يذهب كلود ليفي شتراوس، إلى أن لقاء الرجل والمرأة هو الأرضية، التي التقت عليها الطبيعة والثقافة أول مرة، وفي ذلك اللقاء أبدعت الثقافة لأول مرة فن التمايز. لعب الطابع الاجتماعي للرغبة الجنسية دورا رئيسيا في تشكيل حياة الإنسان وعلاقته مع الآخر وتشكيل ذاته، وتغلب الطابع الاجتماعي على الرغبات والنزعات الطبيعية على مرور تاريخ العلاقة بين الرجل والمرأة، فأنتجا مفاهيم الحياة الواسعة ومعها الثقافة. لكن محاولة عقلنة الرغبة الجنسية وتحريرها من أسرارها الإيروسية العميقة وتحويل تلك الرغبة إلى مادة علمية معملية مع بلوغ الإنسان مراحله الحداثية، كان وعدا بتخليص الإنسان الجنسي من التعاسة الجنسية.. لكن هل تحقق ذلك يوما ما؟

أثيرت مؤخرا دعاوى، تطالب بتقنين العمل الجنسي التجاري تحت مبررات حرية العمل والكسب وحرية العلاقات الطوعية، وتطرقت غالبية المناقشات في جدال واستقطاب يساري- ليبرالي في ثنائيات جدلية من قبيل: أنه عمل مشروع بكامل إرادة النساء وحريتهن في الاختيار؛ أو أنه انحراف رأسمالي ذكوري وتجارة بشعة، تسلّع المرأة وجسدها. لكن قبل تشريح هذه الأزمة في السياق الاجتماعي الطبقي والاقتصادي، نريد أن نفهم الداعي وراء ظهور هذه الدعوات. هل هي قادمة من فراغ؟ هل هي امتداد لاتجاه اجتماعي وثقافي معين؟ هل هي جزء من تيار ما بعد حداثي معولم أم إفراز محلي بحت؟ كيف تظهر هذه الدعاوى بعد أن خطت الإنسانية والمجتمع الدولي خطوات ثورية في حقوق الإنسان والمرأة وتجريم تسليع الجسد سواء في العمل العبودي الشاق أو العمل الجنسي؟ لماذا هذه الارتكاسة؟ وكيف تستمد شرعيتها؟ وهل وراء هذه التجارة سوق خاص للأثرياء أم أنه سوق أوسع من هذه الفئة الضيقة ويراد توسعته؟

يصل رانسيير إلى استنتاج مهم، بأن الديمقراطية اليوم تواجه خصمين؛ الأول واضح وهو حكم التعسف الاستبدادي، لكن الخصم الثاني مرواغ، وهو “الحياة الديمقراطية” التي تقدم نفسها في جانبين: سلطة الشعب المصوت، والإفراط في الفردانية وتحويل الطاقات نحو أوجه الإشباع الفردية. هذا الجانب الأخير هو ما يلخص أزمة الإنسان المعاصر المتوحل حتى أذنيه في مفاهيم ومعايير ما بعد حداثية معولمة. فالإنسان الديمقراطي المطالِب بالحرية هو في الآن ذاته مستهلك شره، يتمادى في طلب اللذة والرفاهية إلى الحد الذي يجعل الأزواج المثليين يتمسكون بحقهم في تكوين أسرة!

أزمة الإنسان الديمقراطي

يساعدنا جاك رانسيير في كتابه الأشهر “كراهية الديمقراطية”، أن نفهم هذه الجدلية المتناقضة، والتي هي في صميم تركيبة “الإنسان الديمقراطي المعاصر. فإذا كانت البرجوزاية استبدلت الحريات العديدة بحرية واحدة لا ترحم، هي حرية التجارة، والمساواة الوحيدة التي تعرفها هي المساواة التجارية التي ترتكز على الاستغلال الوحشي وانعدام المساواة الجوهري بين مقدم الخدمة والزبون؛ فإنه الآن قد وُضع بدل البرجوزاية ذاتا أخرى، هي”الإنسان الديمقراطي” الذي يقع في وهم المساواتية، سواء المساواة الديمقراطية أو مساواة التبادل التجاري المتكافئ. وبالتالي أصبح سهل استغلاله داخل مملكة المساواة. هذا الإنسان ومجتمعاته اليوم تعيش مثل الأمس، ينظمها تلاعب الأوليجاركيات “الأقليات”، وليس هنالك مجتمع ديمقراطي حقيقي، يحيا فيه، وإن كان يحمل زيفا لقب الإنسان الديمقراطي، لكننا نحيا في دول قانون أوليجاركية في أحسن الأحوال التي يمكن أن يصل إليها مجتمع ما.

هذا التمادي يقود إلى تمدد المجتمع إلى حد ابتلاع الدولة بمؤسساتها، لكن هذه المؤسسات بقيت موجودة لتصنع أوليجاركيات جديدة، تحكم المستهلك الضعيف والأناني، كما رآها عزت القمحاوي من نافذة رانسيير.

العلاقات الصافية توجه الإنسان الديمقراطي

يذهب أنتوني جيدنز، إلى أن “العلاقات الصافية/ النقية” أصبحت النموذج المثالي المهيمن للعلاقة بين الرجل والمرأة في مجتمعات الاستهلاك الشره . لذا يتوقع من الجنس أن يستمد مرجعيته وبقاءه من داخله، وألا يُحكم عليه إلا بمقدار الإشباع الذي يحققه بنفسه؛ خلال العلاقات الصافية التي تشير إلى لقاء عابر لا يستهدف إلا اللذة والمتعة بلا روابط مع مخاطبة ذوق المستهلك، يتحول الجنس إلى حدث فيسيولوجي في الجسد، وصار يفيض بآمال ليس بوسعه تحقيقها.

يلاحظ زيجمونت باومان، أن العقلانية الحديثة السائلة توصي بالعباءات الخفيفة، وتكره الأغلفة الفولاذية. فلا تتعلق هذه النزعة الاستهلاكية بالتراكم بل بالاستخدام الواحد لإفساح المجال لاستخدام آخر جديد. إن تحرير الجنس من الالتزام والارتباط تمكّن الممارسة الجنسية من التكيف مع النموذج المتقدم للتسوق/ الاستئجار، وبالتالي، يمكن فهم هذا الجنس الصافي، باعتباره سلعة لها ضمان معتمد، وتستمر ما دام المستهلك يعتقد أنها تحقق إشباعا كافيا.

ما يروج له الآن تاريخي ومشمول بطابع عصره وزمنه؛ فهو ليس تجارة بغاء بالمفهوم التقليدي القديم؛ وإن كانت هذه التجارة الوحشية لم تنتهِ، فهي دائمة بدوام الفقر والتفاوت الطبقي الصارخ، كما أظهرتها فضائح جزيرة إبستين أو منتجعات الشرق الأوسط الفاخرة، ما يطرح اليوم هو تجارة عصرية مستترة خلف أقانيم الحرية والمساواة والحقوق الفردية.

سوق تجاري عصري

من التعميم الخاطئ فهم دعوات  العمل الجنسي التجاري الحالية، على أنها عودة لنموذج الدعارة التقليدي، الذي كان سائدا في حقب الكولونيالية “الاستعمار” وعودة لشروط وأوضاع طبقاته السائدة وقتئذ وإدارات عمله وربحه، فلا يمكن استرجاع هذا الوضع التاريخي بحذافيره، بعد أن تقدم العالم في مسارات الحقوق والمساواة بين الأعراق والجنسين وتجريم هذا التسليع وحماية الطبقات الدونية، التي كانت وقود صناعة الجنس القديمة بشكل رسمي، لكن المراد الآن هو تجارة جنسية استهلاكية عصرية بمفهوم الإنسان الديمقراطي الذي يريد التحرر والفردانية والاستهلاك المطلق. تستفيد وتستغل أدوات التواصل الرقمي الحديث وتطبيقاته الذكية. إنها سوق قائم ونشط على هذا الفضاء الواسع، يتيح مساحة أكبر للحركة والانتقاء والأمان وتبادل الشروط. سوق تُخلى من تعسف النخاسة القديمة، وأصبح قواديه نظاما رقميا افتراضيا، يأخذ نصيبه من ترتيب العلاقات بكل حيادية وعدل ودون ابتزاز الأطراف وتصدير فكرة الحيادية والكرامة لعملائه وأطراف التجارة!

خطورة النموذج الجديد من تجارة الجنس، أنه لا يروج لتجارة تقليدية تعمل في الخفاء والهامش، وتستغلها شبكة تجارة خسيسة، تعمل في الظل الإمبريالي المعاصر- وأن كانت تزال موجودة، وتعمل بلا هوادة– لكن خطورته في الترويج لنمط استهلاكي في العلاقات الجنسية، يجعل من المستهلك زبونا ومقدم خدمة معا، يتمادى في تسليع الجسد ويكتسب شرعية نسوية وحقوقية مستفيدة من تيار معولم، يكتسب قوة يوما بعد يوم في التحرر من القيود والمؤسسات القائمة، لكنه بالأخير يقدم منتجا بالغ الانحطاط.

خاتمة: حل أم مواجهة؟

يتوجب فهم هذا الجنوح والتطرق في دعاوى الجنس التجاري في سياقه الواسع وتياراته الخارجية المتمددة، خاصة عندما توغلت المناقشات والقضايا الهامشية لما بعد حداثية على المشهد الاجتماعي العام عقب إخفاق ثورات الربيع، التي كانت تبحث عن سؤال الحداثة السياسية والاجتماعية والثقافية؛ وغلبة الفكري المعولم على الهوياتي المحلي.

لقد طالب المعالج النفسي الألماني فولكمار زيجوش بإعفاء الجنس من سيادة العقلانية الاستهلاكية، بل نادى بحرمان العقلانية الاستهلاكية من سيادتها الحالية على دوافع سياسة حياة البشر، وبعودة “إيروس” لمكانته الأصلية في علاقات الحميمية بين الرجل والمرأة، بعد أن سطا عليها أخوه الشهواني “أنتيروس”. فإذا كان من الصعب إيجاد حل محلي لأزمة عولمية، فإنه على الأقل لا يجب أن نتخلى عن مقاومة هذا المد الخارجي، وفضح منطقه ووكلائه من طلائع النسوية البرجوزاية المستغربة، وكشف فساد منهجه وأقنعته الحقوقية التي يتستر خلفها.

على جانب آخر، من الضروري أن يقدم  التيار النسوي خطابا نسويا متأصلا بمشكلة المرأة داخل السياق الاجتماعي العام، وليس منعزلا عنه أو فوقه؛ فمعاناة المرأة هي خط ممتد من مجتمع مأزوم في حقوقه وعلاقاته وقهره وفقره وأمراضه؛ كما استنتجها الراحل الدكتور مصطفى حجازي في معادلة بالغة الأهمية: المرأة المقهورة من الذكر هي امتداد حتمي لرجل مقهور من السلطة.

النسوية الهندية الشهيرة “تشاندرا موهانتي” ومعها مواطنتها الباحثة النسوية “أوما ناريان” أكدتا على أن التصورات الماهوية للثقافة، تفرض مشكلات معينة على الأجندة النسوية في العالم الثالث؛ حيث أن النساء لهن هوية جمعية متماسكة داخل الثقافات المختلفة موضع المناقشة، هوية سابقة على الدخول في علاقات اجتماعية؛ فهناك المرأة الهندية والمرأة الإفريقية والمرأة العربية؛ بل ليس هناك مرأة هندية واحدة، فهناك مرأة هندية في ولاية شمالية وأخرى جنوبية؛ وبالتالي فهذه الفئات من النساء يتمتعن بنوع من التماسك الثقافي الواضح. وعليه فالحديث لا يجب أن يتوجه إلى نموذج ماهوي عالمي للمرأة؛ فاستنساخ نموذج غربي لتطبيقه على مجتمع غير غربي، يصبح مشروعا مصدقا على فروض استشكالية واستعمارية.