ظهر مصطلح “الأخونة” مع وصول “جماعة الإخوان المسلمين” إلى السلطة في مصر، مرتبطًا بسجال سياسي حول سعيها إلى تمكين أعضائها من مفاصل الدولة والخدمة المدنية، ولا يزال هذا الاصطلاح يحضر في أي حديث عن السنوات الثلاث التي أعقبت قيام ثورة يناير 2011 في مصر، وحتى بعد إطاحة حكم الجماعة في 3 يوليو 2013.

ودار هذا السجال عمومًا في حيز الإجابات على أسئلة من قبيل: ما هو تعريف الأخونة؟ وهل هي مجرد اتهام من خصوم الإخوان، أم أنها واقع لا يمكن إنكاره؟ وما هي الإجراءات، التي اتخذتها الجماعة في تنفيذ مشروعها السياسي والاجتماعي عقب توليها الحكم؟ وما الاصطلاح الذي يمكن أن يعبر عن حقيقته؟ وكيف كان هذا المشروع سيمضي في طريقه، لو استمر الإخوان في حيازة السلطة السياسية؟ وما هي العقبات التي اعترضت مسارهم؟ وما هي مآلات مشروعهم بعد إسقاط حكمهم في مصر وتونس؟ وهل هناك تشابه بين تجربتيه في كلتيهما، باعتبارهما البلدين اللذين وصل فيهما الإسلاميون إلى الحكم؟

وانحصر هذا السجال والجدال أساسًا بين فريقين، الأول يضم خصوم الجماعة، ويعتبر “الأخونة” خطة أو استراتيجية ناعمة، كانت ترمي إلى إحكام السيطرة على مؤسسات الدولة، من خلال تولي منتمين للإخوان المناصب العامة الأساسية، وأنها تعتمد على الولاء التنظيمي، وليس الكفاءة أو الجدارة المهنية، وكذلك السيطرة على “المجال العام”، ما يعني أن تفرض على الناس تباعًا قيم الجماعة، وتصوراتها الفكرية، وألوان من تصرفاتها؟ أو حتى ينفتح بوجودها في الحكم باب مسايرتها من قبل كثيرين، كما جرت العادة في موقف الناس من السلطان.

وحوَّل هؤلاء اصطلاح الأخونة وقتها من مجرد جدل فكري وسياسي إلى اتهام، قام على تهديد بنشر قوائم، تضم أسماء آلاف أشخاص، قيل إنهم ينتمون لجماعة الإخوان، وتم تعيينهم لشغل مناصب متقدمة داخل الجهاز الإداري للدولة، ما كان يعني نقل السجال من الحيز السياسي والإعلامي إلى الحيز القانوني، حيث القوانين واللوائح المرتبطة بصلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، في اختيار من يتولون المناصب الكبرى العامة، وصلاحيات الوزراء في تعيين وكلائهم، ثم رؤساء مجالس إدارات الشركات، ورؤساء القطاعات، والمديرون العموم.

وفحص تفاصيل هذا السجال، تبين أنه قد أفرز مخاوف مرتبطة بما سمي “الأخونة” وقتها، دارت حول خمسة أمور هي:

1 ـ مدى تأثر النهج الديمقراطي بسيطرة جماعة عقائدية أو أيديولوجية على الجهاز الإداري للدولة، في وقت هي معنية بالطبع، بالتخطيط للبقاء في الحكم، ما قد يؤثر سلبًا على التعددية السياسية، وانتشار ركائز القوة المادية والمعنوية، وتداول السلطة، فضلًا عن أن “النظم الديمقراطية تميز بين الجهاز الحكومي، أي الجهاز المسؤول عن رسم وتنفيذ السياسات، والذي يمكن أن يكون قابلًا للتغيير بتغير النخبة السياسية، وبين الجهاز الإداري، أي الجهاز المسؤول عن تسيير المؤسسات التي تقوم بتنفيذ تلك السياسات، وهو جهاز يتعين أن يكون على أعلى درجة من الكفاءة الفنية، وأن تتوافر له كل المقومات التي تضمن له الاستقرار والاستمرار والقدرة على القيام بالوظائف وتقديم الخدمات العامة، أيا كان الانتماء الأيديولوجي للقائمين عليه.” وفق ما يراه د. حسن نافعة.

فمن المعروف تاريخيًا، أن نظم الحكم غير الديمقراطية، فاشية أو شمولية، بأحزابها العقائدية أحادية الرؤية والتفكير، عمدت إلى السيطرة على السلطة وتمكين المنتمين لها من إدارة الدولة، حتى لو كانت تتحدث عن الديمقراطية، من باب الدعاية، دون أن تلتزم بقيمة التعددية والتنوع، التي تفضي إلى حرص على حياد ومهنية الجهاز الإداري للدولة، وتضمن لجميع المواطنين حرية وحق الالتحاق به، والترقي أو الترفيع في سُلمه الوظيفي، وفقًا لمعايير الكفاءة المهنية أو العلمية وحدها، دون تفرقة أو تمييز.

2 ـ الآثار السلبية التي تطال “المصلحة العامة” إثر تطبيق “الأخونة”، باعتبارها هنا أقرب إلى “الفساد الإداري”، الذي يحرم أصحاب الكفاءة والجدارة من تولي المناصب لحساب الموالين للإخوان.

3 ـ عدم ملاءمة هذا الأسلوب لمتطلبات ومقتضيات مرحلة ما بعد الثورات، حيث يجب أن يتم تأسيس قواعد إدارة اللعبة السياسية في نظام جديد، يعتمد على التوافق، والتسوية السلمية للخلاف والاختلاف، خاصة أن كثيرين كانوا يرون أن جماعة الإخوان مثل غيرها من القوى السياسية، التي برزت عقب الثورتين المصرية والتونسية، تفتقد إلى خبرة سياسية كافية تؤهلها لقيادة دولة، أو حتى إدارة مرحلة انتقالية بكفاءة واقتدار.

4 ـ الخوف من تسييس المؤسسات الرئيسية في الدولة كالجيش وأجهزة الأمن والقضاء، وهي التي لا تستطيع ممارسة عملها بكفاءة إلا إذا كانت محايدة وبعيدة تمامًا عن التأثر بالأوضاع السياسية المتقلبة أو المتغيرة، بما يساعد على تفادي أي خطر يحدق باستقرار الدولة، واستتباب أمورها.

5 ـ عدم اقتصار ما سميت بـ”الأخونة” على أن تكون مجرد عملية إحلال وإبدال في الجهاز الإداري للدولة، إنما مسار للهيمنة على المجتمع، من خلال فرض نمط قيمي وسلوكي يتماشى مع أيديولوجية الجماعة.

وقد تجلى هذا، إلى حد ظاهر في الثقافة، حيث سعت الجماعة إلى وضع يدها على مصادر الثقافة الرسمية ومنابتها، والتنكر التدريجي لذاكرة التحديث المدني سواء بأفكارها أو رموزها وشخوصها. ورأينا هذا أيضًا في المجال “العدلي”، حيث طرحت الجماعة فكرة إطلاق هيئات ومجالس موازية للتقاضي بين الناس، ودار وقت حكمها سجال حول أحقيتها في هذا الطرح، ومدى الآثار غير الطيبة المترتبة على الافتئات على المؤسسات والهياكل ومنظومة القوانين القائمة بالفعل.

بل صعدت وقتها مخاوف إلى ما هو أبعد من هذا. فأيام حكم الرئيس محمد مرسي، وفي حوار مع صحيفة الوطن المصرية نشر في ١٧ يونيو ٢٠١٣ قال الدكتور خالد فهمي، أستاذ ورئيس قسم التاريخ بالجامعة الأمريكية، إن لديه مخاوف من أن يعبث تنظيم الإخوان، الذي رآه لا يحمل احترامًا كبيرًا للوثائق والآثار والتاريخ، بمخطوطات التاريخ والشريعة الإسلامية، التي لا تتفق مع منهجهم، فضلًا عن مصلحتهم في اختفاء الوثائق التي تخص تاريخ التنظيم، الذي لم يعترف أبناؤه حتى الآن بأخطائهم في الماضي، ولم يعتذروا عنها.

أما الفريق الثاني، الذي ينفي مسار “الأخونة” فيتمثل ابتداء في الجماعة نفسها، ومن تحالفوا معها من الجماعات السياسية الإسلامية، حيث يرون أن الاصطلاح ينطوي على مبالغة، وهو جزء من الحملة الإعلامية لمناهضي الإخوان، وأن الجماعة لم تتخل عن المبدأ الذي كانت ترفعه قبل الثورة وبعدها مباشرة، وهو “مشاركة لا مغالبة”، وأن حديث “الأخونة” ما هو إلا “أوهام في عقول وقلوب مصابة بلوثة العداء المرضى للإخوان، وأنه قد تم صكه خصيصًا لخلق فزاعة، يمكن استخدامها لإخافة المواطنين وتأليبهم ضد المشروع الإسلامي.

وتنفي جماعة الإخوان دومًا اتهامها بالسعي إلى “أخونة” السلطة والمجال العام، بغية السيطرة التامة على الدولة والمجتمع، لكن ما يؤمن به قادتها من أفكار وتصورات موجودة في رسائل مؤسس الجماعة حسن البنا، في حديثه عن “تكوين المجتمع المسلم” على يد الجماعة، حيث خاطب أتباعه ذات يوم قائلًا: “أيها الإخوان المسلمون، وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم.. إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده، ولست مخالفًا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع، بأنها أسلم طريق للوصول… ترقبوا ساعة النصر، وما هي منكم ببعيد. إن التجارب في الماضي والحاضر قد أثبتت أنه لا خير إلا في طريقكم، ولا إنتاج إلا مع خطتكم، ولا صوابَ إلا فيما تعملون”. كما ظهرت ملامح الأخونة في كتب المنظر المهم للجماعة سيد قطب، في تناوله لـ “العصبة المؤمنة”.

معنى هذا، أن الأخونة، من ناحية التأصيل الفكري، لم تكن كلمة معلقة في الفراغ، وليست تجنيًا تامًا على الجماعة من قبل خصومها في السياسة والفكر، إنما هي مشروع قائم، لم تكتمل ملامحه، ولم تتح له فرصة للوجود في الواقع، وتمسك الإخوان به يبدو بمنزلة واجب على كل من صار عضوًا عاملًا في الجماعة، أو منتسبًا لها.

لكن الجماعة ترى أنها من الناحية العملية أو التطبيقية، لم تسع إلى الاستحواذ على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتقدم دليلها على هذا في تكوينها تحالفًا انتخابيًا، ضم عددًا من الأحزاب والشخصيات المدنية، يسارية وليبرالية، وأن بعض هؤلاء قد نجحوا بالفعل على قوائم الإخوان. كما عين الرئيس مرسي عددًا من مساعدين ومستشارين لا ينتمون إلى الإخوان، وعرض على حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح، الخارج على الجماعة، أن يكونا نائبين له، لكنهما رفضا. وكذلك جاء تشكيل بعض المجالس المهمة؛ ليضم بعض من لا ينتمون للجماعة، مثل المجلس القومي لحقوق الإنسان، والمجلس الأعلى للصحافة، وكان لغير الإخوان تمثيل أيضا في اللجنة، التي عكفت على وضع دستور 2012.

لكن الوقع يبين أنه في الوقت الذي كانت فيه جماعة الإخوان تنفي سعيها إلى إحكام قبضتها على مفاصل الدولة المصرية، كشفت التعيينات التي أجراها الرئيس مرسي، منذ دخوله قصر الاتحادية، عن أن الجماعة بدأت تفسح الطريق أمام عناصرها لاحتلال المناصب الحساسة والمؤثرة في صناعة القرار والسياسة العامة للدولة. كما عملت الجماعة على صناعة هيكل موازٍ مواليًا لها من خلال وضع رجالها في مناصب مستشارين بالوزارات كافة، متذرعة بأن هؤلاء لا يتلقون مقابلا لعملهم، لكن ظهرت شكاوى في العديد من الوزارات، بأن هؤلاء المستشارين يحكمون قبضتهم تدريجيًا على تسيير العمل.

وكشفت كثير من هذه التعيينات، عن أن ارتقاء منصب رفيع، أو وظيفة ذات امتيازات ليس مشروطًا فقط، بالعضوية في تنظيم الجماعة، أو في حزب الحرية والعدالة، لكن بعلاقات النسب والمصاهرة ومصالح العمل بين الرجال الأقوياء الفاعلين في الجماعة، وعلى رأسهم نائب المرشد العام، المهندس خيرت الشاطر، الذي استأثر بنصيب الأسد، في حجم المناصب، وراح يوزعها كيفما شاء، دون أي اعتبار للكفاءة المهنية، والخبرة العملية. وترددت أنباء وقتها، لم ينفها الإخوان بشكل قاطع، عن تدخل مكتب الإرشاد في قرارات الرئاسة.

والسؤال، هل هناك قوى سياسية من خارج الإخوان، لم يكن لديها مشكلة مع هذا الاتجاه؟ وأي اعتبارات لم تراعها في موقفها هذا؟ وما وضع هذا الاتجاه في ميزان الشريعة؟ هذا موضوع الجزء الثاني من هذه المقالة، تنشر الأسبوع المقبل إن شاء الله.