1666 جنيهًا للساعة.. فواتير خيالية بالمستشفيات الخاصة.. ورقابة “الصحة” غائبة

عاد ملف المستشفيات الخاصة للساحة بقوة خلال الساعات الأخيرة بعد رفض مستشفى خاص في منطقة التجمع بالقاهرة تسليم جثـمان شخص لذويه قبل دفع فاتورة تجاوزت المليون جنيه، تتضمن بعض المبالغ غير المنطقية التي في مقدمتها بند خدمات متنوعة ليس لها علاقة مباشرة بالخدمة الطبية.

تتضمن فاتورة المريض الذي أقام في المستشفى 26 يومًا، بما يعادل 40 ألف جنيه في اليوم أو 1666 جنيهًا للساعة، بنودًا مثل خدمات متنوعة بحوالي 42 ألف جنيه، وهي تتضمن أمورا على شاكلة الصابون والمنظفات ووسائل تعقيم الغرفة، وإشراف طبي بحوالي 25.8 ألف جنيه، وهو بند مختلف عن أتعاب الأطباء التي تبلغ 72.8 ألف جنيه ورسوم استخدام أجهزة بـما يزيد على 30 ألف جنيه.

أميرة صابر قنديل، عضو مجلس الشيوخ، كانت شاهدة على أزمة تلك الفاتورة المليونية، فالمتوُفي كان من معارفها، وشهدت أيضًا على رفض المستشفى خروج جثمان الراحل لدفنه لوجود جزء من مديونية الفاتورة، لم يتم دفعها، والتي تتضمن أسعارا غير منطقية للخدمات الطبية المقدمة.

تشمل الفاتورة تكلفة استخدام سرير الرعاية المركزة 100 ألف جنيه ما يعادل 160 جنيها في الساعة وأدوية بقيمة 286 ألف جنيه بما يعادل 458 جنيهًا في الساعة (أي أن المتوفي كان يتناول دواء بقيمة 7.5 جنيهات كل دقيقة في الـ24 ساعة)، وكذلك مستلزمات طبية بـ106.4 آلاف جنيه ما يعادل 170 جنيها للساعة الواحدة.

الرقابة.. الغياب الكبير

بحسب قنديل، فإن الغياب الكبير للرقابة من وزارة الصحة على الخدمات الطبية المقدمة في المستشفيات الخاصة وضع خاطئ يجب تغييره، بجانب وضع تقدير منطقي للتسعير وسقف لكل خدمة طبية مقدمة ورقابة عليها، فلا يوجد منطق لتسعير مرن لا يتضمن سقفًا ومحاسبة، أو أن يجمع البعض ثروات طائلة على حساب ألم ووجع وديون المريض من غير آلية للحوكمة والمحاسبة”.

الطبيب.. أجرة اليد ملايين بخلاف المستشفى

في العمليات الجراحية حاليًا، أصبح المريض يخضع لتسعيرتين الأولى من الطبيب والثانية من المستشفى، فبعض عمليات القلب يحصل الطبيب على مليون جنيه “أجرة يده” بخلاف المستشفى التي قد تطلب هي الأخرى مبلغ 500 ألف جنيه، أي أن عملية تغيير صمام القلب قد تتراوح بين 1.5 مليون و2 مليون جنيه.

“و. ف”، مريضة من الغربية، احتاجت لعملية إزالة ورم حميد في المخ، طلب فيها الجراح مليون جنيه موزعة بين 400 ألف جنيه أجرة يده، و600 ألف جنيه موزعة على مساعديه والتخدير والمستشفى، رغم أن نسبة نجاح العملية ضعيفة.

الإعلامي أحمد إبراهيم يكشف عن واقعة تثير الاستغراب، حينما طلب طبيب من عامل يومية بسيط 530 ألف جنيه لإجراء جراحة في العمود الفقري لطفله، بخلاف تكاليف المستشفى.

وائل حسين، موظف سابق بوزارة الثقافة، يحكي عن رحلة علاج والده مع الأورام في مستشفى شهير، فأثناء مراجعة تكاليف جلسة كيماوي، وجد بخلاف الأرقام الضخمة التي دفعها، استخدام مكونات لم يتم استخدامها منها على سبيل المثال “٨ كانيولا”، رغم أنه تم استخدام اثنين فقط، وكان رد الإدارة أنه سيتم خصم قيمتها المرة القادمة.

أما أحمد سليمان فيقول إن المشكلة الأخطر تكون في ملف رعاية الأطفال، فالطفل المبتسر من الممكن أن تصل تكلفته في الحضانة لـ5000 جنيه يوميًا، ما يعني أن مكوثه شهر واحد بها يتطلب 150 ألف جنيه، والعناية المركزة في القطاع الخاص تصل لـ25 ألف جنيه يوميًا ما يعادل 750 ألف جنيه شهريًا.

خالد حسين، نموذج هو الآخر على التكلفة الخيالية التي يتحملها المريض، فوالدته تم حجزها في المستشفى ٢٣ يومًا، وكانت الفاتورة مليون و٥٢٥ ألف جنيه، وتوفت نتيجة خطأ طبي جسيم حول جلطة وقسطرة بسيطة إلى التهاب رئوي وفشل كلوي؛ نتيجة عدوى من المستشفى.

طه حامد يقول إن المهزلة الحقيقية حينما يتم طلب قائمة تفصيلية بالخدمات التي تم الحساب عليها، فحينما أجرى عملية جراحية، وطلب تلك الفواتير، وجد فها ٢٠٠ لاتكس يوميًا (جوانتي طبي) و١٠ غيارات سرير يوميًا، وهي كميات يستخدمها دور كامل.

عبد الرحمن خالد يؤكد على الفكرة ذاتها، فالفاتورة التفصيلية لمستشفى خاصة بسوهاج، دخل عمه إليها، تضمنت أتعاب فرد الأمن واستخدام الأسانسير، كما تهرب المستشفى من إصدار فاتورة تفصيلية بالأدوية التي تم صرفها لها.

للأطباء رأي آخر

يسيطر  القطاع الخاص على ما يقرب من ثلثي المستشفيات بمصر، بعدما تراجع عدد المنشآت الصحية الحكومية ذات الأسرة من 1.243 منشأة عام 2000، إلى 660 منشأة عام 2010، ثم 662 منشأة عام 2019، أي أن القطاع الحكومي فقد نصف عدد المنشآت الصحية ذات الأسرة التي يملكها خلال العقد الأول من الألفية.

لا يجد الأطباء غضاضة في الفرق الكبير بالتسعير، إذ يقول د. حسام حسن، أستاذ طب القلب والأوعية الدموية في مستشفى جامعة أسيوط، عن واقعة مريض المليون جنيه، إنه كان في حالة حرجة داخل الرعاية المركزة مع غسيل كلوي ونقل دم متكرر.

أضاف أن المرضى معتادون على المستشفى الحكومي الذي تتحمل فيه الدولة التكاليف المرتفعة، لكن في المستشفيات الخاصة المريض يتحمل التكلفة، والخدمة الطبية مكلفة وفي المستشفيات الخاصة مرتبات العاملين، وفواتير الكهرباء التي لا تقل وحدها عن ربع مليون شهريًا، يتم تحميلها على تكلفة كل مريض.

م. ع، صاحب معمل تحاليل، يقول إن الأعباء على المستشفيات والمعامل أصبحت خيالية، مضيفًا: “أملك معمل خاص صغير جدًا بأجهزة محدودة، وفوجئت بفاتورة كهرباء 55 ألف جنيه شهريًا.

ما الحل؟

النائب عاصم عبد العزيز مرشد عضو مجلس النواب، يقول إن ما يشهده قطاع المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة من ضعف واضح في الرقابة، انعكس بصورة مباشرة على الارتفاعات الكبيرة وغير المنضبطة في أسعار الخدمات الطبية والعلاجية، بما يمثل عبئًا بالغًا على المواطنين، ويطرح تساؤلات خطيرة حول آليات التسعير والرقابة والمحاسبة.

بحسب المركز المصري للحق في الدواء، فإن المستشفيات الخاصة تهدف بطبيعتها إلى تحقيق الربح، لكن يجب أن يكون “ربحًا عادلًا”، لا يقوم على استغلال حاجة المريض، فالحق في الرعاية الصحية مكفول دستوريًا وفق المادة 18 من الدستور، ولا يجوز المساس به عبر المغالاة في الأسعار.

يؤكد مرشد على تلك المشكلة، فهناك تضخم في تكاليف العمليات الجراحية، وأسعار الإقامة، والفحوصات، والخدمات الطبية المساندة في ظل تفاوت كبير في الأسعار بين منشآت متشابهة بالمستوى، وغياب معايير معلنة وملزمة للتسعير، الأمر الذي يفتح الباب أمام ممارسات، قد تفتقر إلى الشفافية والضبط.

إبان أزمة كورونا تم توجيه اتهامات للمستشفيات الخاصة بالجشع، حتى أن هاني سامح، الخبير الدوائيّ والباحث بدراسات القانون، أقام دعوى قضائية على مستشفى استثماري في المعادي، طالب أهل مريض توفي داخله بدفع 3 ملايين جنيه، مطالبًا بفرض الحراسة القضائية على المستشفى “لانتهاكها قوانين المنشآت الطبية، ومخالفتها للتسعيرة المحددة من قبل المحافظ المختص”.

النائب عاصم مرشد يجد الحل في ـ4 اقتراحات قابلة للتنفيذ لضبط الأسعار والرقابة وإحكامها على المستشفيات والمراكز الطبية الخاصة، وهى: إعداد قائمة أسعار استرشادية ملزمة، يتم تحديثها دوريًا مع إلزام جميع المنشآت الخاصة بإعلانها بشكل واضح للمرضى، وإنشاء وحدة رقابة وتسعير إلكترونية مركزية بوزارة الصحة لتلقي شكاوى المواطنين ومتابعتها فورًا، وتغليظ العقوبات المالية والإدارية على المنشآت التي يثبت تجاوزها أو مخالفتها لقواعد التسعير المعتمدة، وإطلاق حملات تفتيش دورية ومفاجئة بالتنسيق مع الجهات الرقابية المختصة، مع نشر تقارير دورية للرأي العام تعزيزًا للشفافية.

أضاف أن ضبط منظومة التسعير في القطاع الطبي الخاص لا يستهدف تقييد الاستثمار، بل يهدف إلى تحقيق التوازن بين حق المنشأة في العمل وفق قواعد اقتصادية عادلة، وحق المواطن في الحصول على خدمة صحية بسعر منضبط وواضح، فالصحة ليست سلعة، تخضع لقواعد السوق وحدها، بل حقا أصيلا يجب أن تحميه الدولة بقوة القانون والرقابة الرشيدة.

وقبل عامين، منح مجلس الوزراء مؤخرا، المستثمرين المصريين أو الأجانب حق إنشاء وإدارة وتشغيل المنشآت الصحية، ومن بينها إدارة المنشآت الصحية القائمة، ضمن مشروع قانون جديد، يتعلق بالتزامات المرافق العامة للمستثمرين المصريين أو الأجانب، سواء كانوا أشخاصاً طبيعيين، أم اعتباريين، في خطوة أثارت جدلا ومخاوف حينها من تسعير الخدمة الطبية.

هل يوجد بديل حكومي؟

كان البديل الذي راهن عليه المواطن هو التأمين الصحي الشامل لمواجهة ارتفاع أسعار المستشفيات الخاصة وضعف الخدمة الطبية في المستشفيات الحكومية، وهو الحل الجذري بحسب المركز المصري للحق في الدواء، باعتباره أداة رئيسية لتقليل الاعتماد على المستشفيات الخاصة، وخلق توازن في السوق الصحي، بما يضمن تقديم خدمة طبية عادلة وميسورة لجميع المواطنين.

يبلغ عدد المستشفيات الكبيرة التابعة لوزارة الصحة فقط 700 مستشفى، بجانب 120 مستشفى جامعيا، ومئات من الوحدات الصحية الصغيرة، بينما يبلغ عدد المستشفيات في القطاع الخاص على مستوى الجمهورية 1130 مستشفى، وفق البيانات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

النائب أحمد فرغلي، عضو مجلس النواب، كشف عن مشكلات عويصة في ذلك الملف، فمريض الأورام والأمراض المناعية، يموت برعاية التأمين الشامل لتأخر أو رفض الموافقات الاستثنائية التي يكتبها أطباء الرعاية للمرضى، وبعد حصول المرضى على الموافقات الاستثنائية، يكتشفوا عدم توافر الدواء بالمستشفيات، وتصبح موافقة مع وقف التنفيذ واستمرار المريض فى معاناته من الألم والمرض.

أضاف أنه عند تحويل مرضى الغسيل الكلوي إلى مستشفيات خاصة لعدم وجود أماكن بمستشفيات هيئة الرعاية، يتم محاسبة المريض على الأدوية التي تصرف على الجلسة؛ نظرا لتعاقد هيئة التأمين الصحي الشامل فقط على تغطية سعر الجلسة فقط.

وكشف النائب عن عجز هيئة التأمين الصحي الشامل عن حل أزمة نقص أسرة العناية المركزة وفشل التعاقد مع بعض المستشفيات الخاصة لتوفير أسرة بها، و عدم توافر أغلب أدوية الأمراض المزمنة أو صرفها بكميات أقل من المقرر للمرضى والمفترض صرفها لمدة شهرين ومطالبة المرضى بالحجز مرة أخرى للحصول على باقي العلاج، وصرف الفلانشات (وصلة معدنية دائرية تُستخدم لربط الأنابيب)، بكمية لا تكفي احتياج المريض، وخاصة مرضى الأورام والأطفال.