هناك عشرة عوامل، تؤثر في قدرة الطرق الصوفية على الاتصال، لم تأتِ أُطروحة الباحث محمد عبد الحليم المنسي المعنونة بـ”توظيف الطرق الصوفية لوسائل الاتصال في نشر أفكارها.. الطريقة العربية نموذجًا” على ذكرها مجتمعة ومحددة، لكن لا يمكن تفاديها في تحليل المسألة محل البحث، إذ لا يمكن تصور إعلام المتصوفة دون عرض هذه العوامل وفهمها على وجه سليم، وهي:
1 ـ مدى إدراك الطريقة لدورها، فهي إن كانت تكتفي بمجرد الوجود على قيد الحياة، فلن تنشغل كثيرًا بأي دور اتصالي، وربما تقتصر في هذا على العلاقة المباشرة بين الشيخ ومريديه. أما إن كانت لديها رغبة متجددة في تعزيز حضورها داخل المجال الديني، ساعية إلى توسيع قاعدة مريديها، وقاصدة أن تنخرط في إنتاج خطاب ديني للمجتمع العام، فستسعى على قدر مكنتها، إلى القيام بنشاط اتصالي؛ لتأدية كل هذه الأدوار، أو تحقيق تلك الأهداف.
2 ـ حجم الطريقة، فبعض الطرق محدودة من ناحية عدد أتباعها، ومنها من تضاؤل الذين ينتمون إليها حتى بادت أو اندثرت، بعد أن كان لها حضور اجتماعي، ووجود رسمي. وتظهر مراجعة خريطة الطرق منذ أن أعلنت لائحتها التنظيمية في عهد محمد علي (1805ـ 1848) وإلى الآن، أن طرقًا عدة لم تعد موجودة بالفعل، نقرأ عنها في التاريخ الاجتماعي للطرقية لكن لا نلمس لها أي وجود آني. ومثل هذه الطرق صغيرة الحجم أو المشرفة على الانقراض تعاني من ضعف الاتصال الجماهيري، حتى تخفت سيرتها تمامًا، وينقضي دورها، وتصبح أثرًا بعد عين.
وعلى العكس، فإن الطرق كبيرة الحجم من الناحية الجماهيرية، سواء الذين يشكلون قاعدتها المنتمية إليها أو المحبين لها والمتفاعلين مع أنشطتها، تجد نفسها في حاجة إلى تنشيط اتصالها مع كل هؤلاء، بل يقود انتشارهم في ربوع المجتمع إلى توسيع مثل هذا النشاط، لأداء الدور الدعوي.
3 ـ وعي الشيخ وإخلاصه، إذ إنه يمثل الشيخ مركز الطريقة وقائدها، والمنبع الأول لرسم مسارها الديني والاجتماعي، والفاعل الأول في تحصيل تماسكها الإداري، وتجليها الروحي. فإذا كان هذا الشيخ واعيًا بدور طريقته، عاملًا من أجل تحققه في الواقع المعيش، فإنه يحرص على دفع العملية الاتصالية قدمًا. أما إن كان الشيخ محدود القدرات من ناحية السمات الشخصية، والتحصيل المعرفي، ولا تشغله سوى وجاهته أو مكانته أو منافعه الشخصية، فإنه قد يهمل الاتصال، بل لا يدرك أهميته.
ويخبرنا الكتاب، أن من تعاقبوا على مشيخة “الطريقة العزمية”، كانوا أصحاب وعي ظاهر، عبروا عنه في كتاباتهم وخطاباتهم، بدءًا من المؤسس، وحتى الشيخ الراهن السيد علاء أبو العزائم، وهو خريج كلية العلوم ـ قسم الجيولوجيا، وطالما يوظف معرفته في بناء تصور لطريقته، ينعكس إيجابًا على عملية الاتصال.
ويلتقط الباحث، ما يبرهن به على ما منحه التعليم للشيخ من أفكار أو معادلات يسعى لتطبيقها، أولها “التراكم البلوري” الذي نراه في تجمع قطع السكر حول بلورة، تعيد تشكيلها وتمنحها التماسك، وهنا يكون الشيخ بمنزلة البلورة التي يتجمع حولها مريدوه. والثانية هي تحول الفحم بالضغط الحراري إلى ألماس، والحرارة، هنا هي المجاهدة الروحية، التي تمنح صاحبها قيمة عليا. والثالثة هي “المتوالية الهندسية” وليست الحسابية، التي يجب أن يضعها الشيخ في حسبانه، وهو يسعى إلى انتشار الفكرة بين أبناء طريقته، فبجذب المريدين والمحبين إليها.
4 ـ الإمكانيات المادية للطريقة، إذ تلعب دورًا بارزًا في حيازتها القدرة على امتلاك وسائل التواصل الجماهيري. فالطرق الفقيرة ماليًا تكتفي بالتواصل المباشر والمتقطع، الذي قد يقتصر على الحضرات وحلقات الذكر وزيارة الشيخ أو الزيارات المتبادلة بين مريديها، بينما لا تكتفي الطرق الممكنة ماليًا بهذا، بل تعمل على مواكبة التحديث في بناء شبكة مناسبة للاتصال الجماهيري، من خلال المطبوعات الدورية، والكتب، وإطلاق موقع إلكتروني على شبكة الإنترنت، والوصول إلى وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها، مقروءة ومرئية ومسموعة.
5 ـ مدى التواصل مع النخب الإعلامية والفكرية والسياسية خارج أبناء الطرق الصوفية. فهناك طرق تكاد تكون صلتها منعدمة بهؤلاء، بل قد يتوجسون منهم خيفة، ويفضلون الابتعاد عنهم، وهناك طرق تفعل العكس، وترى في بناء جسور لحوار متواصل مع هؤلاء، يفيدها كثيرًا في تعزيز قدرتها على حيازة التواصل الجماهيري، الذي يصنع دوائر حول التصوف وأهله، بما يساعده على أداء المهمة الموكلة إليه، لا سيما أن النص الصوفي له حضوره الظاهر خارج المتصوفة أنفسهم، فالأدباء يجذبهم إلى التصوف بلاغته وصوره المفارقة المدهشة، والمفكرون يهتمون بمساره المختلف في التدين والتفكير الديني بوجه عام، عما هو سائد لدى الفقهاء أو المتسلفة، وعلماء الاجتماع ينظرون إلى الطرق، باعتبارها جزءًا من المجتمع الأهلي الذي تجب العناية بالوقوف على دوره في التربية الأخلاقية والروحية والنفع العام، والسياسيون يرون في أتباع الطرق جمهورًا من الضروري الاهتمام به في تمثيل الناس، وكسب الشرعية، ومواجهة الجماعات السياسية الإسلامية، أو إحداث توازن معها في الحيز، الذي ترتبه علاقة الدين بالسياسة.
وتُروى شهادات في هذا الصدد على الدور الذي لعبه الشيخ علاء أبو العزائم؛ في سبيل أن يكون للطرق الصوفية والتصوف حيزًا من الصفحات الدينية الإسلامية في الصحف القومية، بعد أن كان يقتصر على الأزهر والأوقاف ودار الإفتاء، وهو أمر يترجمه حرص الشيخ على دعوة محرري الصفحات الدينية في الصحف القومية والمعارضة والمستقلة إلى حضور مختلف فعاليات الطريقة وغيرها من الطرق، كما يحضرها كتاب ومفكرون مدنيون أو علمانيون، من المسلمين والمسيحيين، وفي كثير منها يحضر أيضًا أهل السياسة والمهتمون بالشأن العام.
6 ـ نوعية المريدين، فبعض الطرق تضم أتباعًا، قد ارتقوا في التعليم والمهن إلى أعلى مكانة، فمنهم الحاصلون على الدكتوراه والماجستير في تخصصات علمية متعددة، ومنهم حملة البكالوريوس والليسانس، في تعليم مدني أو ديني، ومنهم من يتولون مواقع مهنية متقدمة، سواء في الوظائف الحكومية أو العمل الخاص. وهؤلاء أكثر استعدادًا لتتفاعل مع وسائل الاتصال الجماهيري، ولذا يضغطون، في العادة، وبحكم التعليم، في سبيل الارتقاء بهذه الوسائل، واتساعها. أما إن كانت الأغلبية من مريدي الطريقة من الأميين أو الحاصلين على تعليم متوسط أو ما هو دونه، فإن اهتمامهم بالاتصال يبدو أقل نسبيًا، وهي مسألة تبرهن عليها الدراسات الميدانية أو التطبيقية حول الدور الاجتماعي للطرق الصوفية.
في هذا الصدد، هناك مسألة أخرى، تتعلق بالخلفية العمرية أو الانتماء الجيلي للمريدين، وقد أثبتت دراسة محمد عبد الحليم المنسي، أن العجائز يحرصون على الاتصال المباشر، الذي يعتمد على الحضور الجسدي، بينما يقل اهتمامهم بوسائل الاتصال الرقمية، على العكس من هذا يتفاعل الشباب أكثر مع الأخيرة، ويمنحونها بعض الحيوية.
7ـ مدى قوة “المتن” أو “المرجعية” التي تعتمد عليها الطريقة، فهناك طرق بلا إرث فكري أو معرفي، وليس في يدها سوى “ورد” أو “تعاليم” لمؤسسها، وبعضها يعتمد على المشافهة في تداول سيرة المؤسس، ومن تولوا مشيخة الطريقة بعده. وهذا يؤثر سلبيًا على قدرتها في القيام بالاتصال الجماهيري، إذ أن المحصول الذي بوسعها توظيفه في الدعوة ضئيل، لا يسعف القائمين بالاتصال. على النقيض من ذلك تكون الطرق صاحبة المرجعيات الثرية.
وتعد الطريقة العزمية صاحبة “متن” قوي، صنعته مؤلفات مؤسسها المتنوعة، والتي ينصرف محتواها إلى موضوعات شتى، وكذلك مؤلفات من تولوا المشيخة بعده، وما كتبه مريدو الطريقة من مؤلفات وأطروحات جامعية، أو كتبه غيرهم عنها.
8 ـ منافسة منتجي الخطابات الدينية غير الصوفية. فكثير من هذه الخطابات تسعى إلى التعمية على المنتج المعرفي الصوفي، بل تناصبه العداء، وتحرص على تشويهه وإزاحته خارج الفاعلية الدينية والاجتماعية. ويضع هذا الطرق الصوفية في تحد شديد، قد يعلو ليصبح “معركة وجود”، ويكون عليها أن تستجيب لهذا التحدي من خلال الحرص على نشر خطابها المختلف أو المنافس على القاعدة الجماهيرية العريضة، ومن هنا تلتفت إلى أهمية حيازة وسائل اتصال جماهيري فعالة.
وتستند الطرق الصوفية في مسلكها هذا، إلى أنها قد ربحت معركة الوجود على مدار التاريخ، وخذلت أولئك الذين توقعوا تراجع دورها، واختفاء بعضها، مع استمرار دوران عجلة التحديث الاجتماعي والعصرنة، سواء كانت تعتمد على الاتساع في رقعة التعليم، أو التفاعل الهائل مع الثقافات المحلية والعالمية في ظل ثورة الاتصالات الرهيبة، التي يعيشها عالمنا المعاصر.
كما تعتمد الطرق الصوفية في استجابتها لهذا التحدي، على أنها تظل ملاذًا آمنًا وغير مكلف للمتدينين في وقت التضييق على الجماعات والتنظيمات صاحبة المشروع السياسي. وقد تحدث باحثون كثر، من خلال مشاهدات عيانية وتأملات معرفية ودراسات ميدانية عن أن الطرق الصوفية باتت تستقطب قطاعًا من الخارجين من عباءة الجماعات السياسية الإسلامية، ممن يحرصون على مواصلة طقوسهم الدينية وانتماءاتهم الاجتماعية الطوعية والنوعية، بعيدًا عن رقابة أجهزة الأمن، سواء فعلوا هذا على سبيل التقية أو الاختباء المؤقت أو كانوا مقتنعين بالفعل، بأن هذه الجماعات والتنظيمات قد أفلست في بناء مشروع اجتماعي وسياسي مستقر ومتنام.
لكن هذا الانخراط في حد ذاته قد يساعد في تهذيب رؤية أتباع جماعات، كانت تؤمن بالتغيير القسري للمجتمع، وتميل إلى العنف في تحقيق هذا، من خلال وضع أتباعها في تجربة جديدة، تتيح لهم المقارنة، ومعرفة الطرق الصوفية عن كثب، بعد سنوات من تبني صورة نمطية سلبية عنها، خاصة إن انخرط هؤلاء في طرق صاحبة رؤية دينية متماسكة، تعتمد على المتن أو المرجعية التي تنهل منها، ونوعية المريدين الذين ينتمون لها.
9 ـ مواتاة السياق الاجتماعي من عدمه، ففي بعض الأوقات يكون المجتمع أكثر ترحيبًا بالطرق الصوفية ودورها، لا سيما في أزمنة الفقر والعسف السياسي، مثلما تخبرنا التجارب التاريخية البعيدة والقريبة، حتى عُدَّ هذا أحد أسباب تعزز دور المتصوفة في حقب معينة؛ بحثًا عن طبابة نفسية واجتماعية. على العكس من هذا تكون أيام السُترة والحرية، إذ يتراجع الإقبال على الطرق. وفي هاتين الحالتين المتناقضتين تظهر حاجة أرباب الطرق إلى الاتصال الجماهيري من عدمه.
10ـ موقف السلطة السياسية، فإذا كانت مرحبة بدور المتصوفة الديني والاجتماعي، ومدت إليها يد العون، لكسب شرعية أو لتواجه مناهضيها على أساس ديني أو لميل القائمين على الحكم إلى التصوف، فإنها تسمح لها بتوظيف وسائل الاتصال الجماهيري، مثلما شاءت واستطاعت، وقد تساعدها في هذا ماديًا ومعنويًا، والعكس صحيح، فإن كانت سلطة تعتمد على ركائز أخرى لكسب الشرعية، أو تتبنى أيديولوجية لا تعطي التصوف وزنًا كبيرًا، فإنها لا تهتم بمنح المتصوفة فرصة للتواصل مع غيرهم، بل قد تضيق عليهم باب الاتصال من الأساس.






