دخل السودان عام 2019، وهو يهزّ جذع “نخلة ديسمبر”؛ أملاً في أن تتساقط ثمار التغيير سريعاً، غير أن مسار السنوات السبع التالية كشف أن الطريق إلى الدولة المدنية لم يكن مفروشاً بالآمال وحدها، بل محكوماً بصراع عميق على السلطة، وتناقضات بنيوية داخل مؤسسات الدولة، وتقاطعات إقليمية ودولية، جعلت من السودان ساحة مفتوحة لإعادة تشكيل النفوذ.
في إبريل 2019، مَثّل اعتصام السودانيين أمام مقار الجيش في ولايات البلاد الثماني عشرة لحظة ذروة في التعبئة الشعبية، حيث تلاقت الإرادة المدنية مع توقعات بإمكانية انحياز المؤسسة العسكرية للتغيير. غير أن ما جرى كان أقرب إلى “إعادة تموضع للنظام” أكثر منه سقوطاً كاملاً له. فبعد إطاحة الرئيس عمر البشير عبر انقلاب قصر قاده وزير دفاعه، لم يلبث المشهد أن أعاد إنتاج نفسه سريعاً، مع صعود قيادة عسكرية جديدة برئاسة عبد الفتاح البرهان ووجود فاعل لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي).
خلال أسابيع قليلة، بدا أن مسار التفاوض بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري يقترب من اتفاق شامل، خاصة مع حسم غالبية تفاصيل الترتيبات الانتقالية. لكن مجزرة فض اعتصام القيادة العامة في اليوم الثامن والعشرين من رمضان شكّلت نقطة انكسار حادة، ليس فقط في المسار السياسي، بل في مستوى الثقة بين المدنيين والعسكريين، وهي ثقة لم تُستعاد لاحقاً. ومع ذلك، أعادت تظاهرات 30 يونيو 2019، التي خرج فيها ملايين السودانيين رغم الصدمة وقطع الإنترنت، فرض معادلة جديدة دفعت نحو وساطة إفريقية، أفضت إلى توقيع الوثيقة الدستورية في أغسطس 2019.
بدت الفترة الانتقالية في بدايتها، وكأنها تحمل بذور نجاح محتمل، خاصة مع توقيع اتفاق سلام جوبا في ديسمبر من العام نفسه، غير أن الترتيبات التي قامت عليها الشراكة المدنية– العسكرية كانت تحمل في جوهرها تناقضاً بنيوياً: سلطة مزدوجة دون مرجعية حاسمة. فقد احتفظ العسكريون بأدوات القوة الصلبة (السلاح، الاقتصاد الموازي، العلاقات الخارجية)، بينما امتلك المدنيون شرعية سياسية هشة وغير مكتملة.
مع دخول عام 2021، بدأت مظاهر الانسداد تظهر بوضوح. أزمات اقتصادية متفاقمة، صراعات داخل المكون المدني، وتحركات من قوى النظام السابق لإعادة التموضع. إغلاق شرق السودان، ومحاولة الانقلاب في سبتمبر 2021، كانا بمثابة مؤشرات مبكرة على هشاشة الانتقال، ذلك بانقلاب 25 أكتوبر 2021، الذي نفذه المكون العسكري وشبه العسكري ضد شركائه المدنيين، منهياً فعلياً المرحلة الانتقالية الأولى.
منذ تلك اللحظة، دخل السودان في ما يمكن وصفه بـ”مرحلة السيولة السياسية”، حيث لم يعد هناك مركز سلطة واضح أو مشروع وطني جامع. وعلى الرغم من محاولات إعادة بناء مسار سياسي جديد، بما في ذلك الاتفاق الإطاري في ديسمبر 2022 الذي استند إلى مسودة دستور انتقالي أعدتها نقابة المحامين، فإن هذه الجهود ظلت محاصرة بعدة عوامل: رفض قوى فاعلة داخل المؤسسة العسكرية، معارضة قوى النظام السابق، وتباينات داخل القوى المدنية نفسها.
اندلاع الحرب في إبريل 2023 بين الجيش وقوات الدعم السريع مثّل لحظة تحول نوعي، إذ انتقل الصراع من كونه سياسياً– مؤسسياً إلى صراع عسكري مفتوح على السلطة. حرب الخرطوم لم تكن مجرد مواجهة بين طرفين، بل كانت تفكيكاً عملياً للدولة المركزية، حيث انهارت مؤسسات، وتفككت شبكات الخدمات، واندفع الملايين نحو النزوح واللجوء، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
الجهود الدولية والإقليمية لاحتواء الصراع، وعلى رأسها (منبر جدة) برعاية السعودية والولايات المتحدة، ثم محاولات الرباعية الدولية (مصر، السعودية، الإمارات، الولايات المتحدة)، لم تنجح في إحداث اختراق حاسم. السبب لا يعود فقط إلى تعنت الأطراف، بل إلى تعارض مصالح الفاعلين الإقليميين، ووجود “اقتصاد حرب”، بات يغذي استمرار الصراع، إضافة إلى تعدد مراكز القرار داخل كل معسكر.
في عام 2024، بلغت التدخلات الإقليمية ذروتها، مع تصاعد الاتهامات بتقديم دعم مباشر أو غير مباشر لأطراف النزاع، ما حول السودان إلى ساحة تنافس جيو سياسي، خاصة في ظل أهميته الاستراتيجية المرتبطة بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي. وفي 2025، وعلى الرغم من محاولات اختراق دبلوماسي في (زيورخ ) بسويسرا، وخريطة طريق طرحتها الرباعية، فإن الأزمة بقيت تراوح مكانها.
مع بداية 2026، طرأت متغيرات جديدة أعادت تشكيل البيئة المحيطة بالأزمة السودانية. من بينها قرار الولايات المتحدة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية كتنظيم إرهابي، وهو تطور يحمل دلالات، تتجاوز الداخل السوداني، إذ يعكس توجهاً لإعادة رسم خريطة الفاعلين السياسيين المقبولين دولياً. بالتوازي، جاءت تداعيات الحرب الإيرانية–الإقليمية لتضيف ضغوطاً اقتصادية وسياسية على المنطقة، بما في ذلك السودان، الذي يعاني أصلاً من هشاشة بنيوية.
هذه التحولات تفتح الباب أمام قراءة السيناريوهات المحتملة لمستقبل السودان:
السيناريو الأول: استمرار الحرب والاستنزاف
يقوم هذا السيناريو على بقاء ميزان القوى متقارباً بين الجيش والدعم السريع، مع استمرار الدعم الخارجي غير المباشر، ما يؤدي إلى إطالة أمد الحرب وتحولها إلى صراع منخفض الحدة، لكنه ممتد زمنياً. في هذا الوضع، يتعمق انهيار الدولة، وتتوسع مناطق النفوذ المحلي، ويزداد خطر ظهور فاعلين مسلحين جدد. المؤشرات المبكرة لهذا السيناريو تتمثل في فشل جولات التفاوض، واستمرار تدفق الموارد إلى أطراف النزاع، وغياب ضغط دولي حاسم.
السيناريو الثاني: تسوية سياسية هشة
يفترض هذا السيناريو نجاح ضغوط دولية وإقليمية، مدفوعة باعتبارات الاستقرار الإقليمي وتداعيات الحرب الأوسع في المنطقة، في فرض اتفاق لوقف إطلاق النار يتبعه مسار سياسي انتقالي جديد. غير أن هذه التسوية ستكون على الأرجح هشة، لأنها لن تعالج جذور الأزمة، بل ستعيد إنتاج شراكة مضطربة بين أطراف لم تُحسم بينها قضايا السلطة والأمن والاقتصاد. من مؤشرات هذا السيناريو: تصاعد الضغوط الاقتصادية على الأطراف، وتوافق نسبي بين القوى الإقليمية المؤثرة.
السيناريو الثالث: حسم عسكري وإعادة تشكيل السلطة
في هذا السيناريو، ينجح أحد الطرفين في تحقيق تفوق ميداني واضح، يتيح له فرض أمر واقع سياسي جديد. ورغم أن هذا الخيار قد يبدو حاسماً على المدى القصير، إلا أنه يحمل مخاطر كبيرة، إذ قد يؤدي إلى تمردات في الأطراف، أو إلى عدم اعتراف دولي بالسلطة الجديدة، ما يعيد إنتاج دورة عدم الاستقرار. المؤشر الأساسي هنا هو حدوث تحولات نوعية في ميزان القوى العسكري.
السيناريو الرابع: التفكك أو اللا مركزية القسرية
وهو السيناريو الأكثر خطورة، حيث يؤدي استمرار الحرب إلى تفكك فعلي للدولة إلى مناطق نفوذ شبه مستقلة، مع صعود سلطات محلية أو قبلية أو مسلحة. في هذه الحالة، يصبح الحديث عن “دولة سودانية موحدة” أقرب إلى الإطار النظري منه إلى الواقع. المؤشرات تشمل تراجع سيطرة المركز، وظهور إدارات محلية موازية، وتزايد النزاعات البينية.
في المحصلة، يمكن القول إن الأزمة السودانية لم تعد مجرد أزمة انتقال سياسي فاشل، بل تحولت إلى أزمة دولة بكل ما تحمله الكلمة من معنى. فالتحدي لم يعد فقط في كيفية نقل السلطة من العسكريين إلى المدنيين، بل في إعادة بناء الدولة نفسها: مؤسساتها، احتكارها للعنف المشروع، وعقدها الاجتماعي.
ورغم قتامة المشهد، فإن فرص التسوية لا تزال قائمة، لكنها مشروطة بتوفر ثلاثة عناصر أساسية: أولاً، إرادة دولية منسقة تتجاوز التنافس الإقليمي؛ ثانياً، توافق حد أدنى بين القوى السودانية على مشروع وطني جامع؛ وثالثاً، تفكيك اقتصاد الحرب الذي بات أحد أهم معوقات السلام.
بين “نخلة ديسمبر” التي هزّها السودانيون؛ أملاً في التغيير، وواقع اليوم المثقل بالحرب والانقسام، تبدو المسافة شاسعة. لكن التاريخ السياسي للسودان يشير إلى أن لحظات الانكسار الكبرى، كثيراً ما تسبق تحولات عميقة. والسؤال المفتوح الآن ليس فقط كيف تنتهي هذه الحرب، بل أي سودان سيولد بعدها.






