمصادر
أولاً: المراجع النظرية
1. Mearsheimer, John J. & Walt, Stephen M. (2007). The Israel Lobby and U.S. Foreign Policy. New York: Farrar, Straus and Giroux ) يُستند إليه في “قناة النفوذ الداخلي”، مع التنبيه إلى ما عليه من نقدٍ أكاديميٍّ واسع.]
2. Guha, Ranajit (1997). Domiهnance without Hegemony: History and Power in Colonial India. Cambridge, MA: Harvard University Press. [السيطرة دون هيمنة بوصفها نموذجاً تفسيرياً ينطبق- بشروط- على الوضع الإسرائيلي بعد تبنّي منطق التشظية).
ثانياً: التقارير والمصادر الإحصائية
3. Washington Post (2026). تقرير استخدام الولايات المتحدة منظومات THAAD وSM-3/SM-6 دفاعاً عن إسرائيل، استناداً إلى وثائق وزارة الدفاع الأمريكية، مايو 2026.
4. CSIS (2026). تحليل استنزاف المخزون الدفاعي الأمريكي وزمن إعادة بنائه في أعقاب الحرب الإيرانية.
5. RUSI (2026). “Over 11,000 Munitions in 16 Days of the Iran War”, 26 مارس 2026) تحليل كلفة الذخائر والتداعيات على الجاهزية الدفاعية الأمريكية).
6. Pew Research Center (2026). استطلاع الرأي الأمريكي حول إسرائيل، مارس 2026) التحوّل الجيلي في الرأي العام الأمريكي ودلالته على هشاشة قناة النفوذ الداخلي مستقبلاً).






