ثمة لحظات في التاريخ تكشف فيها الحرب ما كانت السياسة تخفيه بعناية. لحظات لا تخلق فيها الأزمة المشكلة بل تُعريها، لا تُفاجئ فيها المدافعَ، بل تُثبت لصاحب القرار أن ما ظنه درعاً كان في الحقيقة هشيماً. ما جرى في الخليج العربي في أعقاب فبراير 2026، حين امتدت موجات الصواريخ والمسيّرات الإيرانية لتضرب مطارات دبي والكويت ومنشآت الغاز في قطر وفنادق المنامة، لم يكن مجرد فشل استخباراتي أو خطأ في تقدير النوايا؛ كان شيئاً أكثر عمقاً وأشد مرارة، كان كشفاً عن أن النموذج الأمني الخليجي بأكمله، كان مبنياً على افتراض لم يُختبر، ورهان لم يُحسب.
الفهم الرائج لهذه الأزمة، الذي تعكسه كثير من التحليلات الصادرة من مراكز الفكر الإقليمية والدولية، يميل إلى تفسيرها بوصفها فشلاً في إدارة التحالفات، أو قصوراً في منظومات الدفاع الجوي، أو خطأً في حسابات الردع… إلى آخره. وهذه تشخيصات صحيحة في ذاتها، لكنها تبقى على السطح. الأزمة أعمق من ذلك بكثير، وتمتد جذورها إلى البنية الأساسية لنموذج الأمن الذي اختارته دول الخليج منذ نهاية الحرب الباردة 1990، نموذج قام على ثلاث دعائم متشابكة: الانفتاح بديلاً عن التكامل مع الإقليم، والرخاء درعاً بديلاً عن بناء القوة الشاملة، والاعتماد على مزود خارجي بديلاً عن مشاركة الداخل.
الرهان الذي لم يُقرأ بصوت عالٍ
في حقبة ما بعد الحرب الباردة، وعلى وقع الهيمنة الأمريكية المطلقة وصعود العولمة، صنع الخليج خياراً استراتيجياً عميقاً، لم يُعلَن دائماً بهذه الصراحة، لكنه كان موجوداً وفاعلاً في كل قرار كبير؛ فبدلاً من بناء منظومة أمن إقليمية مستقلة، تقوم على التكامل والقدرة الذاتية، اختارت دول المجلس، أن تستثمر في الانفتاح الاقتصادي والاندماج في الاقتصاد العالمي بوصفه استراتيجية أمنية بحد ذاتها.
الفكرة في جوهرها، كانت أن دولة تصبح فيها دبي عقدة في منظومة التجارة العالمية لا يمكن الاستغناء عنها، وتصبح قطر مورداً لخمس الغاز المسال عالمياً، والرياض شريكاً لا تستطيع الشركات العالمية تجاهل استثماراتها فيها، ستحظى بنوع من الحصانة الجيو سياسية لا يوفرها أي حليف وحده.
الحسابات كانت ذكية بمنطقها الداخلي، فتكاليف المساس بهذه المراكز ستكون باهظة على أي طرف، بما فيه إيران، التي تم دمجها أيضا في هذا التصور من خلال توفير ملاذ آمن لها؛ للتهرب من العقوبات القاسية.
ما بناه الخليج من اقتصادات ليست اقتصادات وحسب، بل “رهائن استراتيجية” يحرص الجميع على سلامتها؛ لأن الجميع يعتمد عليها.
لكن هذا الرهان احتوى منذ البداية على خلل منطقي مضمر، لأنه يفترض أن كل الفاعلين عقلانيون بالمعنى الاقتصادي ذاته، وألا أحد سيجد مصلحة في تدمير ما يُفيد الجميع. وهذا بالضبط ما أفشله النظام الإيراني، حين أدرك في لحظة حربه الوجودية، أن في تدمير هذه “الواحة الآمنة” سلاحاً بالغ الفاعلية لرفع تكلفة الحرب على واشنطن وإجبار عواصم الخليج على الضغط للوقف الفوري لإطلاق النار. الضربة على فيرمونت نخلة جميرا، لم تكن ضربة عسكرية بالمعنى الكلاسيكي، كانت رسالة موجهة بدقة إلى صناديق الاستثمار العالمية وشركات الطيران ومكاتب الاستشارات الدولية، وإعلان أن الواحة وهم، والوهم قابل للتدمير.
مفارقة الدرع الزجاجي
تكشف مقاربة نظرية الأمن هنا عن مفارقة عميقة. في الدراسات الأمنية الكلاسيكية، ميّز باري بوزان (Barry Buzan)- أحد أبرز المنظرين في مجال العلاقات الدولية حالياً- وغيره بين “الأمن الصلب” القائم على القوة العسكرية والقدرة الذاتية، و”الأمن الناعم” القائم على الترابط الاقتصادي والمؤسسي.
ما فعله الخليج كان رهاناً كلياً على النوع الثاني مع الحد الأدنى من الاستثمار الحقيقي في النوع الأول. والنتيجة أنتجت ما أطلق عليه الرئيس الروسي بوتين “الدرع الزجاجي”، حيث البنية تبدو قوية ومضيئة وعالمية، لكنها تنكسر بضربة واحدة؛ لأنها لم تُبنَ أصلاً لتتحمل الضربات. فالدرع الزجاجي يعني أن الأنظمة الدفاعية أو القوى العظمى قد تبدو قوية وصلبة، لكنها “هشة” في مواجهة التهديدات غير التقليدية أو التحولات العميقة في موازين القوى.
الأمر لا يتعلق فقط بحجم الإنفاق العسكري، فدول الخليج أنفقت عليه مليارات ضخمة [بناءً على التقارير الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، بلغ إجمالي الإنفاق العسكري لدول مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات العشر الماضية (تقريبًا من عام 2015 وحتى نهاية 2024) ما يقرب من تريليون دولار أمريكي]، وامتلكت من الأسلحة المتطورة، ما يفوق احتياجاتها. المشكلة كانت في طبيعة هذا الإنفاق ومنطقه، فقد انصب على شراء الأسلحة كأصول مالية وأدوات للتموضع الدبلوماسي وتوطيد العلاقة مع واشنطن ولندن وباريس، أكثر من كونه استثماراً في بناء عقيدة أمنية متماسكة وقيادة ميدانية مدرّبة وتكامل عملياتي حقيقي بين دول المجلس. ونتج عن ذلك ما وصفه بعض المحللين بـ”بنية دفاعية بلا عمق استراتيجي”؛ فكثير من المعدات وقليل من الإرادة المؤسسية لاستخدامها بصورة جماعية.
حين يكون “العدو” محل خلاف
ما يجعل هذا المأزق مزدوجاً هو أن الانفتاح الاقتصادي لم يكن الخلل الوحيد في النموذج، فقد أضيف إليه خلل بنيوي ثانٍ، يكاد يكون أشد خطورة، وهو اللا تجانس العميق في مفاهيم التهديد بين دول المجلس ذاتها.
على السطح، كانت دول مجلس التعاون تبدو كتلة متماسكة، تجمعها عضوية مشتركة ولغة أمنية موحدة، لكن تحت هذا السطح كانت ثمة خرائط تهديد متباينة جذرياً. قطر كانت تبني نموذج أمنها على الوساطة الشاملة؛ إيران وطالبان وحماس وإسرائيل وأمريكا جميعهم شركاء في المعادلة القطرية، ومعادلتها تقول: ما دام أن الجميع يحتاجني وسيطاً، فلن يضربني أحد. عُمان كانت تسلك مساراً مشابهاً، لكن بهدوء أكبر وعمق تاريخي أطول. الإمارات في المقابل كانت تبني نموذجاً مغايراً جذرياً، يقوم على الاندماج التقني والاستخباراتي مع إسرائيل والولايات المتحدة، وبالتالي، الاقتراب من تعريف إيران خصماً هيكلياً. السعودية تنتهج مساراً ثالثاً، يجمع بين الضخ العسكري الهائل والدبلوماسية الانتقائية والقدرة على التقارب مع طهران، حين تقتضي المصلحة ثم الابتعاد عنها حين يتغير الحساب.
هذا اللا تجانس لم يكن مجرد خلاف في السياسات يمكن إدارته بجلسة مباحثات، وإنما يعني في جوهره، أن “العدو” ذاته محل خلاف. وفي نظرية الأمن، حين يكون تعريف التهديد نفسه متبايناً بين شركاء يفترض فيهم التحالف، فإن أي آلية للرد الجماعي ستصطدم بجدار، لا تكسره الإرادة السياسية؛ لأنه مبني في البنية المعرفية الأمنية ذاتها.
هذا بالضبط ما كشفته الحرب على إيران. فحين جاء التهديد الإيراني شاملاً وعابراً للحدود، لم تكن ثمة استجابة جماعية موحدة؛ لأن المنطلق الأساسي لتعريف ما تعنيه هذه الاستجابة لم يكن موجوداً من البداية.
الاعتماد على المزود الخارجي
ثمة ديناميكية أساسية ظلت غائبة عن معظم القراءات المتداولة لأزمة الأمن الخليجي، وتستحق أن تُستدعى بوضوح: الوجود الأمريكي بوصفه معطّلاً لبناء الأمن الذاتي، لا ضامناً له.
حين تعلم دولة أن مظلة “باتريوت” و”ثاد” تحميها، وأن خمسة وعشرين ألف جندي أمريكي يتمركزون على أراضيها، وأن القيادة المركزية الأمريكية تحتفظ بغرفة عمليات على بُعد كيلو مترات من عاصمتها، فإن الحافز لبناء قيادة عسكرية موحدة حقيقية، تتخطى الخلافات البينية، أو تطوير صناعة دفاعية محلية كافية، أو حسم التناقضات السياسية التي تعوق التكامل.. يصبح ضعيفاً إلى درجة الانعدام. لماذا نتحمل تكاليف حل الخلاف مع دولة شقيقة في المجلس حول استراتيجية مشتركة لمواجهة إيران في حين المزود الخارجي موجود وجاهز؟
ما هو أشد تعقيداً، هو أن هذا الترتيب كان يناسب الطرفين بمنطق مختلف. فالولايات المتحدة كانت تريد شركاء يدفعون صفقات السلاح، ويوفرون القواعد ويمنحون شرعية وجودها العسكري في المنطقة، دون أن يطوروا إرادة استراتيجية مستقلة، قد تتعارض مع حساباتها الكبرى في مواجهة الصين. أما دول الخليج فكانت تريد مزوداً خارجياً للأمن، يتيح لها تحويل مواردها البشرية والمالية نحو النمو الاقتصادي والتوسع الدبلوماسي والتنويع الاقتصادي الطموح. وكان كل طرف يحصل على ما يريد، لكن الثمن كان يتراكم في خانة لم يرصدها أحد، وهي غياب الأمن من الداخل كموضوع سياسي حقيقي يتحمل مسئوليته المواطن والمؤسسة الحاكمة والانتماء الوطني.
الحرب كشفت انهيار هذا الترتيب من وجهيه في الآن ذاته: المظلة الأمريكية أثبتت عجزها عن حماية المنشآت المدنية من موجات الطائرات المسيّرة الرخيصة التي تستنزف مخزون الصواريخ الاعتراضية الثمينة، والمجتمعات الخليجية التي لم تُشرَك أصلاً في “إنتاج أمنها”، وجدت نفسها في مواجهة حرب لم تردها، وتدفع ثمنها ولا تحقق مصلحتها، بل مصلحة دولة أخرى (إسرائيل) تراها عدوة لها.
المأزق الأعمق: النموذج التنموي
النموذج الاقتصادي الخليجي المعاصر قائم هيكليا على ثلاثة أركان متشابكة: اقتصاد ريعي يُغني الدولة عن الضريبة، ويُغني المواطن عن المشاركة السياسية الفعلية- صحيح أنه يسعى للتنويع الاقتصادي، لكنه لا يزال رهين محبس الريع النفطي. أما الركن الثاني، فهو عمالة وافدة تشكل الأغلبية الكاسحة من السكان، دون أن تربطها بالأرض أي رابطة سياسية أو وجدانية سوى المنافع المادية، وثالثا، استثمار أجنبي يشترط الاستقرار المطلق، ويغادر حين يتهدده أي خطر.
هذا المثلث يعني أن قاعدة “الوجود” الاجتماعي في الخليج هشة بطبيعتها في أوقات الأزمات. فحين تضرب الصواريخ مطارات دبي، أول من يغادر هم الكوادر الأجنبية الذين لا تربطهم بالأرض إلا وظائفهم، وحين تُصاب البنية التحتية، أول ما يتعرض للاضطراب هو ثقة رأس المال الأجنبي الذي يعرف أن بديل دبي أو قطر الجغرافي موجود في سنغافورة أو زيورخ. وحين تطول الحرب، يكتشف النظام السياسي، أنه لم يبنِِ طوال عقود أي منظومة للصمود الشعبي؛ لأن شرعيته لم تقم أصلاً على المشاركة في المخاطر، بل على توزيع الثروة في أوقات السلم.
في نظرية الأمن القومي الجاد، الأمن ليس مجرد غياب التهديد العسكري الخارجي؛ هو في جوهره عقد اجتماعي بين الدولة ومواطنيها، يقوم على مشاركة حقيقية في تحمل أعباء الدفاع عن الكيان المشترك. ما بنته دول الخليج كان نموذجاً استثنائياً، تحل فيه منافع النفط محل هذا العقد، حيث الدولة تُعطي والمواطن يُطيع، والأمن يُشترى من الخارج.
هذا النموذج ناجع في أوقات الرخاء، ويبدو متيناً، حين لا تُختبر فرضياته، لكن الحرب بطبيعتها هي اختبار الفرضيات، وما كشفته هذه الحرب تحديداً، هو أن النموذج لم يكن مصمماً للصمود في وجه هذه الحرب العاتية.
ما بعد الحرب؟
المقترحات الأمنية التي ولدّتها الحرب، من تعميق التكامل الدفاعي الخليجي إلى تدويل أمن الملاحة إلى نظريات محاور الردع المستعارة من التجربة الكورية الجنوبية، كلها ذات قيمة متصورة، لكنها في مجملها تبقى ردوداً تقنية على أزمة ذات طابع سياسي هيكلي. الدعوة إلى قيادة عسكرية موحدة دون حسم التناقضات في تعريف التهديد ستنتج قيادة موحدة على الورق ومشلولة في الميدان. والاستثمار في منظومات الدفاع الجوي المتكاملة دون إصلاح البنية المؤسسية التي تعوق التشغيل المشترك، سينتج أسلحة كثيرة بلا عقيدة قتالية متماسكة. وتدويل أمن الملاحة عبر إشراك الصين والهند سيُدخل لاعبين جديدين يمتلكان مصالحهما الخاصة، ولا يضمن بالضرورة أمناً خليجياً أعمق.
السؤال الذي تتحاشى معظم هذه النصوص طرحه بصراحة هو: هل يمكن بناء أمن جماعي متين دون إصلاح العقد الاجتماعي الداخلي الذي يجعل المواطن شريكاً حقيقياً في تحمل المسئولية؟ وهل يمكن إنتاج إرادة استراتيجية مستقلة في ظل نموذج تنموي يقوم هيكليا على واحة أمن في محيط إقليمي غير مستقر؟
الحرب كمرآة لا كمحطة
حرب 2026 بهذا المعنى لم تخلق أزمة أمن الخليج؛ هي كشفتها فقط. والفرق بين الأمرين جوهري؛ لأن من يعتقد أن المشكلة نشأت مع الحرب سيبحث عن حلول في إدارة تداعياتها، أما من يدرك أن الحرب كانت مرآة لأزمة بنيوية سابقة، فسيدرك أن الحلول الحقيقية تكمن في مراجعة النموذج ذاته.
النموذج الذي وضع الانفتاح بديلاً عن التكامل، والرخاء بديلاً عن القوة الذاتية، والمزود الخارجي بديلاً عن الداخل المسئول.. كان نموذجاً قد يصلح في سياق عالم يسيطر عليه قطب واحد، ويحترم فيه الجميع “الواحة الآمنة”؛ لأنهم لا يستطيعون الاستغناء عنها. هذا العالم مضى. ما تكشفه إعادة هندسة النظام الدولي اليوم، ومعها كل الضربات التي طالت مراكز الرخاء الخليجية، هو أن الأمن في عالم متعدد الأقطاب لا يُشترى ولا يُستورد ولا تضمنه الشبكات اللوجستية، بل ينبغي أن يُبنى من الداخل، بمشاركة من يسكن الأرض، وبإرادة من يعرف تماماً ما الذي يستحق الدفاع عنه، وما الثمن الذي هو مستعد لدفعه.
ويتبقى سؤال، فجرته الحرب على إيران: هل اتفاقات إبراهام 2، أو توسيع اتفاقات التطبيع، يمكن أن تكون حلا لمعضلة الأمن الخليجي؟ وهو ما يستحق أن أخصص له مقالي القادم.






