تجد دول الخليج العربي نفسها اليوم عالقة في قلب متاهة استراتيجية سحيقة، ومأزق جيو سياسي بالغ التعقيد؛ حيث بات كل خيار سياسي “عقلاني” يرتدُّ بتكاليف باهظة وثغرات أمنية خطيرة.
يمثل مفهوم “المتاهة الاستراتيجية” مأزقًا جيو سياسيًا شديد التعقيد، حيث أن كل خطوة عقلانية أو منطقية تتخذها الدولة، تولد حتمًا تكاليف باهظة أو مخاطر في اتجاه آخر.
في سياق المنطقة الآن، يُجسّد هذا الإطار النظري تمامًا المعضلة العميقة التي تواجه دول مجلس التعاون الخليجي، إذ تجد هذه الدول نفسها عالقة في متاهة معقدة، مُجبرة على تحقيق توازن مستحيل: محاولة الحفاظ على شراكاتها الأمنية الأساسية مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه محاولة تجنب التعرض الكارثي لاستراتيجيات إيران القائمة على “فرض التكاليف”.
فعلى مدار عقود، استندت دول مجلس التعاون إلى معادلة توازن دقيقة: الاحتماء بالمظلة الأمنية الأمريكية دفاعياً، مع السعي الدؤوب لاحتواء التوترات الإقليمية لضمان استمرار الازدهار الاقتصادي.
إلا أن انطلاق عملية “الغضب الملحمي” في فبراير 2026- تلك الحملة العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لتقويض النظام الإيراني وتحييد ترسانته النووية والصاروخية- قد عصفت بهذا التوازن بعنف غير مسبوق، وبين عشية وضحاها، انتُزعت دول الخليج من تموضعها المفضل لتجد نفسها في أتون حرب شاملة ومترامية الأطراف. في هذا الواقع المرير، سقطت حصانة “إعلانات الحياد” السياسية، وتحول القرب الجغرافي من إيران إلى سلاح مصلت على رقاب المنطقة.
عقيدة التحوط: رهان “الواحة”
قبل الانفجار الكبير في فبراير/ شباط 2026، استثمرت دول الخليج ثقلها السياسي ومواردها بكثافة في صياغة عقيدة “التحوط الاستراتيجي” وتبني دبلوماسية تصفير الصراعات. كان المحرك لهذا التوجه هو الإدراك العميق لهشاشة الجبهات الداخلية أمام أدوات الحرب الإيرانية غير المتكافئة، وهو الدرس القاسي الذي استوعبته المنطقة عقب هجمات 2019 على منشآت “بقيق” النفطية، والضربات اللاحقة التي طالت العمق في أبوظبي. وبناءً عليه، اندفعت الرياض وأبوظبي نحو مسار جذري لخفض التصعيد، توَّجه التقارب التاريخي بين السعودية وإيران عام 2023، في محاولة طموحة لعزل البيت الخليجي عن حرائق الإقليم المشتعلة، ولقد وجهت دول مجلس التعاون تحذيرات صريحة ومباشرة لإدارة “ترامب” من مغبة شن هجوم غير محسوب على طهران، مدفوعةً بمخاوف مشروعة من آثار كارثية، ستعصف حتماً بسلامة أراضيها واستقرار اقتصاداتها، إلا أن كل تلك الاستثمارات الدبلوماسية والتحذيرات ذهبت أدراج الرياح أمام إصرار واشنطن واسرائيل على فرض واقع جديد عبر “تغيير النظام” وتفكيك الماكينة العسكرية الإيرانية، لتنكشف معها الحدود القاسية لنفوذ هذه الدول في كبح جماح الكبار.
معضلة القواعد العسكرية
تتجلى ذروة المأزق الاستراتيجي لدول الخليج في الطبيعة المزدوجة والمربكة للوجود العسكري الأمريكي على أراضيها، فعلى مدى أجيال، كانت الشبكة الواسعة من القواعد- مثل “العديد” في قطر، ومقر الأسطول الخامس في البحرين، و”الظفرة” في الإمارات، وسلطان في السعودية- تُمثل الضمانة النهائية للأمن وصمام الأمان للاستقرار، إلا أنه في أتون حرب شاملة ضد إيران، انكسرت هذه الديناميكية تماماً؛ فما صُمم في الأصل ليكون “درعاً واقياً”، تحول فجأة إلى “مغناطيس” يجذب الضربات الانتقامية الإيرانية.
وبسبب التداخل العميق لأنظمة الدفاع الجوي ورادارات الإنذار المبكر الخليجية مع القيادة المركزية الأمريكية، بات الحرس الثوري ينظر إلى المنطقة بأكملها كجهاز عملياتي موحد ومعادٍ، لقد كانت الرسائل الإيرانية واضحة: إن استضافة البنية التحتية العسكرية والاستخباراتية الغربية تجعل من الدولة المضيفة طرفاً مباشراً في الحرب، ما محا فعلياً الخط الفاصل بين “الحياد السياسي” و”الانخراط العسكري”.
وهكذا، وجدت دول الخليج نفسها متورطة في صراع عارضته بشدة، وتتحمل تبعات حربٍ، صِيغت وفق أولويات إسرائيلية، وحسابات أمريكية لم تضع وزناً كافياً للمخاطر الوجودية التي تهدد جيران إيران.
استراتيجية “التصعيد الأفقي”
في ظل اختلال حاد في ميزان القوى التقليدية، انتهجت طهران استراتيجية “التصعيد الأفقي” المتعمد، ساعيةً لتوسيع الرقعة الجغرافية والسياسية للصراع لفرض “تكافؤ فرص” قسري.
تدرك إيران عجزها عن حسم مواجهة مباشرة مع واشنطن، لذا عمدت إلى تنويع ساحات الخطر، ومن خلال إمطار مئات الصواريخ الباليستية وطائرات “شاهد” المسيّرة- الزهيدة الثمن والوفيرة الإنتاج- تهدف طهران إلى دفع الاقتصاد العالمي وحلفاء واشنطن أثماناً باهظة.
أطلق أحد الباحثين على استراتيجية إيران “إكراه التكاليف”، وهي تستند إلى تحويل دول الخليج إلى “رهينة” جغرافية، للضغط على إدارة “ترامب” وقبول وقف إطلاق النار قبل وصول الضرر الاقتصادي لنقطة اللا عودة، الرسالة واضحة: “إذا احترقت الجمهورية الإسلامية، فستحترق معها المعجزات الاقتصادية للجيران العرب”، كما تستغل هذه الاستراتيجية تفاوتاً مرعباً في الكلفة، إذ تُنفق واشنطن وشركاؤها ملايين الدولارات على صواريخ اعتراضية لإسقاط مسيّرات، لا تُكلف شيئاً، مما يهدد باستنزاف المخزونات الغربية بسرعة.
الحرب على “الرفاهية”
استهدفت الضربات الإيرانية بدقة جراحية ركائز النجاح الاقتصادي للخليج، مقوضةً سمعتها كملاذ آمن للأعمال والسياحة الفاخرة والنقل الجوي، وفي منطقة رهنت مستقبلها ببرامج تنويع اقتصادي طموحة مثل “رؤية السعودية 2030″، والإمارات 2050 كان الأثر مدمرًا؛ حيث طالت الصواريخ مراكز مدنية واقتصادية كبرى، كمطاري دبي والكويت، وفنادق فاخرة مثل “فيرمونت نخلة جميرا”، وبينما حاول القادة إظهار الصمود، كان واقع إلغاء الرحلات وفرار الكفاءات يكشف الهشاشة الهيكلية، لدول تعتمد وجودياً على تحلية المياه واستيراد الغذاء.
ولم تتوقف المعضلة عند اليابسة، بل امتدت لتخنق مضيق هرمز، حيث أُغلق فعليا الممر الذي يضخ 20% من طاقة العالم. لم يكن الإغلاق عبر الألغام، بل من خلال “إرهاب تقييم المخاطر” الذي رفع أقساط التأمين لمستويات فلكية، مما أجبر السفن على التوقف، هذا “الحصار الخفي” حوّل مواني مثل “رأس لفان” إلى منشآت معطلة، وحتى البدائل عبر خطوط الأنابيب نحو الفجيرة أو البحر الأحمر، لم تكن كافية وتعرضت هي الأخرى لهجمات، لينفجر برميل النفط سعرياً مهدداً العالم بركود تضخمي، يخدم هدف إيران في الضغط الدولي على واشنطن.
ما بعد “الغضب الملحمي”
تجد العواصم الخليجية نفسها أمام استحقاق التفكير في سيناريوهات “اليوم التالي” المرعبة؛ فالإطاحة الكاملة بالنظام الإيراني تمثل احتمالاً مخيفاً، فرغم العداء مع طهران، إلا أن الانهيار المفاجئ للدولة قد يُفجر حرباً أهلية على غرار ليبيا أو سوريا، مما سيؤدي حتماً إلى تدفق موجات اللاجئين، والعنف الطائفي، وتغوّل الميليشيات عبر الخليج الضيق، وفي المقابل، فإن بقاء النظام وتوطيد سلطته تحت قبضة “الحرس الثوري” سيعني التعايش مع دولة جريحة ومتعطشة للانتقام، مما تعتبره “تواطؤاً” عربياً، وفي كلتا الحالتين، يبدو أن تدمير النظام السياسي الإيراني لا يعني حل المخاوف الأمنية الخليجية.
ضربة الدوحة وترتيب أولويات التهديد الإسرائيلي
ولكي ندرك العمق السحيق لهذه المتاهة الاستراتيجية الراهنة، لا بد لنا من تتبع الخيوط المتشابكة للعلاقة الخليجية الإسرائيلية.
تاريخياً، كانت أبوظبي تتحرك ضمن تحالف ضمني مع تل أبيب، (أما الرياض فقام على تفاهمات سرية)، تفرضه ضرورة مشتركة لاحتواء التمدد الإيراني وتفكيك حلقات “محور المقاومة” الذي تديره طهران، وقد جاءت “اتفاقيات إبراهام” عام 2020 لتمنح هذا التحالف صبغة رسمية لكل من الإمارات والبحرين، وتدمجهما في بنية أمنية واقتصادية إقليمية ناشئة، تقودها إسرائيل بالتعاون مع واشنطن.
إلا أن المشهد بدأ يتغير بعنف، فالحرب الضروس والإبادة الجماعية في غزة والعمليات الإسرائيلية المتلاحقة في لبنان وسوريا، بدأت تخلخل الحسابات الخليجية- خاصة السعودية- من جذورها، ووصلت هذه التحولات إلى نقطة الانكسار الحاسمة في سبتمبر/ أيلول 2025، حينما أقدمت إسرائيل على خطوة غير مسبوقة بشن غارة جوية لاغتيال قادة حماس في قلب الدوحة، قطر.
لم تكن الضربة على الدوحة مجرد عملية اغتيال، بل كانت زلزالاً جيو سياسياً، ضرب أركان مجلس التعاون الخليجي، فقطر ليست مجرد جار، بل هي حليف وثيق للولايات المتحدة، وتستضيف على أرضها المقر الإقليمي للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، إن استباحة إسرائيل لعاصمة خليجية ذات سيادة بضربة قاتلة، في ظل صمت واشنطن المطبق ومباركتها الضمنية، قد نسف الأساس المنطقي الذي قامت عليه بنية الأمن الأمريكي في المنطقة.
لقد كانت الرسالة التي وصلت لقادة الخليج مرعبة وواضحة: “إن الولايات المتحدة مستعدة للتضحية بسيادة وأمن شركائها العرب في سبيل المصالح العملياتية الإسرائيلية”.
في أعقاب “واقعة الدوحة”، شهدت بوصلة التهديد في الرياض والدوحة وبقية العواصم العربية تحولاً جذرياً، فبينما كانت إيران تُصنف تاريخياً كجار “مثير للمشاكل” أمكن ترويضه مؤقتاً عبر انفراجة 2023 الدبلوماسية، بات يُنظر إلى إسرائيل كقوة مهيمنة جامحة، تتصرف بشراسة دون أي رادع أخلاقي أو سياسي، وأدرك القادة العرب، أن إسرائيل “غير المقيدة”، والمدعومة بشكل مطلق من إدارة ترامب العائدة، باتت تشكل تهديداً بنيويًا لتوازن القوى الإقليمي.
ورداً على هذا التغول الإسرائيلي، بدأت ملامح إعادة تنظيم استراتيجي تلوح في الأفق؛ حيث تجاوزت السعودية وقطر خلافات الماضي؛ لتقودا تشكيل “محور سني” غير رسمي، أو تحالف إسلامي يضم قوى كبرى مثل تركيا ومصر، لم يكن الهدف من هذا التكتل مواجهة طهران، بل خلق ثقل موازن للهيمنة الإسرائيلية المطلقة، ومنع ولادة “شرق أوسط جديد” تملي شروطه تل أبيب وواشنطن بالكامل.
لقد أدركت السعودية على وجه التحديد، أن الانهيار الكامل للنظام الإيراني سيعني تحول إسرائيل إلى القوة العسكرية العظمى الوحيدة والمنفردة في المنطقة؛ وهو سيناريو كابوسي، من شأنه أن يهمّش نفوذ الرياض، ويقضي نهائياً على أي أمل في قيام دولة فلسطينية ذات سيادة.
وهكذا، وعشية انطلاق “عملية الغضب الملحمي”، كانت الأولويات الخليجية قد حسمت أمرها نحو احتواء الغطرسة الإسرائيلية، مع التمسك ببقاء إيران “ضعيفة لكن مستقرة”، كضرورة جيو سياسية لا غنى عنها للحفاظ على التوازنات في الإقليم.
صراع الأولويات
وحين بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة القصف العنيف والمركز على إيران، وجدت دول الخليج نفسها في أتون صراع مرير بين أولوياتها الاستراتيجية المتضاربة، فجأة طغى الواقع الوجودي المرعب- المتمثل في انفجار الصواريخ الباليستية الإيرانية في سماء الخليج- على ذلك “التحالف السني”- الذي كان لا يزال في مرحلة التشييد- لكبح جماح التغول الإسرائيلي.
لقد فرض الهجوم الإيراني “هدنة قسرية” على التنافسات الخليجية البينية؛ فتوقف فوراً السباق الجيو سياسي المحموم بين السعودية والإمارات، والذي كانت تغذيه التنافسات الاقتصادية وخلافات المصالح في اليمن والسودان، وفي لحظة فارقة، عقد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد أول حوار بينهما منذ أشهر، مدفوعين بضرورة “البقاء الجماعي” تحت وابل الذخائر الإيرانية المنهمرة.
لكن هذه الوحدة الخليجية لم تولد من توافق استراتيجي عميق، بل من رحم الخطر الوجودي؛ فالمأزق الخليجي اليوم ينحصر في مسارين، كلاهما كابوسي ولا يمكن استساغته:
المسار الأول: التخلي عن الحياد والارتماء في أحضان البنية الهجومية الأمريكية الإسرائيلية.
ولطالما دغدغ هذا الحلم خيال واشنطن وتل أبيب: بناء تحالف عسكري عربي إسرائيلي علني ومباشر ضد طهران، لكن عواصم الخليج تدرك جيداً، أن هذا الخيار سيحول مدنها ومنشآت الطاقة لديها إلى أهداف مشروعة وسهلة لترسانة إيران الضخمة من المسيرات الانتحارية والصواريخ.
أما الاصطفاف مع إسرائيل، في وقت يغلي فيه الشارع الإقليمي غضباً؛ بسبب المأساة الفلسطينية، سيهز بعنف شرعية الأنظمة الملكية أمام شعوبها. أضف إلى ذلك، أن الخليجيين لم ينسوا “الخذلان الأمريكي” في الدفاع عن بقيق عام 2019، وهم يشهدون الآن الاستنزاف السريع لمنظومات “باتريوت” و”ثاد” الباهظة أمام مسيرات “شاهد” الإيرانية الزهيدة التي لا تتجاوز تكلفتها 20 ألف دولار؛ وهو ما بات يُعرف بـ”فخ استنزاف المسيرات”.
إنهم وببساطة، لا يثقون في رغبة واشنطن- أو حتى قدرتها- على حمايتهم من التداعيات الزلزالية لانهيار الدولة في إيران.
المسار الثاني: التمسك بضبط النفس الاستراتيجي والردع المتوازن، وهذا يعني تجرع مرارة الضربات الإيرانية، والاعتماد الكلي على منظومات الاعتراض الدفاعية، مع تفعيل دبلوماسية “الغرف المغلقة” المحمومة لاستجداء واشنطن لوقف إطلاق النار.
لكن هذا الطريق محفوف بالمخاطر أيضا؛ فإذا استشعرت إيران، أنها قادرة على ارتهان النماذج الاقتصادية الخليجية دون عقاب لفرض أجندتها على أمريكا، فإنها ستُرسي سابقة خطيرة، وإذا قُدّر للنظام في طهران النجاة، فسيخرج من الحرب أكثر عدائية، محاصراً بالعقوبات، ومدركاً تماماً لحجم القوة القسرية التي يمتلكها فوق “المدن الزجاجية” ومحطات تحلية المياه في الخليج، والتهديد الأخير تحديداً يبدو مرعباً، فبدون تلك المحطات ستتحول مدن كبرى مثل دبي والرياض إلى أماكن غير صالحة للحياة البشرية في غضون أسابيع قليلة.
هنا تكمن المأساة الكبرى للموقف الخليجي: إنهم يخشون بشدة انتصاراً إسرائيلياً مطلقاً، يتركهم مهمشين تحت سطوة قوة نووية إقليمية لا رادع لها، وفي الوقت ذاته، ينزفون مادياً واقتصادياً تحت ضربات نظام إيراني، يرى في تدميرهم طوق نجاة وحيد لبقائه.
في مواجهة هذا الوضع المستحيل، أو المتاهة الاستراتيجية؛ ما الذي يجب على دول الخليج أن تفعله؟ هذا ما نناقشه في المقال القادم.






