في إحدى روايات الكاتب الفرنسي أناتول فرانس، عبر عن مدى أهمية صناعة القوانين، ومدى اتساقها وتوافقها مع الاحتياجات المجتمعية، وربط القانون بالمعايير الإنسانية، قوله “إن القانون يمنع الغني والفقير على السواء من النوم تحت الجسور، ولكن من ذا الذي ينام تحتها؟ لذا فهي تكشف الحياد الزائف للقانون، فتحت القانون هناك الواقع الذي يحجبه”، وهذا القول ما يعبر عن أن القانون لا يمكن فصله عن الخطاب السياسي السائد في المجتمع، وأن بنية القانون تنبع من الأساس بعلاقة صناع القانون بالمجتمع، وفي المجمل، فإن السياسة التشريعية لا يمكن فصلها عن التوجه السياسي العام للمجتمع، أو بمعنى أكثر تحديداً، فإن صناعة القانون تقف عند حد السياسة والتوجه العام للسلطة، بحسب تشكيل الهيئة التشريعية ذاتها، والتي تتشكل بحسب مدى توجه السلطة مع الأغلبية النيابية، أو مدى توافق الأغلبية مع احتياجات المجتمع، أو احتياجات السلطة، وهو في مساره الأخير ما يعبر عن التشكيل الاجتماعي للقانون ذاته.

وفي الأساس، فإن دولة القانون يجب أن تتسم بجملة مبادئ، تُجسد الحقوق والحريات الإنسانية في الدولة على أساس المواطنة، والأسس الثلاثة أعلاه تُشكل قاعدتها، وهذه الحقوق لا تتحقق بمجرد النص عليها في دستور الدولة وفي قوانينها، ولا تتحقق بمصادقة الدولة على اتفاقيات ومواثيق دولية بشأن تلك الحقوق والحريات، بل في نظام حكم يعترف، في إطار قانوني وتطبيقي بحق المواطنين، بأنهم أصحاب ومصدر السلطة الحقيقية. وتصبح الدولة الديمقراطية مرادفة لدولة القانون في سياق نظام سياسي، يقوم على مفهوم المواطنة، هذا التنظيم القانوني والسياسي هو الدولة الديمقراطية- دولة القانون التي تعترف بخضوع سلطة الحكم للقانون، كحال خضوع المحكومين له، حيث تشكل حقوق وحريات المواطنين في هذا القانون قيوداً على الدولة. ولكي يقوم نظام الحكم هذا من خلال قواعده ومؤسساته بعمله على وجه سليم، يتطلب ذلك ضمانات، تتلخص في المبادئ الآتية: سيادة القانون.. الفصل بين السلطتين المدنية والعسكرية.. الفصل بين السلطات.. استقلال السلطة القضائية.. تقرير الرقابة القضائية على دستورية القوانين.. تقرير الرقابة القضائية على تصرفات الإدارة وقراراتها، من هنا، فإن مفهوم دولة القانون يتجسد في هذه المبادئ، تتقدمها سيادة القانون- خضوع سلطة الحكم للقانون كمثل خضوع المحكومين له. وما يقيد سلطة الحكم دستور يضع القواعد الأساسية لنظام الحكم في الدولة، ويقرر حقوق الأفراد والجماعات وحرياتهم. وبهذا يتحقق للأفراد مركز قانوني في مواجهة سلطة الحكم، يكون ضماناً لهم في حرياتهم وحقوقهم، والقانون الذي تكون له السيادة في دولة القانون يجب أن يكون صادراً عن مجلس منتخب من الشعب، ولا يكون مخالفاً للدستور أو منطوياً على انحراف في استعمال السلطة التشريعية، وإذا لم يؤخذ بهذا المفهوم القانوني، عندئذ ينتفي معنى ومضمون دولة القانون، وبتحديد مجال الانحراف التشريعي يظهر لنا أن هذا العيب لا يتضمن مخالفة المشرع لظاهر نصوص الدستور، وإنما مخالفة لروح النصوص وفحواها ومقاصدها، أضف إلى ذلك، فإن هذا العيب لا يظهر لأول وهلة كونه عيب يتصل بالغاية (الباعث والمقاصد)، أي غاية القانون ومقارنتها بغايات الدستور.

والأصل العام أن يكون المشرع حريصاً على صون حقوق المواطنين وحرياتهم المقررة دستورياً، وألا ينال منها متخفياً وراء ستار من ولايته المنصوص عليها في الدستور، إذا لا يجوز أن تتخذ السلطة التشريعية من اختصاصها في تنظيم الحقوق ستاراً لإخفاء نواياها في الخروج بهذا التنظيم عن طبيعة الأغراض التي يجب أن يحرص عليها، حتى وإن حاجج البعض بأن للمشرع السلطة التقديرية في المفاضلة بين البدائل المتعددة حين تنظيم الحقوق، إلا أن ذلك محدود باختياره أفضل تلك البدائل لصون تلك الحقوق وحمايتها على أكمل وجه، دونما إثقال بالقيود، أو ما يجاوز حد التنظيم بشكل عام، ولا شك في كون النظم القانونية المحترمة يجب أن تستمد وجودها من منطلق الاحتياج المجتمعي لتنظيم أمر من أموره تشريعياً، إذ إن عملية الضبط الاجتماعي وتنظيم الحريات والمصالح عبر وجود قواعد وأحكام، هو ما أطلق عليه اسم القانون، ويجب ألا تخرج الغاية العليا للتنظيم القانوني أو القواعد القانونية عن تنظيم أوجه النشاطات المجتمعية، ويفك الاشتباك بين أوجه السلوك الإنساني المختلفة والمصالح المتباينة، وبمعنى أكثر نضجا، لا يتواجد القانون إلا إذا تواجدت الحاجة المجتمعية إليه، إذ لا حاجة ولا قيمة حقيقية للنصوص القانونية، إذا ما خرجت عن احتياجات المجتمع، أو إذا ما تجاوزت في تنظيمها لأمر من الأمور لمعنى الاحتياج المجتمعي، فخرجت بذلك عن مضمون الحماية المقررة بالقانون إلى الميل أو التجاوز عن الهدف الأساسي للقاعدة القانونية.

إن دولة الحق والقانون هي دولة مجتمع، حيث تكون كل السلطات، بما فيها سلطة تكييف القوانين ومراقبة تطبيقها، خاضعة لمبدأ الشرعية. وبالتالي، فمسلسل بلورة القوانين يكون محددا ومشروطا دستوريا، بحيث لا يمكن لأية قاعدة قانونية، أن تنفلت بعيداً عن هذا المبدأ، وهذا ما ينعكس بالطبيعة على كيفية بناء القاعدة القانونية، ومدى توافقها مع المعايير الدستورية، ولا يكون ذلك من حيث شكل صناعة القانون فقط، بل يجب أن يكون ذلك متناسباً مع الاحتياجات المجتمعية ومتوافقا ومتماشيا مع طموح المجتمع، متناسبا مع كم التطورات التي تنال المجتمعات، ويستحق المجتمع، أن يكون بينها، وإذا كان يُقصد بمفهوم القانون مجموعة القواعد القانونية الناتجة عن عملية التشريع بمراحلها المختلفة، وأنه من المفترض أن تكون النصوص القانونية ناتجة عن احتياجات المجتمع، وبالتالي، يجب أن يخرج التشريع بعد نقاش عمومي من الجماعات المخاطبة بأحكامه، وذلك للوقوف على مدى احتياجهم، وألا تكون صناعة القانون منفصلة عن الاحتياج المجتمعي أو منفصلة عن المجتمع، حيث يمثل القانون ظاهرة اجتماعية، تفرضه دوما احتياجات المجتمع، وهذا ما يعني أن لا يتم فرض القانون جبراً على المواطنين المخاطبين بأحكامه من خلال سطات جبرية أو من خلال جماعات فوقية من خلال تحكميتها في إطار ومنظومة التشريع، سواء من خلال السيطرة على المجلس التشريعي، أو فرض قوتها على الهيئة التشريعية بشكل أو بآخر، وتجدر الإشارة، إلى أن الضغط الذي تمارسه هذه الجماعات لا تمارسه فقط على البرلمان، بل تمارسه أيضا على الجهاز الحكومي على حد سواء، فهذا الوضع يجعل القاعدة القانونية أو النصوص القانونية على العموم وسيلة لتحقيق المصالح، بحيث تسقط في دواليب الصراع حول هذه الأخيرة بين بعض الجهات المهنية كالجمعيات المهنية والنقابات، إذ أنه من المتعارف عليه بين أوساط الباحثين والمهتمين والمختصين في علم الاجتماع القانوني والعلوم المساعدة للقانون، هو أن وجود القانون وخروجه إلى حيز الوجود في كل مجتمع  هي ضرورة تمليها الإرادة العامة للمجتمع المنظم، بحيث يكون القانون هو المرآة العاكسة للمبادئ والقيم التي يؤمن بها أفراد هذا المجتمع، وقد عبرت عن ذلك محكمتنا الدستورية العليا بقولها في الدعوى: أنه يجب أن يقتصر العقاب الجنائي على أوجه السلوك التي تضر بمصلحة اجتماعية ذات شأن، لا يجوز التسامح مع من يعتدي عليها، ذلك أن القانون الجنائي، وإن اتفق مع غيره من القوانين في سعيها لتنظيم علائق الأفراد فيما بين بعضهم البعض، إلا أن هذا القانون يفارقها في اتخاذه الجزاء الجنائي أداة لحملهم على إتيان الأفعال التي يأمرهم بها، أو التخلي عن تلك التي ينهاهم عن مقارفتها، وهو بذلك يتغيا أن يُحدد من منظور اجتماعي، ما لا يجوز التسامح فيه من مظاهر سلوكهم، بما مؤداه أن الجزاء على أفعالهم لا يكون مخالفا للدستور، إلا إذا كان مجاوزاً حدود الضرورة التي اقتضتها ظروف الجماعة في مرحلة من مراحل تطورها”.

فهل لنا ونحن في مستهل دورة تشريعية جديدة، وتشكيل نيابي هو الأحدث في تاريخ الحياة النيابية المصرية، أن نرى انحيازاً لاحتياجات المجتمع المصري التشريعية، أم نرى انحيازاً لمطالب السطلة التنفيذية، بحسب كون أغلب التشكيل البرلماني يتبع أحزاب موالية للحكومة، وهو الأمر الذي عانت منه البنية التشريعية المصرية على مدار دورتين تشريعيتين كاملتين، وهو الأمر الذي أنتج تشريعات غالبها الطابع الحكومي والبعد عن الاحتياج المجتمعي.