لا تزال تداعيات الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران حاضرة –وإن بشكل استثنائي- في مساعي مصر المستمرة في الأعوام الأخيرة لاسترداد زمام المبادرة في مقاربة العديد من الأزمات والقضايا في دوائر أمنها القومي المتعددة، وربما المتشابكة على نحو غير مسبوق منذ حرب أكتوبر 1973.
وتمثل دائرة الأمن في البحر الأحمر إحدى هذه الدوائر التي تشهد توترًا محتدمًا، في ضوء تصاعد الاستقطابات التقليدية مثل: التغلغل الإسرائيلي في صوماليلاند وإثيوبيا؛ ومساعي الأخيرة البناء على الفوضى الراهنة لتحقيق مكتسبات استراتيجية على حساب دول جوارها؛ وسعي إيران لتأمين وجود مستدام لها وحماية مصالحها في البحر الأحمر؛ وكذلك الاستقطابات المستحدثة نسبيًا مثل تراجع أفكار الوجود الصيني- الأمريكي المشترك في القرن الإفريقي والبحر الأحمر (وفق مبادئ تفاهم متفق عليها في العقود الأخيرة بعد خروج الفرنسيين من قاعدة كامب ليمونيه في جيبوتي وتحولها لقاعدة أمريكية في العام 2002) إلى مواجهة أكثر انكشافًا، لا سيما من قبل الصين؛ واستعداد الهند للعب دور أكبر في ترتيبات الأمن في القرن الإفريقي.
هذا إلى جانب ما يلوح في الأفق من احتمالات تبني الإمارات سياسات مضادة للتحرك المصري (والسعودي) في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وعلى هذا النحو يمكن تلمس أهم هذه التهديدات في دوائر الأمن القومي المصري.
إسرائيل في صوماليلاند وإثيوبيا: أمن البحر الأحمر على المحك
ليس مباغتًا ما كشفت عنه بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية (14 إبريل) عن وقوع صوماليلاند وإثيوبيا سواء عند حصولها على منفذ على البحر الأحمر أم كلاعب مستدام في دعمه لإسرائيل في القرن الإفريقي في قلب رؤية إسرائيل لنفسها كدولة “كبرى” وفق الأدبيات الدينية، أو حسب مبدأ نتنياهو في الهيمنة الإقليمية.
وبين ذلك مشاريع تسعى لربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط بسلسلة من الممرات البحرية والبرية والسكك الحديدية، بحيث تكون صوماليلاند نقطة ارتكاز رئيسة في هذه الرؤية بالتوازي مع ميناء أشدود في دولة الاحتلال الإسرائيلي على البحر المتوسط وإيلات على البحر الأحمر، وأُطلق على ميناء بربرة في صوماليلاند والمشروع القائم عليه “مشروع السويس البديل” Alternative Suez Project.
وبغض النظر عن تفاصيل هذه الأفكار والفصل في جدواها الاقتصادية وغاياتها السياسية (وربما الدعائية)، فإن التغلغل الإسرائيلي في صوماليلاند، والذي يرتبط عضويًا بإثيوبيا ومشروعاتها التوسعية في دول الجوار، يهدد على المدى المنظور دائرة أمن البحر الأحمر المصرية، لا سيما أن الخطط الإسرائيلية تتضمن إقامة ممر بحري بين ميناء بربرة إلى ميناء إيلات في شمال البحر الأحمر لخدمة تجارة إسرائيل تكريسًا– على المدى المتوسط ربما- لفكرة استقطاع جزء كبير من التجارة الدولية المارة بقناة السويس لصالح الممر الإسرائيلي مع صوماليلاند.
ولا شك أن القاهرة تدرك خطورة هذا التوجه منذ سنوات، لكن الحماسة التي تتحرك بها حكومة نتنياهو في الإقليم تكشف عن تهديدات آنية هذه المرة، وتتطلب حركة أسرع لمواجهتها بالتوازي مع جهود مصر في الحيلولة دون فتح جبهة جديدة للحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران في جنوب البحر الأحمر.
إثيوبيا والوصول للبحر الأحمر: تفكيك الترتيبات التقليدية
يتكرر بين حين وآخر، واتساقًا مع ولع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد “بالمشروعات الكبيرة” مثل أكبر مطار في إفريقيا ومفاعل للطاقة النووية وغير ذلك، حديث أديس أبابا ومسئوليها عن ضرورة الحصول على منفذ بحري.
ورغم اختلاف الصيغ، بين الدعوة لاحتلال إحدى المواني في إريتريا أو غيرها بالقوة العسكرية أو تأجير ميناء وفق شروط حسن الجوار، يظل مسعى إثيوبيا محل مخاوف كبيرة من إريتريا على وجه التحديد، والتي اتهمت إثيوبيا مرارًا “بتبني اجندة حرب ممتدة، بهدف الاستيلاء على الموانئ الإريترية على البحر الأحمر”، ومن المتوقع أن يزداد هذا النهج الإثيوبي عدائية بعد الانتخابات الإثيوبية المقبلة مطلع يونيو القادم.
وقد نفت مصر في فبراير الماضي (وقبل وقوع الحرب على إيران بنحو أسبوع واحد فقط) تقارير، تتحدث عن “مقايضة” ملف سد النهضة بقبول وصول إثيوبيا لمنفذ بحري.
ومع تداعيات الحرب الحالية، وبناء تحالف إثيوبي- إماراتي- إسرائيلي واضح الملامح (في البحر الأحمر) بشكل غير مسبوق، فإن الجهد الإثيوبي اكتسب زخمًا جديدًا بالنظر إلى عاملين رئيسيين: جموح إماراتي متوقع لتعويض خسائر الإمارات الهائلة في مكانتها السياسية والاقتصادية إقليميًا على الأقل في الآونة الأخيرة، وهنا ستكون البوابة الواسعة لأبوظبي للقيام بذلك البحر الأحمر والقرن الإفريقي، واستئناف أنشطتها في المنطقة بمستويات متسارعة؛ لتحقيق مكاسب تعوض الخسائر.
إضافة إلى رغبة إسرائيلية قوية في تحقيق انتصار خاطف؛ لتمكين إثيوبيا من تحقيق حلمها المؤجل، ومن ثم إحداث تغيير جيو استراتيجي حاد في الإقليم، يعيد إلى الأذهان أجواء الحروب الإقليمية بامتياز.
الصين والبحر الأحمر: تغيير قواعد الاشتباك
ومن أهم العوامل التي تؤثر إيجابًا في موقف مصر من التوترات في البحر الأحمر موقف الصين الداعم بقوة؛ للحفاظ على الترتيبات القائمة، والتي تحظى بجهد مستمر من قبل مصر والسعودية.
وقد استثمرت الصين في المنطقة الاقتصادية بقناة السويس من أجل التوسع في المرافق الصناعية وتحسين الخدمات اللوجيستية وزيادة حجم التجارة المارة عبر قناة السويس، وتعول الصين (Modern Diplomacy, April 7) على ذلك بقوة في زيادة صادراتها للعديد من الدول الإفريقية، ولا سيما السودان وكينيا.
وفي السياق تعمل الصين على إنجاز مشروعات في المواني على امتداد البحر الأحمر وسواحل شرق إفريقيا. ويتضح من ذلك أن دبلوماسية الصين تستهدف تأمين الطرق البحرية التي تربط إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط إلى الصين، والصادرات الصينية إلى أوروبا، وهي تلتقي مع الرؤية المصرية والسعودية لأمن البحر الأحمر وضمان استقراره بشكل مستدام، ويمكن لدور صيني أكبر في البحر الأحمر أن يغير قواعد الاشتباك بشكل كبير، وعلى نحو يتسق مع رؤية البلدين “مصر والسعودية” لأمن الإقليم.
ويعزز هذه الفرضية قدرة الاقتصاد الصيني على الصمود في وجه تداعيات الحرب الجارية في البحر الأحمر (كما كشف تقرير China Merchants Port Holdings (CMPort) في 9 إبريل الجاري بشكل مفصل عن صمود أصولها العاملة في الخارج بشكل ملموس .
ويتضح ذلك في حجم التشبيك المتزايد في حركة التجارة الصينية- المصرية، وآفاق التعاون اللوجيستي بين الجانبين (وتطوير مشروعات البنية الأساسية اللازمة) وبمستويات جديدة لضمان استقرار أكبر في البحر الأحمر، وتقليل واحتواء المخاطر، إضافة إلى إقامة شراكات هامة على المدى البعيد تقوم على تعظيم الاستفادة من قناة السويس والمنطقة المحيطة بها.
الهند ودعم المحور الإسرائيلي- الأمريكي- الإماراتي في البحر الأحمر
انخرطت الهند في ترتيبات الأمن في البحر الأحمر بشكل أكثر وضوحًا منذ العام 2023- 2024 عقب صعود تهديدات الحوثيين التي أثرت على التجارة وحركة النقل البحري في كامل المحيط الهندي الغربي إلى جانب البحر الأحمر وخليج عدن، مما أتاح للولايات المتحدة وحلفائها (ومن بينهم الهند) تعميق عسكرة الإقليم تحت مظلة قوة مهام القوات البحرية المشتركة Combined Maritime Forces (CMF) Task Force.
كما أضاف اعتراف إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة (ديسمبر 2025) مزيدًا من التعقيد في الإقليم الهش بالأساس، وأتاحت هذه التغيرات فرصة سانحة للهند للاستفادة سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا وبشكل مباشر للغاية. وحسب تقارير هندية ذات صلة ( يناير 2026) فإن الوضع السياسي الراهن الذي يتسم بالدبلوماسية الصريحة في التعبير عن التحالفات والمصالح وتقاسم المكاسب سوف يتراجع فيما ستستمر محركات عدم الاستقرار في البحر الأحمر .
وتنتقل نيودلهي تدريجيًا من إدارة الأزمة كردود أفعال إلى تحول الهند للتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى. وحسب الاستراتيجية الهندية التي اتضحت ملامحها في الشهور الأخيرة، ويتوقع أن تعززها بقوة تداعيات الحرب على إيران، فإن الهند تسعى لتطوير شراكات مع دول حوض البحر الأحمر وفق مبادئ بناء القدرات وتعاون الجنوب- الجنوب، وربط سياسة الهند في البحر الأحمر بدبلوماسيتها الإفريقية بشكل عام من زاوية الضرورة والفرص.
أما عمليًا تحشد الهند سياستها في البحر الأحمر بالأساس خلف الرؤية الأمريكية، مع تنسيق متزايد مع الإمارات وإسرائيل، واتضحت ملامح ذلك خلال زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى إسرائيل نهاية فبراير 2026، وتعميق عمله مع إسرائيل على تعزيز “تحالف سداسي” Hexagon Alliance، يضم إلى جانب الهند وإسرائيل كل من الإمارات واليونان وقبرص وإثيوبيا (وصوماليلاند في مرحلة لاحقة).
ويفرض هذا التحالف على مصر ضرورة النظر إليه كتهديد مباشر وعلى المدى البعيد، كونه لا يعني فقط بتعظيم الاستفادة الاقتصادية بين دوله المنخرطة فيهله، بل إنه يتبنى (بعد الحرب على إيران) أجندة سياسية واضحة، تهدد ترتيبات الأمن في البحر الأحمر، كما تتصورها دول الحوض، لصالح ترتيبات جديدة، تخترق الأولى وتحل محلها تمامًا.
الإمارات والبحر الأحمر: تحولات عميقة
ثمة متغير هام في وضع البحر الأحمر والقرن الإفريقي في مقاربة الإمارات المرتقبة، ألا وهو تراجع قدرتها (كما حال بقية دول الخليج في واقع الأمر) على مواصلة نفس النهج الذي عززته معادلة استقرار الخليج مقابل فوضى القرن الإفريقي (The Conversation ،March 9, 2026)، كما أن التراجع المتوقع لدور الإمارات في البحر الأحمر بسبب المشكلات الاقتصادية والأمنية والعسكرية وتكاليفها سيكون مصحوبًا بتبني سياسات خاطفة، مع تراجع اعتبارات السيادة في الدول المعنية واستباحتها بشكل أكبر.
ويرجح أن تتبني الإمارات مسألة الخيارات الصفرية في البحر الأحمر، لا سيما عند وضع تحفظاتها “شكاواها” المتكررة مؤخرًا من “سياسات الأشقاء” إلى جانب التقارب المتصاعد مع الهند ومخرجات زيارة س. جاشانكار S .Jaishankar وزير الشؤون الخارجية الهندي لأبوظبي 9- 12 إبريل.
كما هناك سيناريو قابل للتكرار في علاقات الإمارات بمختلف دول القرن الإفريقي المطلة على البحر الأحمر، وكذلك بمصر والسعودية وتركيا .
بأي حال، تمثل هذه التحركات في البحر الأحمر مساسًا مباشرًا بدوائر الأمن القومي المصري في مرحلة مربكة بالأساس؛ وتفرض تحولات التحالفات (لا سيما من جانب الإمارات) ضرورة استباق الأزمات المرتقبة بخطوات عاجلة لحماية هذه الدوائر بشكل أكثر نجاعة، وتعميق التفاهم مع الدول ذات الرؤية المشتركة مع مصر (وفي المقام الأول الدول المشاطئة للبحر الأحمر) للاتفاق على تصور متكامل لحماية أمن البحر الأحمر ودوله كوسيلة أولى وضرورية؛ لمنع الافتئات على هذا الأمن أو سلبه لصالح تصورات من خارج الإقليم.






