لم تكن هذه المرة الأولى، التي تسود فيها الأجواء المسمومة علاقات مصر بأشقائها العرب!

في مرة سابقة بدت العلاقات المصرية الجزائرية، كما لو كانت قد استحالت إلى كراهية مقيتة على خلفية مباراة كرة قدم بين منتخبي البلدين في تصفيات كأس العالم.

هذه المرة تنتاب العلاقات المصرية الخليجية أجواء مسمومة مماثلة على خلفية الموقف الشعبي من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

أسوأ ما يحدث الآن المن المتبادل بغير تعقل للعواقب الوخيمة.

“الحمد لله الذي أعطانا هذه الفرصة لنرى الأماني وقد تحققت.. الحمد لله فقد كنا نحلم بالجزائر العربية، وقد رأينا اليوم الجزائر العربية”.

بتلك الكلمات ابتدأ “جمال عبد الناصر” خطابا مقتضبا ألقاه في العاصمة الجزائرية يوم (٤) مايو (١٩٦٣).

لم يَمن على الثورة الجزائرية بحرف واحد، أو بإشارة عابرة.

لا قال إننا أمددنا الجزائر بالسلاح، ولا ناصرناها بالمال، ولا أن فرنسا شاركت في حرب السويس (1956) للانتقام من دورنا في نصرة ثورتها.

قال نصا: “جمال عبد الناصر لم يفعل أي شيء لشعب الجزائر”.

لم يكن ذلك صحيحا على أي وجه، لكنه خاطب الكبرياء الجزائري.

كانت الجزائر تعرف الحقيقة وتقدرها، ولم تكن في حاجة إلى من يذكرها.

أشار في خطابه المقتضب إلى المعنى القومي الكبير لاستقلال الجزائر، وركز أغلبه على القضية الفلسطينية.

في الكلام إدراك عميق لطبيعة الشخصية الجزائرية، التي تنفر من المن عليها.

لم يكن عشوائيا، أو قيل بالمصادفة.

في خمسينيات القرن الماضي، أخضعت الشخصية الجزائرية، مكوناتها وطبيعتها، لدراسات علمية متعمقة، قادتها وأشرفت عليها إذاعة “صوت العرب”، بالتعاون مع المخابرات العامة المصرية، حتى يكون خطابها الإعلامي والسياسي في نصرة ثورة المليون والنصف المليون شهيد مؤثرا وملهما.

بقوة الدور المصري زحف في ذلك اليوم الاستثنائي مليون جزائري من أنحاء البلاد إلى العاصمة لرؤية “عبد الناصر”، افترشوا الطرقات العامة، وناموا فوقها بالقرب من الميناء، ملايين أخرى سدت الطرق، وكادت تحطم السيارة التي كان يستقلها مع الرئيس “أحمد بن بيلا”، فاضطرا لأن يصعدا إلى أعلى عربة مطافئ، مضت بين الجموع الحاشدة.

ضارع المشهد الجزائري ما حدث في دمشق عند زيارة “عبد الناصر” لها لأول مرة، وهو رئيسها.

كان الانفصال قد وقع، لكن المشروع ظل ملهما.

كان الجرح لا يزال غائرا لحظة تحرير الجزائر، لكنه تبدى حلم جديد.

المعنى أكبر من الرجل والحلم- حتى لو انكسر- أبقى في ذاكرة التاريخ.

الشرائط المسجلة متاحة، لمن يريد أن يتأمل كيف حلمنا ذات يوم، قبل أن نسقط في بئر بلا قرار.

المشهد التاريخي يقرأ في سياق تحدياته ومعاركه وعصره، وقد كان عصر التحرر الوطني.

في وقت مقارب تحررت القارة الإفريقية من ربقة الاستعمار.

كان دور القاهرة محوريا في قيادة القارة.

وكان تأثيرها نافذا في آسيا وأمريكا اللاتينية.

لهذا السبب- بالذات- جرى الترصد للمشروع الناصري، والعمل على اصطياده بالتآمر من بين ثغرات نظامه، أو باستخدام القوة المسلحة.

في أيام الهزيمة نهضت الجزائر للوقوف بجانب مصر.

ذهب الرئيس الجزائري “هواري بومدين” إلى موسكو، وتفاوض على شحنات أسلحة عاجلة، عرض دفع ثمنها فورا، لكن “ليونيد بريجينف” الرجل القوي في الكرملين، كان له تقدير آخر، أن هناك التزامات على الاتحاد السوفيتي تجاه مصر.

ثم قاتل لواء جزائري مع الجيش المصري في حرب أكتوبر (١٩٧٣).

اختلف الرجلان الكبيران “أحمد بن بيلا” و”هواري بومدين” في قضية السلطة، لكنهما كانا يدركان كل بطريقته معنى “وحدة المصير العربي”.

أثناء فتنة مباراة كرة القدم بين مصر والجزائر (٢٠٠٩)، سألت الأستاذ “أحمد سعيد” مؤسس “صوت العرب”، أن يكتب لصحيفة “العربي”، فدوره مقدر وصوته مسموع في الجزائر.

قال: “أريد أن أعرف موقفك”.

ـ “أنا قومي عربي”.

رغم ما يربطنا من اتصال حوار ومودة حتى نهاية حياته، فإن الأجواء العامة دعته إلى ذلك السؤال.

كان كل شيء هستيريا، وأغلب ما يُكتب على ورق، أو يبث في فضاء عار حقيقي.

في التفاته عميقة نصحني بجملة مختصرة: “لا تمن على الجزائر”.

في لحظات الفتنة وجد نفسه أمام سؤال سياسي وإنساني، عما إذا كانت الذاكرة مُحيت.

كتب مقالا في “العربي”، وضعت له العنوان التالي: “رسالة إلى صديقي بوتفليقة”.

قال معاتبا: “ليس صديقي، أنا صديق أحمد بن بيلا”، الذي كان لا يزال على قيد الحياة.

 خطر لي أن “بن بيلا” يمكن أن يساعد في إطفاء نيران الكراهية، التي أخذت مداها بين بلدين عربيين شقيقين، مظاهرات في الجزائر تحرق العلم المصري، وتروع مصريين يعملون هناك.. ومظاهرات في القاهرة تحاصر السفارة الجزائرية، وتشتبك مع قوات الأمن وتروع جزائريين يعملون هنا.

كان الشحن الإعلامي والسياسي على الجانبين قد وصل إلى التنابز بالأوطان، واختلاق الوقائع والقصص المحرضة على القتل.

بدا أن الهدف إخفاء فشل النظامين تحت غبار مباراة كرة قدم.

حاول “أحمد سعيد”، أن يرتب لي حوارا مطولا بالهاتف مع القائد التاريخي للثورة الجزائرية.

سأل أصدقاء مشتركين في جنيف: “أين هو الآن.. في سويسرا أم في الجزائر؟”.

لم تكن هناك معلومات دقيقة، حتى يمكن إجراء الاتصال.

دخلت على الخط السيدة “زهرة” حرم الرئيس الجزائري الأسبق بطلب من صديقتها حرم الوزير “فتحي الديب” رجل الظل القوي في عصر “عبد الناصر”، وأبدت حماسا للفكرة.

كان من رأي الأستاذ “محمد حسنين هيكل”: “لا تحرج الرئيس أحمد”، فالمناخ العام مسموم، وكل كلمة قد تؤول على عكس مقصدها.

بدا هذا الرأي مقنعا بمنطقه وظروفه.

نحن الآن أمام مناخ مسموم آخر أكثر فداحة وخطورة بين مصر والخليج.

ملاسنات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وفضائيات وصلت تفلتاتها إلى المن على مصر بمنح وقروض مالية، حصلت عليها بالعقد الأخير، كما بورقة العاملين المصريين- كأنه يمكن الاستغناء عنهم.

لم تكن تلك القروض مجانية، أو بلا ثمن سياسي واقتصادي.

رد المصريون تذكيرا بالمساعدات التعليمية والطبية المجانية، التي حصلت عليها منطقة الخليج خمسينيات وستينيات القرن الماضي قبل الطفرة النفطية.

لم يكن ذلك الدور أيضا مجانيا بقدر ما كان ضروريا حتى تؤكد مصر حضورها الاستراتيجي في تلك المنطقة بالغة الحيوية لأمنها القومي.

تحت كل اعتبار لا يمكن لمصر أن تستغني عن الخليج، ولا بوسع الخليج، مهما جمحت بعض قياداته، الاستغناء عن مصر.

هذه حقيقة جيو استراتيجية تدخل في صلب الأمن القومي العربي، مهما بدا مترنحا.

باليقين لم يكن التأييد الشعبي المصري لإيران في مواجهة الحرب الأمريكية الإسرائيلية عليها خروجا عن مقتضيات الأمن القومي، بل تأكيدا عليها.

بحس تاريخي نافذ وعميق، أدركت الأغلبية الكاسحة من المصريين، إنه إذا ما سقطت إيران، فإن الدور على بلادهم.

هكذا بكل وضوح.

لا يمكن لمصري واحد، يعرف مكامن الخطر على بلاده، أن يتصور نفسه في الصف الإسرائيلي تحت أية ذريعة.

نفس النظرة التاريخية والاستراتيجية امتلكت تركيا؛ خشية أن تدخل المنطقة، إذا ما انكسرت إيران إلى حقبة إسرائيلية على حسابها.

ما يجب أن يتفهمه الأشقاء في الخليج، أن صلب الموقف الشعبي المصري ضد إسرائيل لا ضدهم.

لم يكن أمام إيران للدفاع عن وجودها سوى ضرب القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، التي تنطلق منها الغارات عليها.

في وقت مبكر من الحرب، صدر عن رئيس الاستخبارات السعودية الأسبق الأمير “تركي الفيصل” تصريحا لافتا: “القواعد الأمريكية تخدم إسرائيل لا المنطقة”.

هناك الآن كثيرون في أرجاء الخليج يرددون المعنى نفسه.

يحتاج الخليج بعد أن تنقضي الحرب، أن يراجع منظومة أمنه، التي تعتمد على القواعد الأمريكية، ويمتنع عن أي تعويل على إسرائيل، ضمنيا أو كاملا.