لم تكن مصادقة الكنيست الإسرائيلي في القراءتين الثانية والثالثة على قانون “إعدام الأسرى الفلسطينيين” مفاجأة لأحد، فقد مرت خمسة أشهر كاملة على قراءته الأولى.
إنه قانون نازي بأي معنى سياسي وإنساني وحقوقي.
فهو يفرض الإعدام شنقا كعقوبة إلزامية على الأسرى المتهمين بتنفيذ “هجمات قاتلة” مع حرمانهم من حق الاستئناف.
تطبق أحكامه بحق الفلسطينيين وحدهم، ويستثنى منها اليهود الإسرائيليون، إذا ما ارتكبوا أفعالا مماثلة.
تصدر الأحكام بأغلبية بسيطة للقضاة وتنفذ خلال تسعين يوما.
عندما صادق عليه الكنيست في القراءة الأولى، بدا العالم العربي، كأنه قد ضربته غيبوبة عميقة، لا احتجاجات مسموعة ولا اعتراضات مؤثرة.
بعد استصدار هذا القانون النازي، علت أصوات في مصر تطلب إطلاق حملات شعبية ودولية ضده، والتنديد به على نطاق واسع ومؤثر، إلا أن ثمة خشية من أن يعقبها صمت مخيم بذرائع مختلفة.
لمرات عديدة طرح مشروع القانون مع إدخال تعديلات عليه بكل مرة، دون أن تمضي الإجراءات إلى آخرها، لفداحة التشريع، وخشية ردات الفعل بالمجتمع الدولي عليه.
ما الذي استجد هذه المرة، حتى مر القانون دون ممانعات كبيرة؟
ساعد استضعاف العالم العربي على تجاوز أية مخاوف من تداعيات تمريره على صورة إسرائيل، وادعاءات أنها “دولة ديمقراطية”!
المفارقة الكبرى أن إسرائيل بنت ركائز قوتها السياسية داخل المجتمعات الغربية على ما تعرض له اليهود من كوارث إنسانية في معسكرات التعذيب النازية.
في عام (1962)، أعدمت “أودلف إيخمان” بتهمة ارتكاب جرائم تعذيب وإبادة، لكنها الآن تتغول في الأفعال نفسها ضد الفلسطينيين، كأن الإعدام ينهي القضية.
هذا وهم كامل.
استبقت مصادقة الكنيست بصورة نهائية بيانات، وقعتها دول أوروبية، بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، وجماعات حقوقية دولية تندد وتحذر من أنه “خطوة تقوض التزامات إسرائيل بالمبادئ الديمقراطية”.
توسمت بغير أساس أنه “سينفذ في ظل محاكمة عادلة”.
لم تدن الإدارة الأمريكية ذلك القانون، بل أضفت عليه نوعا من الدعم والإسناد، باعتباره حقا سياديا مطلقا للدولة العبرية!
بأي قياس سياسي وإنساني وقانوني، فإنه تطور خطير، يهدد حياة آلاف الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية بالمخالفة لأية قواعد عدالة يعرفها العالم.
حسب القانون، فإن القضاة مجبرون على الحكم بإعدام “كل فلسطيني متهم بقتل أي إسرائيلي يهودي؛ بسبب هويته”.
بافتراض العكس، فلا تهمة ولا إعدام!
كان ذلك داعيا إلى وصف مشروع القانون بـ”العنصرية”.
في القراءة الأولى، اعترضت نقابة الأطباء على إقحامهم في جريمة القتل عن طريق الحقن السامة.
لم يكن الاعتراض على مبدأ الإعدام، بل على طريقة تنفيذه.
تضاربت المواقف في الدولة العبرية بين وصف مشروع القانون، بأنه “أخلاقي بصورة غير مسبوقة” وبين إدانات حقوقية متواترة، قالت إنه يضع إسرائيل في أزمة جديدة مع المجتمع الدولي.
تصدر وزير الأمن الإسرائيلي المتطرف “إيتمار بن جفير” المشهد الاحتفالي باستصدار القانون النازي، لكنه لم يكن وحده.
أحزاب الائتلاف الحكومي، وعلى رأسها كتلة الليكود، التي يترأسها رئيس الوزراء “بنيامين نتنياهو”، وقفت في الصف نفسه.
كان لافتا الربط ما بين إقرار القانون والانتخابات المقبلة.
تعهدت الحكومة بالانتهاء منه قبل الاستحقاق الانتخابي، وقد التزمت بما قالت، كأنه شهادة لصالح سياساتها وأشخاصها.
ما يهم “نتنياهو” قبل أي شيء آخر مستقبله السياسي مدعوما من اليمين المتطرف قبل أي انتخابات قد تجري مبكرا.
فور الإقرار النهائي لمشروع القانون العنصري، احتفل “بن جفير”، بأكواب الشمبانيا، التي أخذ يوزعها مبتهجا على النواب، فيما كان يرتدي دبوسا ذهبيا على شكل مشنقة!
ربما تعطل المحكمة العليا القانون، لأسباب تتعلق بالصراعات الداخلية قبل أي شيء آخر.
ما دورنا نحن؟.. وماذا يتوجب علينا فعله؟
بقوة الحقائق الموثقة، فإن أوضاع الأسرى داخل السجون الإسرائيلية مروعة إلى حدود غير متصورة، تعذيب منهجي بكافة الطرق والوسائل، وحرمان من الحد الأدنى للغذاء.
ما حدث في معسكر “سدية تيمان” أبشع من أن يكتب على ورق، حيث انتهكت أجساد وحرمات بثت في مقاطع فيديو، نشرتها القناة (12) الإسرائيلية.
إعدام الأسرى ربما يكون أقل وطأة، مما يتعرضون له من إهانات وتعذيب دون غضب عربي، أو شبه غضب، دون احتجاج، أو شبه احتجاج.
تُرِكَت مهمة قانون الإعدام لـ”بن جفير”، كأنه قانونه الشخصي، فيما هو يدمغ الدولة العبرية كلها بأسوأ الأوصاف أمام المجتمع الدولي والضمير الإنساني.
“أنت رجل له سجل حافل في سفك الدماء الإسرائيلية واليهودية، يا وزير الدغدغة والبقلاوة”!
هكذا خاطب أحد أعضاء الكنيست الغاضبين “بن جفير” في نقاشات ساخنة داخل لجنة الأمن القومي أثناء القراءة الأولى، قاصدا أنه يعمل على دغدغة مشاعر اليمين المتطرف، وأخذ صورة من يدافع عنهم بغض النظر عن أي اعتبار أو قيمة إنسانية.
إننا أمام رغبة محمومة للانتقام من الفلسطينيين كلهم، مقاومين ومدنيين على السواء، بذريعة أحداث السابع من أكتوبر، التي أفضت إلى انكشاف إسرائيلي عسكريا واستخباراتيا، كما لم يحدث من قبل.
في حسابات وتعقيدات اللحظة الحالية، تبدو إسرائيل في انكشاف من نوع آخر، أمام نفسها هذه المرة.
بتعبير “أفيجادور ليبرمان” وزير الدفاع الأسبق والمعارض الحالي، الذي تبنى مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين نسخة عام (2018)، فإن هناك تغييرا جوهريا في الشرق الأوسط، “لكنه ليس لصالحنا”.
الاستنتاج نفسه يعكس عمق المأزق الإسرائيلي الحالي.
لقد فشلت حكومة “نتنياهو” في حسم الحروب المفتوحة، وغاب عنها أي أفق سياسي لليوم التالي.
هذا ما يذهب إليه “ليبرمان”، لكنه يغفل أن خطة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” استهدفت إنقاذ إسرائيل من نفسها، حتى لا يجري فرض العزلة الدولية عليها؛ بسبب وحشية حربي الإبادة والتجويع في غزة.
وفق خطة “ترامب”، فرضت وصاية أمريكية على القرار الإسرائيلي، لكن لصالحها وليس ضدها.
التصعيد في ملف الأسرى، ربما يستهدف نوعا من المناورة مع الإدارة الأمريكية، حتى يكون ممكنا الاستجابة لكامل تصوراتها لمهام لقوات الدولية، المزمع تشكيلها وفق قرار مجلس الأمن الدولي، أن تتولى بالقوة نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، وليس “حماس” وحدها.
“إن لم يحدث ذلك، فسوف تتولى إسرائيل القيام بالمهمة”، على ما قال “نتنياهو” محذرا ومهددا، رغم أنه فشل في إنجازها على مدى عامين كاملين
التحديات تفرض نفسها على العرب جميعا، وليس الفلسطينيون وحدهم.
وقد أخذت مداها في الحرب على إيران، ولبنان والمقاومة فيه، والضفة الغربية بالتوسع الاستيطاني، واليمن والعراق.
إننا أمام حرب إقليمية حقيقية، قد تفلت شراراتها إلى حرب عالمية ثالثة على ما حذر وزير الخارجية الروسي “سيرجي لافروف”.






