قبل أيام قليلة، وبالتزامن مع تصاعد “صراع الإرادات” بين واشنطن وطهران، نقلت وكالة الأنباء السعودية الرسمية عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، تأكيده على ما قال إنه “موقف المملكة الثابت”، من احترام سيادة إيران، ورفضهاــ المملكةــ استخدام أجوائها أو أراضيها في “أي أعمال عسكرية ضد إيران أو أي هجمات من أي جهة كانت بغض النظر عن وجهتها”.
التصريح ذو اللهجة القاطعة، والذي جاء في سياق اتصال هاتفي بين ولي العهد والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، سبقته تأكيدات متعددة من مسئولين سعوديين متعددي الدرجات بالمعنى نفسه.
ومع تراجع ايقاع طبول الحرب، وبدء ظهور تحليلات تقلل من قدرة واشنطن على تنفيذ ضربة خاطفة، تسقط بها النظام الايراني، كشف موقع أكسيوس الأمريكي عن تحذير وزير الدفاع السعودي لواشنطن، من أن عدم قصف ايران سيجعل النظام أقوى.
ونقل الموقع عن أربعة مصادر، حضرت لقاءً مغلقًا، أن وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان حذّر، خلال إيجاز خاص في واشنطن يوم الجمعة، من أن تراجع الولايات المتحدة عن تنفيذ تهديداتها العسكرية ضد إيران قد يؤدي إلى نتيجة عكسية، تتمثل في خروج النظام الإيراني أقوى.
وكان وزير الدفاع السعودي والشقيق الأصغر لولي العهد قد زار واشنطن، وعقد اجتماعًا مطولًا في البيت الأبيض يوم الخميس، ضم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ووزير الدفاع بيت هيجسيث، ومبعوث البيت الأبيض ستيف ويتكوف، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، وأن النقاش ركّز بدرجة أساسية على احتمال توجيه ضربة أمريكية لإيران، حسب أكسيوس أيضاً.
ولا يمكن قراءة أو فهم الموقف السعودي الملتحف بـ”التَقِيّة”، دون قراءة أوسع لسياق العلاقات بين الرياض وطهران، وتحولاتها خلال العقود الخمسة الأخيرة.
لا يمكن اختزال العلاقة بين البلدين إلى مجرد “نزاع ثنائي”، بقدر ما هو تنافس على ملامح وأطر النظام الإقليمي، للإقليم، وخصوصا منطقة الخليج الذي يسميه الإيرانيون الخليج الفارسي، ويسميه العرب الخليج العربي.
ركيزتان.. تحت المظلة الأمريكية
قبل الثورة الإسلامية عام 1979، شجّعت واشنطن دورًا مزدوجًا لكلٍّ من إيران الشاه والسعودية كركيزتين لاستقرار الخليج، فيما عرف وقتها باستراتيجية الركيزتين التوأمين Twin Pillars، حيث عمل الطرفان تحت المظلة الأمريكية، لحماية مصالحها في الإقليم.
ورغم الاستقبال الدافئ لشاه إيران في الرياض وقتها، وأداء “سلمان بن عبد العزيز” الأمير وقتها لرقصة العرضة الشهيرة أمام الشاه، وعلى شرفه، إلا أن الانسجام لم يكن تاما، كما قد توحي الرقصة، فقد كان الشاه وقتها يعتبر نفسه شرطيا أمريكا في الخليج، وينزع لترتيب خليجي، يجعل بلاده في الصدارة، بينما السعودية شريك ثانوي .
الثورة الإيرانية.. كيف تحول التنافس إلى صراع نفوذ وأمن وشرعية
مع وصول الخوميني إلى طهران وإعلان الثورة الإسلامية وإسقاط نظام الشاه، بدأت تحولات العلاقة بين الرياض وطهران، فلم تعد تنافسا على دور تحت المظلة الأمريكية، بقدر ما أصبحت صراعا على النفوذ والشرعية والأمن.
في سنوات الحرب الإيرانية العراقية، دعمت السعودية صدام حسين ماديا ولوجستيا، دون التورط في عداء معلن مع الثورة التي كان الجميع يخشي تصديرها للبلدان المجاورة.
ومع سقوط نظام صدام، تحوّل العراق إلى ساحة مركزية لتنافس النفوذ.
وامتلكت إيران أدوات نفوذ واسعة داخل النظام الجديد، وشبكات مسلحة وسياسية، لتلحظ السعودية تحوّل ميزان القوى الإقليمي ضدها.
وتزامن ذلك مع صعود مفهوم “الردع عبر الوكلاء” كأداة إيرانية منخفضة الكلفة عالية الأثر.
وكانت “الثورة السورية” محطة أخرى مهمة في صراع النفوذ بين البلدين، لتصبح السنوات “2011- 2021” ذروة “الصراع دون إدارة”، حيث سوريا خط تماس بين المشروعين الإيراني والسعودي، واليمن ساحة لاستنزاف المملكة التي أطلق ولي عهدها مغامرة “عاصفة الحزم” بدعم أمريكي خليجي كامل.
وساطة صينية لـ”إدارة الصراع”
في مارس2023، استأنف البلدان علاقاتهما الدبلوماسية بعد قطيعة منذ 2016، وهي القطيعة الدبلوماسية الثالثة بين البلدين، حيث سبقتها قطيعة من 1987 حتى 1991، وأخرى في 1943.
استئناف العلاقات تم بوساطة صينية، وبهدف إدارة الصراع، خشية تداعيات انفلاته.
وجاء في لحظة، تمدد فيها الصراع على جغرافيا العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، البحر الأحمر، وطبعا الخليج.
واحتل أمن الطاقة والممرات، الأولوية لدى السعودية في مرحلتي التصعيد والتهدئة، واعتمدت في توسيع نفوذها على الاقتصاد، والتحالفات الامنية، وتسييس الطائفية أحيانا، فضلا عن هندسة التوازنات.
بينما اعتمدت طهران على شبكة من الحلفاء “غير دوليين”، وتنمية قدرة الردع غير المتوازن.
عشية الضربة الأمريكية المرتقبة.. المأزق السعودي
يقودنا ما سبق إلى اللحظة الراهنة، حيث لم يعد ممكنا التنبؤ بما يخبئه ترامب لطهران، بعدما فشلت ضربة الـ12 يوما في اقتلاع نظام الحكم الإيراني، رغم المفاجأة الاستراتيجية المرعبة التي حملتها ساعات الضربة الأولى، والتي شهدت شللا شبه كامل لمنظومات القيادة والسيطرة، واختراقا عملياتيا غير مسبوق للداخل الإيراني.
وفي حال أقدم ترامب على ضرب إيران، وبافتراض نجاحه في إسقاط النظام، سيكون على السعودية دفع فواتير انفلات الوكلاء، وتهديد أمن الملاحة في البحر الأحمر والخليج، وربما موجات متصاعدة من عدم الاستقرار في الإقليم.
أما في سيناريو التراجع الذي ربما يكون ترامب مهد له في تصريحاته على الطائرة الرئاسية، “أن إيران تتحدث بجدية مع الولايات المتحدة”.
في حال هذا السيناريو، فإن تحذيرات وزير الدفاع السعودي لواشنطن ستكون صحيحة تماما، وسيخرج النظام الإيراني أقوى، باعتباره فرض على واشنطن التراجع.
وربما يفتح هذا الانتصار شهية طهران لاستعادة وترميم وتوسيع نفوذها في الإقليم.






