في المقال السابق مباشرةّ، عرضنا فصولا ووقائع من التاريخ المؤسف لإخفاقات النخبة المدنية السياسية للمجتمع المصري، ورأينا أنه في اللحظات الحاسمة من النضال الوطني والشعبي لاستخلاص حق المشاركة في الحكم، وتعزيز مقومات الاستقلال، كانت هذه النخبة تتراجع وتستسلم، إما خيانة، كما حدث في الثورة العرابية، وإما استعلاء طبقيا على (الأفندية وأصحاب الجلاليب الزرقاء)، والذين مثلهم حزب الوفد، كما جرت تطورات ثورة ١٩١٩، وإما انقساما مبكرا وانعداما للخبرة، وإدمانا للوقوع في فخ الخديعة، على نحو ما آلت إليه ثورة ٢٥ يناير عام ٢٠١١.

بطبيعة الحال، علينا أن نتساءل ما هي أسباب ذلك الفشل المزمن لنخبتنا، سواء كان ذلك أمام ديكتاتورية الأسرة الملكية العلوية، أو أمام ديكتاتورية واستبداد أسرة ضباط ٢٣ يوليو العسكرية؟ وما إذا كان واردا أو ممكنا علاج تلك الأسباب، ومن ثم عدم تكرار الوقوع في فخ التراجع والخديعة، بل والهزيمة المحبطة مرة أخرى؟ خاصة والليالي من الأيام حبلى.

وبطبيعة الحال كذلك، فإن أول ما يرد على الأذهان، ويتكرر على الألسن والأقلام من الأسباب المجتمعية العميقة لخيبات النخبة، هو داء الانقسام الهدام، وليس الانقسام البناء، وهذا صحيح، ولكن ينبغي أن نعرف لماذا هو انقسام هدام، فيما أن الطبيعة البشرية تحتم وجود خلافات، بل وصراعات فردية وفئوية وطبقية في كل مجتمع؟

الإجابة على السؤال الأخير، هي أن الانقسامات عندنا صفرية إقصائية، بمعنى أنها قائمة على الرفض المطلق، أو النفي الكامل والنهائي للآخر، وهو ما يصل أحيانا إلى حد تبادل الاتهامات والتخوين، ويبدو لي أن المجتمع نفسه لم ينضج سياسيا، بسبب انعدام التراكم المعرفي الحداثي، وانعدام تراكم خبرة التعددية الحزبية الحقة، وعدم وجود خبرة وتقاليد الحلول الوسط والتنازلات المتبادلة من الأصل، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى تواطؤ الرجعية الملكية مع أطماع أحزاب الأقلية الارستقراطية لإفشال أول وآخر تجربة ائتلاف حاكم عام ١٩٢٦، وهو الائتلاف الذي قام على مبدأ الحل الوسط والتنازلات المتبادلة، بديلا للصراع الصفري بين حزب الوفد بوصفه صاحب الأغلبية، أو حزب الأفندية وأصحاب الجلاليب الزرقاء، وبين معسكر القصر وحلفائه من كبار الملاك، وبقايا الارستقراطية التركية المتمصرة، ولهذه التجربة التي جرت قصة طويلة وحافلة بالدروس، تستحق أن يعود إليها المهتمون بموضوع هذه السلسلة، ويبقى أن ما يهمنا منها الآن، هو أن فشلها هو ما أخلى الساحة للطبيعة الصفرية الإقصائية للخلافات السياسية في تاريخنا.

وقد ظل هذا هو الحال، حتى بعد أن استولى ضباط يوليو على السلطة، فيذكر جمال عبد الناصر، أن من أسباب تحفيز الضباط على البقاء في الحكم- على عكس وعودهم المبكرة- هو سقوط هيبة النخبة السياسية في أعين هؤلاء الضباط، بعد أن رأوا بأعينهم كبار السياسيين يتملقونهم، وبعد أن رأوا وسمعوا كل من طلبوا نصيحته منهم يسب في كل الآخرين، ويحذر العسكريين من الثقة فيهم، ليس ذلك فحسب، ولكن المدنيين من أعداء حزب الوفد بالذات بقيادة عبد الرزاق السنهوري (الحزب السعدي )، وسليمان حافظ (الحزب الوطني) هم الذين قاوموا بشدة إمكانية عودة البرلمان الوفدي، أو الدعوة المبكرة لانتخابات جديدة، ليقينهم أنها ستأتي بأغلبية وفدية، وكان هؤلاء هم الذين قننوا كل الإجراءات الاستبدادية للحكام الجدد، بفتوى تحصين قرارات مجلس قيادة الثورة من الطعن عليها أمام القضاء، بوصفها قرارات سياديةّ، وهكذا جاءت صحوة هؤلاء المدنيين الديمقراطية المزعومة في أزمة مارس عام ١٩٥٤، بعد فوات الأوان.

إنّ هذه الطبيعة الإقصائية للخلافات السياسية في الحالة المصرية، لا تزال فاعلة بقوة حتى هذه اللحظة، فأعداء يوليو ١٩٥٢ لا يرون لها، ولا فيها أية إيجابيات، وكذلك لا يرى أنصار يوليو أية إيجابيات لما قبلها، وينكرون بالجملة إنجازات وتضحيات قيادات وأجيال ثورة ١٩١٩، والناصريون يخونون أنور السادات، ويتهمونه بالعمالة المبكرة للولايات المتحدة، ولا يتوقفون أمام حقيقة، أن ناصرا نفسه هو الذي اختاره لخلافته، أما الساداتيون، فإنهمّ يحملون ناصرا كل الأخطاء والسلبيات في حقبته، ويبرئون رجلهم منها، وكأنه جاء إلى الحكم من خلال ثورة، أطاحت بعبد الناصر، أو كأنه لم يكن من رجال يوليو ووريث ناصر الذي خاض حرب أكتوبر بجيش ناصر وبتحالفات ناصر الدولية والعربية، وأما الإخوان المسلمون فحدث ولا حرجّ، فهم لم يخطئوا قط، ولم يغتالوا أحدا، ولم يحاولوا اغتيال أحد، ويلوكون المظلومية جيلا وراء جيل، ويكرهون الناصرية والناصريين وعبد الناصر كراهية التحريم، بل يكادون يخرجونه من الملة، كما أنهم يرون كل القوى المدنية خارجة عن صحيح الدين، أو مخالفة له في أضعف الإيمان، وفي لحظة الاختيار الفاصل بعد ثورة يناير غلبتهم روح الإقصاء، فتخلوا عن تعهد المشاركة لا المغالبة، فجعلوها مغالبة صريحة، بل اندفعوا نحو التمكين بلا أية مبالاة للعواقب، كما أظهرت تجربتهم القصيرة البائسة في الحكم، في حين ترى غالبية القوى المدنية، أن تنظيم الإخوان مجرد قوة رجعية، وإرهابية، لا مجال للتفاهم معها، ولا لقبول وجودها من حيث المبدأ، وكأنها لا تعبر عن قطاع من المجتمع، أو عن تيار سياسي منتشر في المنطقة كلها.

وليست الدولة الأمنية العميقة لنظام يوليو بأقل شراسة وعنفا في إقصاء كل الأطراف، خاصة وأنها تحتكر كل أدوات العنف القانوني والعرفي، كما تحتكر حق تخصيص الموارد والكوادر، أي باختصار، فالدولة العميقة هي التي تملك حصريا سيف المعز وذهبه، وتؤمن بما يشبه الحق الإلهي بالحكم المنفرد.

أكثر من هذا، فالنفي المتبادل ّوالإقصاء إلى حد التناحر، يوجدان أيضا داخل التيار الواحد، بل وداخل التنظيم الواحد، فعلى سبيل المثال، فإن أغلب زعماء الحركة الطلابية في السبعينيات، والذين كانوا الأكثر تأهيلا لقيادة نخبة يسارية جديدة ومجددة، منقسمون إلى شظايا حزبية، أو جماعات فكرية صغيرة، ومنهم من تنكر لماضيه، ولزملائه، بل ومنهم من شارك ويشارك بعنفوان في الثورةّ المضادة في الداخل، وأحيانا بالتحالف مع قوي خارجية، وعلى سبيل المثال أيضا، لا يكاد يمر استحقاق انتخابي في أي من أحزاب المعارضة (غير الكرتونية) دون أن تترتب عليه انشقاقات وانسحابات، يستوي في ذلك اليساريون والليبراليون والناصريون.. إلخ.

…………………

بعد أن استوفينا مشاهد وشواهد ثقافة الإقصاء والنفي المطلق المتبادل بين كل أطراف الحلبة السياسية المصرية، لعله يجدر بنا التساؤل، ولكن لماذا طال بالنخبة المدنية هذا الداء، واستحال عليها التوافق لفترة من الوقت، تكفي لفرض حق المشاركة في الحكم -تمثيلا للمجتمع المدني- على الدولة العميقة، بدلا من دور التابع الضعيف في معادلة الحكم والسياسة؟
لا مفر من الاعتراف بقلة الخبرة الموروثة لدى النخبة، وذلك بسبب الانقطاعات أو الانقلابات المتوالية في داخل الدولة العميقة ذاتها، مما يحرمها هي نفسها من تراكم الخبرات، وامتلاك أفضل الكوادر، ويفاقم من أثر هذا العيب غلبة الاعتبار الأمني على اختيار القيادات العليا، وكراهية تلك الدولة الأمنيةّ للسياسة والسياسيين، وهو ما يحفزها دائما على تخريب الأحزاب الواعدة من داخلها، أو محاصرتها من خارجها.

لقد كره جمال عبد الناصر الأحزاب والرأسمالية الوطنية، وقضى عليها تقريبا، في حين كره أنور السادات الطبقة العمالية، ودمر القلاع الكبرى للقطاع العام للقضاء على هذه الطبقة القابلة دائما للتثوير، وبينما نجح عبد الناصر في ترويض أو تحييد المثقفين، فقد عاداهم السادات بشدة، ودمر غالبية المؤسسات الثقافية الحديثة، لحساب أردأ نسخ الثقافة الشعبية السطحية، وبالطبع جاء مبارك ليكرس أسوأ ما ورثته الدولة العميقة من تجربتي ناصر والسادات، وليفرغ كل عمل سياسي من مضمونه الجاد اكتفاء باستيفاء الشكل، مع التعامل مع السلطة بوصفها امتياز شخصي وشأن عائلي، ثم ها نحن في نسخة جديدة من الدولة العميقة، لا تكتفي بكراهية السياسة، بل ولا تؤمن بها أصلا، وترى أنها خطرا يهدد وجود الدولة ذاته.

ولا بد من الاعتراف، بأن هذه الانقطاعات، وما أدت إليه من قلة الخبرة، حالت بين النخبة وبين التعلم من السوابق، ودروس الماضي، وهي من أهم سبل الوقاية من تكرار الأخطاء والإخفاقات، وقد كان عدم التعلم من السوابق هو السبب الأول لوقوع نخبة ثورة يناير المدنيةّ في الفخ نفسه، الذي وقعت فيه نخبة ١٩٥٤ أمام الضباط، بما في ذلك الإخوان المسلمين في المرتين.

وأخيرا يجب أن نتذكر أن مفهوم السياسة بوصفها عقدا اجتماعيا، ومفهوم الحكم بوصفه خدمةّ عامة، طبقا لهذا العقد، وليس امتيازا أو احتكارا بالوراثة، وأن مفهوم القرار السياسي بوصفه محصلة حوار وتفاهم، وليس أمرا إداريا أو عسكريا… يجب أن نتذكر أن كل تلك المفاهيم حديثة العهد في التاريخ المصري، ولم تصبح بعد ثقافة عامة للحاكمين والمحكومين، للأسباب العديدة المذكورة سابقا، من ناحية، ولاختلاف مستويات التطور الحداثي داخل المجتمع المصري، من شريحة إلى أخرى، ومن بيئة اجتماعية وثقافية إلى بيئةّ اجتماعية وثقافية مغايرة.

كل هذا ولم نتطرق إلى الاستقطاب الطائفي، وانفجار أزمة وجدل الهوية في المجتمع المصري، وهي أزمة مشبوهة البواعث، لكنها بالغة الخطورة، فالأقباط لا ينسون مقولة أحد مرشدي الإخوان، إنه في حالة وصولهم للحكم، فسيخرجون الأقباط من الجيش، ويفرضون عليهم الجزية، في حين يكثر قادة الحراك القبطي من الحديث عن المسلمين، باعتبارهم غالبيتهم غزاة مستوطنون، أو أحفاد الغزاة المستوطنين!! وبالطبع يرفضون عروبة مصر، ويشاركهم في تلك الرؤية، مثقفون يساريون وليبراليون من أصول إسلامية، مصابون بكراهية شبه مرضية لكل ما هو عربي أو إسلامي، ودعكم من تقليعة الكيميتية، أي النزعة الفرعونية، ولوثة أهل Egypt، في مواجهة أهل مصر، ومرض الإعجاب بالصهيونية نكاية في العروبيين والإسلاميين!!!

وختاما يبقى السبب الأكبر لكل هذه الأمراض وغيرها، ومن ثم، توقف نمو ونضج، هو نجاح دولة يوليو ١٩٥٢ في القضاء على القواعد والمصادر الاقتصاديةّ المستقلة للتكوينات الاجتماعية المختلفة، التي تأتي التنظيمات السياسية تعبيرا عن مصالحها، وذلك من خلال جعل أغلبية المجتمع في حالة زبونية اقتصادية للسلطة بالعطاء والحرمان، وبالسخاء أو التقتير، وبالتيسيرات المالية والإدارية، أو عكسها، وهو ما يحدث تارة بالقوانين والسياسات، وأخرى بالمخالفة للقانون، والتعسف الإداري وغير ذلك من الوسائل، إذا اقتضى الأمر، ليجعل سقف الحريات والتحركات السياسية شديد الانخفاض دائما، فيصيب النخبة وعموم المواطنين بالإحباط، واليأس.

وإذن ما العمل؟

سنجتهد للإجابة في مقالنا التالي

اقرأ أيضا: 1- البحث عن حزب أغلبية في المكان الخطأ.. الانتخابات وأزمة القوى المدنية

٢- الرئاسات على الطريقة المصرية.. الانتخابات وأزمة القوى المدنية

٣- التهافت التاريخي للنخبة.. أزمة القوى المدنية في مصر