أصبح خط أنابيب “سوميد” المصري أحد الخيارات الأساسية لتسهيل نقل النفط الخام السعودي والخليجي للأسواق العالمية حاليًا، في ظل إغلاق مضيق هرمز، والتحوّل الكبير في الخدمات اللوجستية لشركة أرامكو السعودية بعد استهدافها بمسيرة أخيرًا في خضم الحرب الأمريكيةـ الإسرائيلية على إيران.

اقترحت وزارة البترول المصرية على “أرامكو”، أكبر مُصدّر للنفط في العالم، استخدام خط “سوميد”، خاصة مع توجه الشركة نحو تحميل شحنات النفط بميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر، متجاوزةً بذلك مضيق هرمز الذي تُصَدر منه في المعتاد نفطها الخام من الخليج العربي.

تدير أرامكو خط أنابيب “شرق- غرب” بطول 745 ميلاً بالسعودية، بطاقة استيعابية تبلغ 5 ملايين برميل يوميًا، مما يسمح لها بنقل النفط الخام من الحقول الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، لكن الاقتراح المصري يزيد من فعالية حركة النقل، إذ يوفر رابطًا حيويًا بالبحر الأبيض المتوسط.

مصر لا تقدم خط سوميد كبديل مباشر لمضيق هرمز، ولكنه يُكمّل سلسلة لوجستية أوسع نطاقاً، إّذ يمتد من العين السخنة على خليج السويس إلى ميناء سيدي كرير على البحر الأبيض المتوسط، بطاقة استيعابية تبلغ حوالي 2.5 مليون برميل يوميًا، يمكن شحنها بسهولة، فـ”سيدي كرير” يضم ثلاثة مراسي بحرية لاستقبال ناقلات المنتجات البترولية بأعماق تصل إلى 19 مترًا، فضلاً عن محطات تخزين، ما يجعله مثاليًا للنفط الخليجي.

يُدار خط سوميد، منذ تأسيسه، كمشروع مشترك تمتلك فيه مصر 50% من الأسهم، بينما تمتلك أرامكو السعودية والكويت والإمارات العربية المتحدة وقطر النسبة المتبقية، والاعتماد عليه، يحل مشكلة تباطؤ حركة النقل البحري، واقتراب خزانات التخزين الإقليمية من طاقتها الاستيعابية القصوى الأمر الذي يهدد الإنتاج.

يُعدّ خط أنابيب سوميد، الذي يتكون من خطين متوازيين، يبلغ قُطر كل منهما 42 بوصة، المسار البديل الوحيد لنقل النفط الخام من البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسط ​​حال تعذّر على السفن المرور عبر قناة السويس، لكنه عانى من انخفاض تدفقات النفط الخام منذ عام ٢٠١٦؛ نتيجةً لتغيّر أنماط تجارة النفط وتوسيع قناة السويس.

هجمات الحوثيين تعطي مزايا إضافية لسوميد

بحسب محللين، فإن سوميد أيضًا يقلل من تأثيرات هجمات الحوثيين على ناقلات النفط في باب المندب واضطراراها لتغيير مسارها، مما أدى إلى تأخيرات كبيرة وتكاليف شحن باهظة، ما يعني أن الخط أكبر من تجاوز اختناق مؤقت فحسب، بل قد يصبح وسيلة لبناء مرونة في سلسلة التوريد.

يحد الخط أيضًا من تأثير إغلاق مضيق هرمز، الذي ينقل حوالي 20.7 مليون برميل يوميًا، أو 21% من الاستهلاك العالمي، ما يسبب نقصًا حادًا في الإمدادات وتقلبات في الأسعار، من المتوقع أن يزيد النقل عبر خطوط الأنابيب، لا سيما بالنسبة للصادرات المتجهة إلى أوروبا، حيث لا يزال الطلب قوياً رغم التحديات الاقتصادية.

توقعات إيجابية لخط سوميد

الدكتور وليد الفقي، المحلل الاقتصادي، يقول إن خط “سوميد” يمثل رؤية بدأت منذ عام 1973 لضمان توصيل النفط العربي لأوروبا وأمريكا بعيداً عن أي تهديدات، موضحا أن فلسفته تقوم على نقل نفط الخليج لـ”العين السخنة” على البحر الأحمر، ويتم الضخ في أنابيب عملاقة بطول 320 كم إلى “سيدي كرير” في الإسكندرية على أن تحمله السفن العالمية منها.

يضيف أن البنية التحتية مؤهلة للعب ذلك الدور، فمصر لديها صهاريج هي الأكبر بالمنطقة، وبالتالي من الممكن أن يتم تخزين ملايين البراميل محليًا، وحل أزمة الناقلات العملاقة التي لا تستطيع المرور من قناة السويس بحمولتها الكاملة على أن تُفرغ جزءا من حمولتها في السخنة وترجع تحملها للمرة الثانية من سيدي كرير.

بعض ناقلات النفط الخام العملاقة (VLCCs) يتجاوز غاطسها وأبعادها قناة السويس، وذلك يُعالج في تصميم خط الأنابيب نقاط الضعف العملية التي تكشفها الممرات البحرية الضيقة.

أكد الفقي، أن المشروع يحقق عوائد بالدولار من رسوم العبور والتخزين، وتقوية دور مصر كـ”مركز إقليمي للطاقة” في منطقة شرق المتوسط، وثقل سياسي دولي كـ”صمام أمان” لأهم شريان في الاقتصاد العالمي، خاصة أن المنظومة مؤمنة بأحدث تكنولوجيا الرصد، وتحت حماية كاملة لضمان أن الإمدادات لا تتوقف.

تجاوز الأزمات.. دور مستمر لسوميد

ظهرت الأهمية الإقليمية لخط سوميد، في أوقات انسداد قناة السويس؛ نتيجة جنوح ناقلة النفط “إيفر جيفن” في 23 مارس 2021، والذي أدى إلى توقف حركة الملاحة البحرية لمدة ستة أيام، وتم عرض “سوميد” كخيار بديل لناقلات النفط غير القادرة على استخدام القناة، حيث سهّل نقل ما يقارب 1.5 مليون برميل من النفط الخام.

تكرر الأمر في خضم تصاعد هجمات الحوثيين على الملاحة في البحر الأحمر بدءًا من نوفمبر 2023، والتي أدت إلى انخفاض حركة ناقلات النفط عبر قناة السويس بأكثر من 50% في أوائل عام 2024، ودفعت العديد من السفن إلى تغيير مسارها حول رأس الرجاء الصالح، كما حافظت بنية “سوميد” التحتية على أهميتها التشغيلية كبديل جزئي لتفريغ الشحنات في العين السخنة على ساحل البحر الأحمر، ونقل النفط عبر الأنابيب شمالًا إلى البحر الأبيض المتوسط.

وازداد حجم الإنتاج المار عبر الخط خلال الفترة 2023- 2024، ما يعكس التكيف مع تزايد المخاطر الإقليمية، وتنويع أوروبا لمصادر الطاقة بعيدًا عن روسيا بعد العقوبات المفروضة عليها نتيجة غزوها أوكرانيا عام 2022، الأمر الذي زاد الطلب على النفط الخام من الشرق الأوسط عبر طرق بديلة آمنة.

وفي 22 أكتوبر 2024، وقّعت شركة سوميد اتفاقية مبدئية مع شركة مصفاة البتروكيماويات والمصفاة السخنة لتوفير خدمات المناولة والتخزين والنقل للنفط الخام والمنتجات البترولية في محطة العين السخنة، وهي صفقة من المتوقع أن تخفض تكاليف بناء مصفاة SRPC بمقدار 700 مليون دولار أمريكي من خلال تحسين التكامل اللوجستي.

الدكتور جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، يقول إن “سوميد” أحد المسارات الاستراتيجية المهمة لنقل النفط، لكنه ليس بديلاً لمضيق هرمز بالكامل، بل يساهم في تقليل حدة الأزمات في حال تعطل الإمدادات عبر الخليج.

وأضاف أن استمرار التوترات لفترة قصيرة يمكن استيعابه عبر هذه البدائل، لكن إذا امتدت الأزمة لأكثر من شهر، فقد يتراجع المعروض العالمي من النفط بشكل ملحوظ، ما قد يدفع الأسعار إلى موجة ارتفاع قوية.

من الناحية الاقتصادية، يُمكن أن يُدرّ هذا المقترح رسوم عبور وعائدات تخزين لمصر، مع توفير إمدادات نفط خام أكثر موثوقية للمشترين الأوروبيين، تستفيد جهات معنية مثل أرامكو التي تمتلك حصة في مشروع سوميد إلى جانب كيانات مثل المؤسسة المصرية العامة للبترول وقطر للطاقة، من انخفاض الاعتماد على الممرات البحرية المتقلبة.

بالنظر إلى المستقبل، تشير التوقعات قصيرة الأجل، إلى أن سوميد قد يكون قادرًا على استيعاب الزيادة المتوقعة في أحجام الشحنات السعودية، إذا ما تصاعدت التوترات في البحر الأحمر، مما قد يجذب شركات الشحن بعيدًا عن طريق رأس الرجاء الصالح الأطول.

 أما على المدى البعيد، فقد تتأثر جدوى المشروع بالتسويات السياسية والمنافسة من محطات الغاز الطبيعي المسال، التي تُقلل تدريجيًا من مزايا خطوط الأنابيب، وفي الوقت الراهن، يُمثل المقترح المصري خطوة عملية نحو تعزيز أمن الطاقة في ظل بيئة متزايدة التقلب.

وعلى الصعيد العالمي، يحظى خط أنابيب سوميد بدعم كبير باعتباره يخفض الانبعاثات مقارنةً بالطرق البحرية البديلة التي تلتف حول رأس الرجاء الصالح في إفريقيا، والتي قد تُطيل الرحلات البحرية لآلاف الأميال وتزيد انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنحو 40% لكل شحنة.

بفضل توفيره مسارات أقصر مدعومة بخطوط الأنابيب لنقل النفط المتجه إلى أوروبا، فقد ساهم في تحقيق وفورات تراكمية في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الناتجة عن الشحن، مما يربط كفاءة نقل الوقود الأحفوري بالنتائج البيئية الأوسع نطاقًا خلال فترات ازدحام القناة

سوميد ضمن خطة حكومية لإنعاش الترانزيت

يمثل إنعاش خط سوميد ضمن خطة لمصر لتعزيز دورها في تجارة “الترانزيت” عالميًا، إذ قررت وزارة المالية عدم فرض ضريبة القيمة المضافة على السلع العابرة “الترانزيت” أو الخدمات المرتبطة بها.

جاء ذلك بالتزامن مع زيادة ملحوظة في الطلب على خدمات الترانزيت البري عبر الأراضي المصرية في ظل توجه شركات الشحن الأوروبية؛ للبحث عن مسارات بديلة عقب إغلاق مضيق هرمز عبر استقبال البضائع الأوروبية في مواني البحر المتوسط، مثل ميناء الإسكندرية وميناء دمياط، ثم نقلها برًا عبر الأراضي المصرية إلى ميناء سفاجا، تمهيدًا لإعادة شحنها إلى دول الخليج والسعودية عبر العبارات البحرية.

حمد نديم، مسئول العمليات في شركة إيجيترانس. نوسكو ، يقول إن المسار الجديد يُعد أكثر أمانًا وسرعة مقارنة بخيار الإبحار حول رأس الرجاء الصالح أو المرور عبر مناطق النزاع، مشيرًا إلى أنه يختصر زمن الرحلة بنحو 10 إلى 12 يومًا مقارنة بالخيارات الأخرى، فضلًا عن مساهمته في خفض تكاليف التأمين على الشحنات، كما يعكس التحول في أنماط الشحن الدولي أهمية الموقع الجغرافي لمصر كمحور لوجستي إقليمي قادر على استيعاب المتغيرات الطارئة في حركة التجارة العالمية.

ويقول الخبير الاقتصادي نادي عزام، إن دور مصر كدولة ترانزيت تزاد بعد تطوير البنية التحتية عبر إدخال نظم النقل الحديثة لمسايرة التطور العالمي بمجالات النقل بالحاويات والنقل متعدد الوسائط وخدمات المراكز اللوجيستية والمواني الجافة وتطبيق أنظمة النقل الذكية.

أشار إلى أن حجم الاستثمارات التي تم تنفيذها بالمشروعات القومية للطرق والكبارى خلال 6 سنوات، بلغت نحو 305 مليارات جنيه، استحوذت شبكة الطرق القومية الجديدة على الجزء الأكبر من حجم الأعمال الاستثمارية بإجمالي 175 مليار جنيه، وتلك الاستثمارات أهلت مصر لتكون قادرة على تسريع وتيرة النقل وتخفيض الوقت، خاصة فيما يتعلق بالبضائع.