مثلت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتي اندلعت في نهاية فبراير 2026 نقطة انعطاف في بنية الأمن الإقليمي، دفعت دول الشرق الأوسط، خصوصاً الخليجية إلى إعادة التفكير في نماذج التحالف والحماية التي اعتمدت عليها لعقود، ومنها المظلة الأمريكية، والاعتماد على أسلحتها.
في هذا السياق، برزت دول تعد متوسطة القوة وغير إقليمية كفاعلين جدد في مشهد الأمن، مستفيدة من ثغرات كشفتها الحرب، ومن حاجة متزايدة لدى دول المنطقة إلى تنويع مصادر الدفاع، ليس فقط في التسليح، بل في المعرفة والخبرة القتالية والتكنولوجيا وأنماط التشغيل لأسلحة دفاعية في مواجهة المسيرات والصواريخ الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية ومنشآت اقتصادية في دول الخليج.
وتشير ورقة تقدير موقف الصادرة عن مركز التنمية والدعم والإعلام “دام” بعنوان “القوى المتوسطة غير الإقليمية وأمن الشرق الأوسط”، إلى أن ما جرى يشير إلى انتقال تدريجي نحو “سوق أمني مفتوح”، تتقاطع فيه المصالح العسكرية والاقتصادية والسياسية، وتتحرك داخله دول متوسطة بمرونة وبقدرة على بناء علاقات متوازية مع أطراف متعارضة.
تشير الورقة لما كشفته الحرب عن محدودية في فعالية بعض أنظمة الدفاع التقليدية الغربية، ومن تردد أمريكي في الانخراط الكامل للدفاع عن هذه الدول الخليجية، وهذا يفتح المجال بدرجة أكبر، أمام فاعلين جدد عبر تصدير السلاح و”تسليع الخبرة” ونقل المعرفة في مجال الدفاع والقتال والصراعات المشابهة، في هذا الإطار، تبرز كوريا الجنوبية وأوكرانيا كنموذجين مختلفين، لكنهما متكاملان في تفسير هذا التحول.
وترى الورقة، التي كتبها الباحث عصام شعبان، إلى أن كوريا الجنوبية تمثل نموذج القوة الصناعية التعاقدية التي استطاعت، أن تدخل سوق الأمن من بوابة الكفاءة والتكلفة، مُقدِمة حزم تسليحية متكاملة مع استعداد لتوطين الإنتاج، وهو ما منحها أفضلية نسبية مقارنة بالموردين التقليديين المقيدين اعتبارات سياسية معقدة، منها اشتراطات التسليح التي تتدخل فيها إسرائيل، وغالبا تخضع لموافقتها.
وتوضح الورقة، أن جاذبية النموذج الكوري لا ترتبط فقط بتكلفة أقل، بل بطبيعة العلاقة التي يعرضها: شراكة تصنيع ونقل معرفة، بجانب صفقات سلاح متطور، وأقل تكلفة من السلاح الغربي في معظم الأحيان.
أما أوكرانيا، فتقدم نموذجاً، يقوم على تحويل خبرة الحرب إلى مورد استراتيجي، فبعد سنوات من المواجهة مع روسيا، تحولت كييف إلى مصدر لنمط جديد من الأمن قائم على المرونة التشغيلية، والتكنولوجيا منخفضة التكلفة، والتكيف السريع مع طبيعة التهديدات.
وتلفت الورقة، إلى أن هذا النموذج يكتسب جاذبيته في الخليج تحديداً، حيث أثبتت هجمات المسيرات والصواريخ، أن الأنظمة الدفاعية الثقيلة والمكلفة ليست بالضرورة الأكثر فاعلية في مواجهة تهديدات كثيفة ومنخفضة التكلفة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ضوء ما تصفه الورقة بـ”فجوة التشغيل”، حيث لم تعد المشكلة في امتلاك السلاح المتطور، لكن القدرة على استخدامه بكفاءة ضمن بيئات معقدة، وقد كشفت وقائع الحرب، خاصة حوادث النيران الصديقة، عن حدود الاعتماد على التكنولوجيا دون بنية تشغيلية متكاملة وخبرات تشغيل وسهولة التشغيل أيضا، وهو ما يعيد تعريف مفهوم القوة العسكرية ذاته: من امتلاك المعدات إلى القدرة على إدارتها ودمجها ضمن منظومات مرنة.
وفي هذا السياق، تطرح الورقة تحليلاً لمظاهر تغير في بنية الصراع وأشكال التعاون الدفاعي، وتداخل الأدوات العسكرية مع التكنولوجيا والاقتصاد والمعرفة، وتزداد أهمية الفاعلين القادرين على التحرك داخل هذه الشبكات بمرونة واستقلال نسبي من قوى جديدة، تستثمر الصراعات الإقليمية، في بناء الشراكات، وتقديم حلول عملية لمشكلات أمنية تواجهها على سبيل المثال، دول الخليج وبعيد عن القوى الكبرى التقليدية.
وتخلص الورقة إلى أن الشرق الأوسط يتجه نحو مرحلة جديدة، تتراجع فيها الموثوقية حول جدوى الاعتماد على مظلة أمنية واحدة، واعتباره خياراً كافياً، بل أصبح التنويع ضرورة استراتيجية، وفي هذا المشهد، تحل القوى المتوسطة، وتخلق وجودا لها بجانب القوى الكبرى، أو في دور مكمل لها كما حالة أوكرانيا، وكوريا الجنوبية، وكلاهما يطرح ويقدم بدائل تسليحية تقوم على الكفاءة والمرونة، وهناك دول أخرى بذات الوزن، وأكبر تتحرك بدرجة استقلال نسبي عن القوى الكبرى، ومرشح أن تلعب دورا في منظومة الأمن والدفاع.
وتتوقع الورقة، اتساع دور القوى المتوسطة الموردة للسلاح في دول الخليج، وتراجع التعاملات مع واشنطن في المدى البعيد، وفي المدى القصير اتساع سوق السلاح والمتعاملين فيه من دول المنطقة مع دول القوى المتوسطة عبر صفقات تسلح وخبرات قتال.
لكن تشير الورقة إلى نقطة مركزية، أن معضلة الأمن لا يمكن حلها دون تحالفات بين قوى الشرق الأوسط الأساسية، ترتكز على عمل سياسي، وبنى دفاعية تتكامل فيها الخبرات، وتعتمد على تحديد طبيعة المهددات بدقة ومصادرها، وصياغة رؤية لمواجهتها مع العمل على الحد من أسباب بعض الصراعات التي يمكن خفض التصعيد فيها، ووقف تحولها إلى حروب.
لقراءة الملف كاملا:






