نشر الموقع الإخباري “خلف الحدث” منذ أسبوعين حديثا منسوبا للمستشار/ رئيس محكمة جنايات الجيزة/ المستشار عفيفي المنوفي، يطالب فيه من خلال إحدى الأحكام التي أصدرت الدائرة الجنائية التي يترأسها، وذلك بعد أن قضى بمعاقبة المتهم بعقوبة الإعدام، على إثر اختطافه لطفل صغير وقتله، حيث ناشد المستشار في حكمه الهيئة التشريعية تعديل نص المادة 65 من قانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل المجتمعي، على أن يتضمن التعديل المطلوب، ما يجيز إذاعة تنفيذ أحكام الإعدام مصورة، حتى ولو في جزء من التنفيذ، وذلك بزعم أن ذلك البث قد يحقق الردع العام المتطلب في مثل هذه الأحكام، وذلك في ظل ما يشهده المجتمع من جرائم قتل ذات بعد خطير، وبحسب ما تم نشره، فإن المحكمة تناشد المشرع، أن يجعل تنفيذ العقاب بالحق مشهوداً، مثلما صار الدم المسفوح بغير حق مشهوداً.

وهذا السعي الذي تطرقت إليه محكمة الجنايات هو السبب الداعي لكتابة تلك السطور، إذ إن عقوبة الإعدام هي أشد العقوبات التي من الممكن توقيعها على المتهمين، وحيث أنها أيضا من أقدم العقوبات التي استخدمتها النظم العقابية للعقاب على الجرائم شديدة الخطورة على المواطنين أو على المجتمعات، إلا أنه قد صاحبها مع تطورات المجتمعات والإنسانية جدل فقهي وفلسفي حول جدوى وجودها، إذ إن أي نوع من أنواع التجريم لا يرقى إلى سلب المتهم حقه في الحياة، كما أن هناك احتمالا في تنفيذها أو في القضاء بها لا يمكن تصويبه بعد تنفيذها، ولسنا هنا في مجال مناقشة ما دار من جدل حول وجودها في النظم العقابية أو إلغائها على الرغم من وجود المواثيق والاتفاقيات الدولية، وأهمها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والذي جاء في نص المادة السادسة منه، على أنه لا يجوز في الدول التي لم تلغ عقوبة الإعدام، أن يُحكم بهذه العقوبة إلا جزاءً على أشد الجرائم خطورة، وفقا للقانون المعمول به وقت ارتكاب الجريمة، وغير المخالف لأحكام العهد ولاتفاقية منع جريمة إبادة الجنس البشرى والعقاب عليها. ولا يجوز تطبيق هذه العقوبة إلا بمقتضى حكم نهائي صادر من محكمة مختصة. كما أكدت على جواز التقدم بطلبات لاستبدالها بالعفو عنها، وقد سعت هذه الاتفاقية إلى حث الدول على السعي نحو الإلغاء التدريجي لها.

لكن أن يصل الأمر إلى حد المطالبة القضائية، بأن يكون هناك استحداث تشريعي، بأن يكون هناك علانية في تنفيذ حكم الإعدام في مثل تلك الجرائم، فهو من الأمور التي فاقت المستوى، كما أنها تخالف الحد الأدنى المنصوص عليه حاليا في قانون الإجراءات الجنائية، أو قانون تنظيم مراكز الإصلاح والتأهيل المجتمعي بشأن تنفيذ حكم الإعدام، والتي تقتضي أن يتم التنفيذ في مكان مستور، ولا يحضر الحكم سوى الأشخاص المنصوص عليهم في قانون الإجراءات الجنائية، ولا يجوز تنفيذ العقوبة في أيام الأعياد، علاوة على الضمانات الأخرى التي نص عليها القانون. كما أن هذا الأمر يتناقض مع كافة الاتفاقيات والعهود الدولية، كما يتناقض مع المطالبات الدولية بالتضييق في النص على العقوبة، وأنه على الدول التي ما زالت تستخدمها أن تؤجل التنفيذ أو توقفه، ولو بشكل مؤقت حتى تتم مراجعة كافة القوانين التي تنص على عقوبة الإعدام، وأن تسعى إلى استبدالها بعقوبات أخرى سالبة للحرية، وهو المنحى الذي اتجهت إليه معظم التشريعات الدولية.

حتى ولو سلمنا بأن مصر من الدول التي تقرر تلك العقوبة، أو بأن الشريعة الإسلامية بحسبها مصدر رئيسي للتشريع، تقضي بعقوبة الإعدام في العديد من الجرائم الحدية- على الرغم من وجود خلافات فقهية حول بعضها مثل جريمة الردة– إلا أن ذلك كله لا يمكن أن يرقى بحال من الأحوال إلى المناداة باستحداث تشريعات، تقضي بالنفاذ العلني للعقوبة، تحت مظنة تحقيق الردع العام من العقوبة، وهذا الهدف يتحقق بشكل واسع بمجرد تطبيقه وفق أطر قانونية تتوافق والإنسانية، وتتفق مع ما توصلت إليه التطورات البشرية من احترام المشاعر العامة. كما أن تلك المطالبة القضائية لا تحقق أي هدف إضافي من وراء التنفيذ العلني.

ولا بد وأن نشير في هذا الأمر بما يمثله تنفيذ عقوبة الإعدام من مخاطر نفسية على القائمين على التنفيذ، فإن المطالبة بالعلانية، قد يزيد من أمر تعرضهم للمخاطر النفسية، بخلاف ما يمثله من تعارض مع متطلبات خصوصية المحكوم عليه وأسرته وذويه، كما أن عرض تنفيذ العقوبة قد تكون أضراره على المشاهدين، والذين يكون بينهم أطفال ونساء، وذوي احتياجات مختلفة، وهو الأمر الذي يضر بصحتهم النفسية.

أما بخصوص تحقيق الردع العام المطلوب من وراء مشاهدة تنفيذ العقوبة، فهو من الأمور التي لم تثبت صحتها سواء من الناحية النفسية أو المجتمعية، كما أنه قد تصاحبه أضرار أكثر من المنافع المنشودة والمتمثلة في الردع العام، كما أن العلانية في التنفيذ لا يرجى من وراءها نفع مجتمعي، في ظل التطورات العقابية الحديثة التي تهدف إلى الإقلال من هذه العقوبة، بل والإقلال من العقوبات السالبة للحرية بشكل كامل، لكون تلك الأمور لا تحقق الهدف المنشود من الإصلاح المجتمعي، أو تقويم السلوك.

حتى ولو كانت العقوبة واجبة النفاذ، فإن علة الردع العام تتحقق بمجرد إصدار المحكمة لحكمها، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يزداد الأمر إلى المطالبة بالعلانية في التنفيذ، فإن ذلك لن يعود سوى بالسلب على المشاهدين، فعلى أقل تقدير، فإنه يجب الرجوع في هذا الأمر إلى المتخصصين في العلوم الاجتماعية والنفسية، وبحث مدى تأثير المشاهدة أو العلانية المطلوبة، وعلى أرجح الأقوال، فهل يكابد الأمر إلا من يعانيه، فعلينا أن نعود إلى الأفراد القائمين على التنفيذ والمصاحبين لتلك اللحظة الخطيرة، وعرضهم على الطب النفسي، وبحث ما أحل بهم من علل وأمراض نفسية جراء ذلك، ثم بعدها من الممكن أن نعيد الطرح، ولكن أن يكون الطرح من خلال أهل العلم كعلماء الاجتماع، وأخذ رأيهم في الأمر، حتى ولو سلمنا بأن مصر من الدول التي تقرر تلك العقوبة، ففي تقرير صدر عن منظمة العفو الدولية بتاريخ 26 إبريل لسنة 2021، ورد فيه نصاً “ينبغي على السلطات المصرية أن تضع حداً فورياً لهذا الارتفاع المثير للقلق البالغ في عمليات الإعدام. وندعو الدول في جميع أنحاء العالم إلى اتخاذ موقف واضح من خلال التنديد العلني باستخدام مصر لعقوبة الإعدام وحث الحكومة على اتخاذ قرار بالوقف الرسمي لعمليات الإعدام، كخطوة أولى نحو إلغاء عقوبة الإعدام”.