في مقالنا السابق، أخذنا على مجلس التعاون الخليجي، أنه عجز عن إطلاق مبادرة للسلام والأمن الجماعي والتعاون الإقليمي، في خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران على الضفة الأخرى من الخليج، كما كان يجب أن يحدث، وشرحنا أسباب هذا العجز من تشرذم، وتعارض المواقف والمصالح وكذلك اختلاف التحالفات الإقليمية بين دولة وأخرى، من الأعضاء الستة في المجلس، وها نحن نرى أن جهود التوصل إلى الهدنة المؤقتة، وكذلك جهود التسوية تجري كلها دون مشاركة حقيقية من دول الخليج، بل ودون التشاور الجدي معها، باستثناء المشاركة السعودية ضمن رباعي الوسطاء الإسلاميين، مع كل من باكستان ومصر تركيا.

لذا حبذنا في ختام ذلك المقال السابق، أن يأخذ الخليجيون قضيتهم مع إيران بأيديهم، دون وصاية أمريكية، أو دسائس إسرائيلية، وبمساندة عربية إسلامية.

لكي يحدث هذا، فلا بد أولا من إعادة الروح إلى مجلس التعاون الخليجي، ومن استئناف الحوار الذي بدأ، وانقطع عدة مرات بين ضفتي الخليج العربية والإيرانية، وفي تقديرنا، أن الظروف الآن ناضجة تماما، ليس فقط لاستئناف ذلك الحوار، بل ولاستمراره ونجاحه أيضا، ولكن قبل الاستطراد في شرح أسباب هذا التفاؤل، يستحسن أن نلقي نظرة على أسباب تراكم الشك والعداء بين الجانين، وأسباب تعثره، ثم توقف جولات الحوار بينهما في الماضي القريب والبعيد، لإزالة تلك الحالة من الشكوك والعداوات.

كان طبيعيا في السنوات الأولى لقيام الجمهورية الإسلامية الثورية في إيران، أن تتبنى خطابا مقلقا لمحيطها الإقليمي، وكان طبيعيا أيضا في تلك السنوات، أن يعاديها هذا المحيط الإقليمي، ولم تكن تلك حالة شاذة في تاريخ الثورات، بل إن هذا بالضبط هو ما حدث في حالة الثورة الفرنسية، وحالة الثورة الروسية، مضافا إليهما وجود كتل سكانية في دول الخليج والعراق والمشرق العربي، تتوحد مذهبيا مع إيران، وتهدد استقرار مجتمعاتها الأصلية، بسبب عودة خطوط الانقسام الطائفي للظهور بقوة، نتيجة للطابع الديني والمذهبي للثورة الإيرانية، ومن ثم، تصاعد الخطاب التحريضي الصادر عن النظام الجديد في طهران.

من هنا ساندت دول الخليج العربية كلها، وبقوة غزو الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين للأراضي الإيرانية، مبتدئا حرب الخليج الأولى، أو حرب السنوات السبع الخليجية، وكان القادة هناك وقتها يبررون مباركتهم لهذه الحرب بقولهم: “إن الأفاعي قد تموت من سموم العقارب“، الأمر الذي زاد من حدة العداء، وعمق أزمة الثقة بين ضفتي الخليج.

لكن جريمة صدام بغزوه للكويت، ثم حرب تحريرها، مع الحصار الدولي للعراق، كل ذلك أدى إلى تهميش الصراع بين ضفتي الخليج، ليعود قويا مرة أخرى، باندلاع الصراع الطائفي في العراق نفسها إثر الغزو الأمريكي البريطاني للعراق عام ٢٠٠٣، الأمر الذي مكن لنفوذ إيران هناك، الذي التحم بنفوذها في كل من سوريا ولبنان، وسط أحاديث عن مشروع الهلال الشيعي، والاحتلال الإيراني لثلاث عواصم عربية (أي بغداد ودمشق وبيروت)، ولتضاف صنعاء اليمنية إليهم فيما بعد.

كان الرد الخليجي على هذا التحدي من بدايته هو إنشاء مجلس التعاون، ثم الانضواء تحت المظلة الأمنية الأمريكية، في أثناء الحرب العراقية الإيرانية، وبعدها، لكن كل ذلك لم يمنع من مفاتحات دبلوماسية بين الضفتين، كلما لاحت فرصة، وكانت الفرصة تلوح كلما تغلب صوت الاعتدال في السلطة على الناحيتين، ويمكن القول إن ذلك حدث في عدة مناسبات، منها دعوة الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رافسنجاني لزيارة السعودية، ثم استئناف الحوار بين الضفتين تحت رعاية الرئيس الإيراني الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي، والعاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز، وقد اتصل هذا الحوار برغم وصول الرئيس المتشدد أحمدي نجاد إلى السلطة في طهران، إذ دُعي نجاد نفسه- بناء على طلبه- لحضور مؤتمر القمة لدول مجلس التعاون الخليجي في الدوحة عام ٢٠٠٨، واقترح الرجل في تلك المناسبة عقد اتفاقية للأمن والتعاون بين إيران وبين دول المجلس، تنبثق عنها مؤسسات إقليمية دائمة للرقابة، وتبادل المعلومات، واقتراح المشروعات، والإشراف على تنفيذها، لكنه دعا في الوقت نفسه إلى استبعاد أي دور خارجي في هذه الترتيبات الإقليمية، وكان ذلك يعني من وجهة النظر الإيرانية إغلاق القواعد العسكرية الأمريكية في شتى الدول الخليجية، لكنه كان يعني من وجهة النظر الخليجية الخروج من تحت مظلة الحماية الأمريكية، والبقاء في العراء أمام تقلبات السياسة الإيرانية، وذلك قبل اكتمال عملية بناء الثقة بين ضفتي الخليج، والتي ستكون بطبيعة الأمور عملية معقدة وطويلة المدى، وكان ذلك هو سبب عدم اطراد الحوار، رغم أنه كان يمكن أن يفضي إلى تليين الشرط الإيراني، خاصة وأنه كان ممكنا أيضا، أن يؤدي الحوار الخليجي الإيراني، إلى حوار أمريكي إيراني مواز في نهاية المطاف.

لكن التطور الذي قوض حوار الضفتين، وأعاد الشكوك والعداوات، كان ذلك الذي ترتب على اندلاع ثورات الربيع العربي، حيث وجدت الدول الخليجية نفسها في مواجهات ساخنة مع إيران في ثلاث جبهات على الأقل، هي جبهة البحرين، والجبهة السورية اللبنانية، والجبهة اليمنية.

في البحرين قضى التدخل العسكري السعودي على تمرد موال لإيران.

وفي سوريا ارتكب الخليجيون خطأ تسليح الثورة السورية، لتتصدرها الجماعات الدينية المتشددة، وليستنجد النظام بكل من إيران وحزب الله اللبناني في حرب أهلية، استمرت ١١ عاما، تردت فيها العلاقات الخليجية الإيرانية في هاوية سحيقة.

وفي اليمن تدخلت السعودية والإمارات والبحرين بالقوة مباشرة في الحرب الأهلية بين الحكومة الشرعية وبين حلفاء إيران، ليزداد عمق واتساع الهوة بين طهران وبين كل العواصم الخليجية، باستثناء مسقط.

في تلك السنوات، التفتت دول الخليج (للأسف) إلى إسرائيل كحليف قوي ضد إيران، ومن جهتها، كانت إسرائيل الليكودية المتطرفة ترى في إيران وحلفائها تهديدا أمنيا من ناحية، وعقبة أمام مشروع إسرائيل الكبرى، أي إسرائيل كقوة إقليمية عظمى، من الناحية الأخرى.

بمجيء دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة، تطابقت الرؤية الأمريكية حرفيا مع الرؤية الإسرائيلية، فاندلعت الحرب على إيران، لكن أمريكا وإسرائيل لم تتعاملا مع الخليجيين بوصفهم حلفاء وشركاء على قدم المساواة، رغم أن الرد العسكري الإيراني وُجِه أيضا إلى جميع الدول الخليجية، ومن ثم جاءت اللحظة التي نرى أنها تفرض على دول الخليج أخذ قضيتها مع إيران بأيديها.

ولكن لماذا قلنا آنفا، أن الظروف قد نضجت الآن لحوار مثمر بين ضفتي الخليج؟

من الواضح أن كثيرا من أسباب الشك والعداوة قد زالت، فقد اختفى تقريبا خطاب التحريض الطائفي، وانتهت أو هدأت الصراعات في البحرين وسوريا والعراق واليمن، كما أن لبنان في الطريق نحو الهدوء.

ومن الناحية الأخرى، تتزايد بشدة احتمالات الوصول إلى اتفاق تطبيع سلمي شامل للعلاقات بين الولايات المتحدة وإيران، بما ينطوي عليه هذا التطور الراديكالي من احتمالات تقوية مكانة الجمهورية في الإقليم، وخروجها من أزمتها الاقتصادية المترتبة على العقوبات والمصادرات الأمريكية، وبما في ذلك أيضا من تخفيف عدوانية حلفائها المذهبيين.

لا يقل أهمية عن ذلك احتمالات الانسحاب الأمريكي التدريجي من المنطقة الخليجية كلها؛ من أجل التركيز على الصراع المتنامي مع الصين في الباسيفيك والمحيط الهندي، وهذه خطة أمريكية معلنة ومكتوبة في وثائق رسمية، سيما بعد تهدئة أو تأمين الجبهة الإيرانية من منظور مصالح أمريكا وإسرائيل، وبالذات ما يتعلق بالبرنامج النووي.

في ذات الوقت، فإننا نستبعد قبول القوى الرئيسية في دول ومجتمعات الخليج استبدال الهيمنة الإيرانية الإقليمية بهيمنة إسرائيل الكبرى، وتأتي المملكة العربية السعودية في مقدمة هذه القوى، بوصفها كبرى دول الخليج من حيث الدور والحجم والمكانةّ، وهو ما يؤهل، بل يحتم أن يستند الحوار بين دول الخليج وبين إيران إلى العمق العربي الإسلامي، بقيادة مصر وتركيا وباكستان، باعتبار أن هذا هو البديل الآمن لردع مشروع الهيمنة الإسرائيلية الإقليمية.

إن بناء هذه القوة الذاتية للإقليم، وخاصة إذا انضمت ايران نفسها إليها؛ نتيجة للحوار مع دول الخليج، سوف يعجل بتحولات آتية، لا ريب فيها داخل أمريكا وإسرائيل تنقل السلطة لقوى الاعتدال والسلام، أو على الأقل تفصم عرى تحالف العدوان والهيمنة بين واشنطن وتل أبيب، ولكن قد يحول دون بناء تلك القوة حالة رضا خادعة عن النفس، أو عن الأداء في أثناء الحرب، لدى بعض الدوائر الخليجية، ترافقها حالة شعبوية من الاحتراب الكلامي حول تعارض الأمن مع الأمن الجماعي في الإقليم سواء من المنظور القومي العربي، أو من المنظور الجيوبوليتيكي المحض، وهذا ما سنتناوله في مقال تالٍ.