لم يكن في مخيلتي أن تكون هناك كل هذه المجافاة في المبادئ والقيم الإنسانية على أقل تقدير، إذ كيف يكون لدى أحد القدرة أو الجراءة، لأن يترك إحدى السيدات في مهب الريح، وهي تبحث عن مكان لمبيتها كمغتربة في محافظة إقليمية، ولا يكفي في الأساس تكون لدى إدارة أي أماكن للإقامة “فنادق أو نُزل أو أي مسمى كانت عليه” تعليمات بمنع إقامة السيدات بمفردهن داخل ذلك المكان التجاري المعد لهذا الغرض من الأساس، حيث لا يختلف اثنان على أن تلك البنايات على اختلاف مسمياتها، إنما هي أماكن تجارية أعدت لغرض التسكين المؤقت، بغض النظر عن نوعية النزيل “ذكر أم أنثى”، ما دامت هناك قواعد أخرى، تسمح لعدم الاختلاط المتخوف منه، إن كان ذلك هو الغرض من المنع، فإن هناك العديد من السبل تحول دون ذلك، وليس من بينها منع إقامة سيدة بمفردها.

أذكر في إحدى مرات سفري الداخلي، كنت بصحبة إحدى الزميلات في زيارة لمدينة العريش، وليس أمامنا سوى المبيت في إحدى تلك الفنادق الصغيرة الموجودة، وكان تصرف الإدارة في منتهى الرقي، فقد قاموا بتسكيني في طابق، وتسكين الزميلة في طابق أعلى دورين، وهذا يعد من وجهة نظرهم من قبيل الإجراءات الاحترازية المتوافقة مع القواعد الشرعية أو التقاليد والأعراف، بحسب ما يتفق مع قناعة أي مكان، ولكن في نهاية المطاف كانت هناك ليونة ويسر في التعامل.

لكن ما سمعته من منع إحدى السيدات، على الرغم من كونها صحفية، قد يتطلب مهام عملها التنقل والسفر، وكذلك الإقامة لأيام خارج منزلها، ولحظها، أو لسوء تقدير إدارة الفندق الكائن بمحافظة بورسعيد، امتنع عن حجز غرفة لها على زعم أنها منفردة، وأن إدارة الفندق تمنع ذلك، على الرغم من كون السيدة تبدو من الوهلة الأولى، أنها ليست حديثة السن أو مراهقة، على الرغم من وهن تلك الأحاجيج.

لكن ما أعجبني في تلك الحكاية السيئة هو تمسكها بحقها، إلى أن وصل الأمر إلى القضاء في الجنحة رقم 332 لسنة 2026 جنح شرق بور سعيد، إلا أن قضاء هذه المحكمة الجزئية، والذي لم يصبح نهائيا حتى الآن قد قضى بجلسة 10 مارس الماضي ببراءة المتهم من الاتهام المسند إليه والمؤسس على نص المادة 161 مكرر من قانون العقوبات، وهو النص الذي يجرم التمييز؛ بسبب الأصل أو اللغة أو الجنس، وتعتبر أن إتيان مثل هذه الأفعال يستوجب العقاب الجنائي، متى أدى ذلك الفعل إلى إهدار مبدأ تكافؤ الفرص، إلا أن المحكمة قد أسست حكمها بالبراءة على انتفاء القصد الجنائي، على أساس أن ذلك من قبيل تنظيم القواعد الداخلية للفندق، ولم يكن في قصد المتهم أي إضرار بالسيدة، أو القيام بعمل تمييزي، وهو ما يعد بشكل رئيسي متناقضًا مع نص المادة، حتى ولو كان في صورة قواعد داخلية، حيث أنها لا ترقى إلى مرتبة النص العقابي، ولا يمكن أن تهدر من قوته أو تقلل من قيمته وآثاره.

وأعجبني موقف النيابة العامة التي استجابت إلى الطلب المقدم باستئناف الحكم، والمقدم من “مؤسسة المرأة الجديدة”، وقد تحدد لنظر جلسة الاستئناف جلسة 27 من إبريل الجاري، وهو ما يؤكد عن إيمان النيابة العامة بصحة موقف السيدة، وعن خطأ إدارة الفندق، وعن مخالفته لصحيح فهم القانون أو الدستور.

الأهم في هذه الواقعة الكاشفة لسوء فهم بعض الإدارات أو الأماكن لمفهوم المساواة، ومحاولتها تجميل صورة التمييز المؤسس منها على نوعية الجنس، وأنها لا تستطيع الإقامة بمفردها، فهل لم يعي القائمون على إدارة مثل هذه الاماكن خطورة ترك سيدة دون مأوى، ولو لساعات قليلة في الليل، فعلى أقل تقدير يكن لديهم بعض الفهم والإدراك ما بين منع إقامتها بمفردها أو تركها للشارع ليلاً، حتى ولو تحججنا باللوائح الداخلية أو قواعد تنظيم العمل، فإن خطورة الموقف وترك السيدة بمفردها أدعى للخطر من كل تلك القواعد، حتى إن القواعد الدينية لا تسمح بترك سيدة دون مأوى، ولو لساعات تحت أي مبرر.

هذه الواقعة، على الرغم من كونها لم تزل منظورة أمام القضاء، إلا أنها كاشفة بذاتها عن مساوئ عديدة في نمط التعامل في الشارع المصري، يقتضي مجابهته حماية للأطراف المتضررة منه، كما أنه قد لا يكون هو التصرف الأوحد، أو لا تكون إدارة الفندق هي الجهة الوحيدة التي تقوم بمثل هذه التصرفات المبنية بشكل رئيسي على فهم تمييزي، يتناقض مع قواعد المساواة وتكافؤ الفرص، وهي قواعد دستورية أجدر بالحماية من أي نصوص أقل قيمة منها، حتى ولو في حالة غياب نص المادة 161 مكرر من قانون العقوبات، وهو النص المستحدث، إلا أن القواعد الدستورية منذ أزمان طويلة تمنع ذلك، وقد أكدت على ذلك وبشدة المحكمة الدستورية العليا في حكمها الصادر الأسبوع الماضي بعد دستورية قرار وزير الزراعة رقم 1432 لسنة 1991، لكون هذا القرار يدعم فكرة التمييز بين النساء والرجال، وقد جاء في ذلك الحكم، أن الدستور ضمن للمرأة حقوقها، فألزم الدولة بكفالة التوفيق بين واجبات المرأة نحو أسرتها وعملها في المجتمع، ومساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية؛ إذ حظر الدستور التمييز بين الرجل والمرأة في مجال حقوقهما وحرياتهما على أساس الجنس.

وبعيدًا عن القوانين والمحاكم، فإن الأمر يحتاج المزيد من الدعم المجتمعي الداعي إلى نبذ الافكار التمييزية، واحترام قيم المساواة وتكافؤ الفرص، والحث على احترام حقوق المرأة بشكل أساسي، وإن كان هناك دور واجب لتحقيق هذا المبدأ وتغيير المفهوم المجتمعي تجاهه، فإن أول خطوات هذا الدور تبدأ من مؤسسة الأزهر، بحسب قيمتها ودورها المجتمعي، ومدى احترم الناس لها وانصياعهم لأحكامها ومبادئها وقيمها، ذلك بخلاف أدوار متوازية لمؤسسات حكومية أو هيئات مجتمعية وجمعيات أهلية؛ لنبذ تلك الأفكار والحفاظ على قيم ومبادئ المساواة وعدم التمييز، ودعم حقوق المرأة في مثل هذه المجالات.