لقد خسرت أمريكا العالم العربي، هكذا عنونت دورية “فورين أفيرز” الشهيرة تقريرها المستند على استطلاع واسع للرأي العام العربي في مصر، والعراق والأردن ولبنان والمغرب والأراضي الفلسطينية وسوريا وتونس.
الاستطلاع المنتهي قبل انطلاق العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، رصد تأثر “كل شخص” في المنطقة، بسلسلة الأحداث ـ تعبير مهذب استخدمته الفورين أفيرز عن الإبادة الجماعية وحروب التجويع والاغتصابات وقتل الصحفيين والطواقم الطبيةــ التي أعقبت “هجوم” حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023.
الاستطلاع الذي تم بمشاركة مؤسسة “الباروميتر العربي” وأقيمت فعالية خاصة لإطلاق نتائجه في 31 مارس 2026، وشارك في تنظيمها مركز مدرسة الشؤون العامة والدولية بجامعة برنستون في واشنطن، والباروميتر العربي، ومعهد نيولاينز وجامعة ميتشجن.
الاستطلاع خلص إلى أن “الناس العاديين” الذين تابعوا الحرب الإسرائيلية “المدمرة” على غزة، ازداد سخطهم بشدة ضد إسرائيل ولمستويات عالية للغاية، وكذلك تنامى غضبهم إزاء حليف إسرائيل الأكبر، الولايات المتحدة.
وأكدت الاستطلاعات التي أجريت خلال الفترة من أغسطس إلى نوفمبر 2025— بعد الحرب ضد إيران التي استمرت 12 يوما في يونيو الماضي، وقبل جولة القتال الأخيرة مع إيران أن تغيرات ما بعد أحداث 7 أكتوبر لا تزال مستمرة، وأن الجمهور العربي فقدوا تقريبا كل ثقتهم في النظام الإقليمي الذي ترعاه الولايات المتحدة، وباتوا ينظرون الآن إلى الصين وإيران وروسيا بشكل أفضل من الولايات المتحدة وأوروبا أكثر من أي وقت مضى.
الرأي العام العربي بات مقتنعاــ حسبما كشفت الاستطلاعاتــ أن الغرب “الولايات المتحدة وحلفاؤها ” انتقائيون فيما يتعلق بالقانون الدولي، وأحاديون في انحيازتهم.
أحد المفارقات كانت عندما أجاب المستطلع رأيهم عن سؤال “أي دولة تحمي الحريات، وتساهم في الأمن الإقليمي، وتدعم القضية الفلسطينية؟” مفضلين إيران وروسيا والصين عن الولايات المتحدة وأوروبا.
وترى فورين أفيرز اتكاء على نتائج الاستطلاع، أنه إذا استمرت واشنطن وعواصم أوروبا في فقدان تأييد شعوب المنطقة، فقد تتغير علاقاتها مع الحكومات أيضا.
وتفسر ذلك بأن معظم القادة العرب لا يزالون قلقين من احتمال الاحتجاجات الجماهيرية، وبالتالي، مقيدين بالرأي العام لشعوبهم، ما يجعل العمل مع الولايات المتحدة علنا مخاطرة متزايدة.
وتنصح الصحيفة المرموقة الإدارة الأمريكية في حال ما كانت راغبة بالاحتفاظ بشركائها العرب، أن تجد نهاية سريعة للحرب في إيرانــ وهو ما تحقق جزئيا عبر الهدنةــ وأن تعمل نحو حل عادل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. وإلا فإن الولايات المتحدة تخاطر بالتنازل الدائم عن العالم العربي لخصومها.
القضايا والمخاوف والسيناريوهات التي طرحها الاستطلاع، شغلت مساحة معتبرة من نقاشات الفعالية السابق ذكرها، والتي أقيمت بمناسبة إطلاق استطلاعات الدورة التاسعة للبارومتر العربي من واشنطن.
تحدث في الفعالية د. أماني جمال عميدة مدرسة الشؤون العامة والدولية، جامعة برنستون د. خليل الشقاقي مدير، المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحيّة، والأمريكيان روبرت مالي “قانوني وسياسي” ومايكل روبنز “رجل أعمال وسياسي”، وأدارت الجلسة الإعلامية راضية إقبال.
تناول المتحدثون قضيتين رئيسيتين: الرأي العام الفلسطيني بعد عامين على الحرب ضد غزة، وتحوّل الآراء الإقليمية وتنافس القوى الكبرى في خضم النزاع المتصاعد.
أبرز النقاش ملامح جديدة للمشهد يمكن إجمالها في:
تآكل الشرعية الغربية: زاد إقبال الرأي العام بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على اعتبار الولايات المتحدة الأمريكية والحلفاء الأوروبيين الأساسيين ــ بريطانيا وفرنسا ــ قوى منحازة إلى جانب واحد وانتقائية في التزامها بالقانون الدولي، ما ساهم في فقدان أوسع للمصداقية.
تزايد القبول بالقوى البديلة: اكتسبت الصين وروسيا وإيران مشروعية إضافية في تقدير شعوب المنطقة، وإن كانت مواقف الرأي العام العربي لا تعبّر عن دعم موحّد لها؛ فلدى الناس تحفظات حول دور إيران الإقليمي وطموحها النووي، في حين لم تحز روسيا والصين على تفضيل الجميع.
غزة هي العامل المُحدِد: كانت الحرب في غزة عاملا محدِدا في تشكيل الآراء السياسية عبر المنطقة؛ فالكثير من العرب يعتبرون احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية وتصرفاتها في غزة تهديدًا أكبر من إيران.
هذا الاعتبار شكّل حُكم الناس على الأطراف الخارجية، وعزز تصنيفات الرأي العام المتدنية للأطراف الغربية المنحازة لإسرائيل.
أزمة مصداقية في الالتزام بالمبادئ الأساسية: يرى الرأي العام العربي على نطاق واسع وجود إخفاق في السياسات الغربية على عدّة جبهات، من حماية القانون الدولي إلى حماية الحقوق والحريات والإسهام في الأمن الإقليمي ودعم القضية الفلسطينية.
ودفعت تصورات الرأي العام عن عدم اتساق السياسات الغربية أكثر باتجاه فقدان الشرعية، مع التعجيل بتحوّل كبير في المصداقية السياسية.
التطبيع المشروط ومسارات التعامل: ما زالت مستويات دعم التطبيع مع إسرائيل منخفضة عبر المنطقة، لكنها تزيد بشكل ملحوظ حال ربط التطبيع بالاعتراف بالدولة الفلسطينية.
في الوقت نفسه، أظهرت شعوب المنطقة دعمًا قويًا لحل الدولتين ودعمًا كبيرًا للغاية لجهود إعادة إعمار غزة، ما يسلّط الضوء على الانفتاح على التعامل مع إسرائيل، في حال جرى الاعتراف بالدولة الفلسطينية وأُنجزت أعمال التعافي من آثار الحرب.
السياسات المتّبعة لها أثر مهم، حيث تعافت مستويات تفضيل الرأي العام العربي لفرنسا بعد اعترافها رسميًا بالدولة الفلسطينية، أي أنه حتى التغيرات في السياسات رمزية الطابع والقائمة على المبادئ، قد تؤدي إلى تحسّن ملحوظ في تصورات الرأي العام، وتساعد على استرداد المصداقية.
تغيّر التصورات لدى الرأي العام بناء على اختيارات السياسات: التآكل الشديد في ثقة الرأي العام العربي بالأطراف الغربية، سيجعل عملية إعادة بناء الشرعية، يتطلب تغيرات ذات مصداقية في السياسات إزاء المنطقة، بالشكل المؤدي إلى الالتزام بالمبادئ الأساسية من قبيل القانون الدولي والحريات وتحقيق الأمن.
الرأي العام الفلسطيني بعد عامين على حرب غزة:
بالانتقال إلى الرأي العام الفلسطيني تحديدا، يمكننا رصد النقاط التالية:
بين المبدأ والبراجماتية: رغم اتساع نطاق الحرب، أظهر الرأي العام الفلسطيني تحركًا نحو اتخاذ المواقف الأكثر براجماتية، بما يشمل تزايد دعم حل الدولتين، والانفتاح على التطبيع شرط نهوض دولة فلسطينية وتوفر ضمانات قوية لحفظ الكرامة والحقوق.
تباين التجارب وتشارك الأهداف الوطنية: تعرض سكان كل من غزة والضفة الغربية لسيناريوهين مختلفين تمامًا للحرب، ما يعني تطور توجهات سياسية مختلفة هنا وهناك، وعلى القيادة الفلسطينية أن توفّق بين هذه الرؤى المختلفة.
أهالي غزة قد أظهروا قدرًا أكبر من التقبل للحلول الوسط، مع تمسّك أهالي الضفة الغربية بمواقف أكثر تشددًا، لكن يبقى الاتفاق بين الطرفين على القضايا الأساسية، وتشمل معارضة الاحتلال ودعم الدولة الفلسطينية.
بين الأولويات الداخلية وتسوية النزاع: في حين يبقى النزاع مركزيًا في تقدير الرأي العام الفلسطيني، فإن تحديات الاقتصاد– من توفير الوظائف والأمن الغذائي والخدمات الأساسية– تهيمن بشكل متزايد على اهتمامات الرأي العام، ما يضع ضغوطًا على القيادة؛ لكي تعمل على تحسين الظروف المادية بغض النظر عن تحقيقها لأي تقدم نوعي في الملفات السياسية.
أزمة الحُكم والمطالبة بالبدائل: الدعم السياسي متشظي، مع انهيار دعم الرأي العام لفتح واحتفاظ حماس بقواعدها، وسيطرة مشاعر الاغتراب السياسي على الموقف، في الوقت نفسه، يبحث الرأي العام بوضوح عن قيادة جديدة قادرة على تجاوز حدود السلطة الفلسطينية وحماس، مع تزايد الإجماع على مروان البرغوثي القيادي المسجون لفتح كقائد جديد لفلسطين.
النتائج التي وصلت إليها مؤسسة الباروميتر العربي، واعتمدتها فورين أفيرز اعتمدت على ثمانية استطلاعات رأي، أجريت عبر عدد من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في سياق الدورة التاسعة للباروميتر العربي (2025)، بالاعتماد على أكثر من عشرة آلاف مقابلة تمت وجهًا لوجه.






