قبل التوصل إلى هدنة الأسبوعين الحالية في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بعشرة أيام على الأقل، كتبت أدعو دول مجلس التعاون الخليجي الست إلى طرح مشروع لاتفاقية سلام وأمن جماعي وتعاون إقليمي على كل من طهران وواشنطن، وقلت إنه ليس من العدل أن تكون دول الخليج العربية هي خط المواجهة الأول، ثم لا تشارك مباشرة في صنع السلام، وإقامة ترتيباته، فينطبق عليها قول الشاعر المصري الراحل أمل دنقل ساخرا من عدم اكتراث السادة بالتابعين: “أدعى إلى القتال ولا أدعى إلى المجالسة“.
وكان تقديري، ولا يزال أن تحركا قويا من دول الخليج في مرحلة الدبلوماسية سيكون تداركا لا بأس به لمأخذ شديد السلبية، وهو أن قرار الحرب اتخذ بين واشنطن وتل أبيب، ولمصلحتهما، دون تنسيق مع القيادات الخليجية، وربما دون علم بعضها من الأصل.

صحيح، أن المملكة العربية السعودية هي أحد أضلاع رباعي الوساطة الإسلامية بين الولايات المتحدة وإيران بقيادة باكستان وبمشاركة مصر وتركيا، ولكن ذلك يعتبر أضعف الإيمان، ولا يعكس خصوصية الحالة الخليجية في هذا الصراع التاريخي، وليس هو بالضبط الدور الخليجي المفترض، سيما وأن دور الرباعي الإسلامي يتوقف عند التوصل لوقف إطلاق النار، وشروط هدنة الأسبوعين، ولا يمتد إلى مرحلة التفاوض وصنع السلام، بما أن المتفق عليه أن المفاوضات ستكون مباشرة وثنائية فقط بين الوفدين الأمريكي والإيراني، بغض النظر عن احتمال المشاركةّ البروتوكولية من باكستان بوصفها الدولة المضيفة، واعتبار أطراف الرباعي الإسلامي السابق ذكره مراقبين من الخارجّ.

أليس من غرائب الأمور ألا تعقد دول مجلس التعاون الخليجي الست اجتماعا واحدا، ولو على المستوى الوزاري، طوال فترة الحرب، لصياغة موقف موحد، ولو حتى على غرار الاجتماع الافتراضي لمجلس وزراء الخارجية العرب، ثم لصياغة رؤية لأولويات الإقليم الخليجي ومطالبه في مفاوضات السلام، وما ستسفر عنه من ترتيبات والتزامات، وقد كان يمكن، بل كان يستحسن أن تصبح مثل تلك الرؤية هي الورقة الرئيسية بيد الوفد السعودي، بحيث يبني عليها إجماع الرباعي الإسلامي الوسيط، وتطرح على هذا الأساس على الطرفين الأمريكي والإيراني في محادثات إسلام آباد.

كما نعلم، ويعلم القاصي والداني، فقد كانت الثورة الإسلامية في إيران وتحرشاتها الأيديولوجية بالمجتمعات الخليجية، هي علة قيام واستمرار مجلس التعاون الخليجي أصلا، ولكن هذا المجلس ورغم تجانس دوله سياسيا واقتصاديا ومجتمعيا، جرى عليه الكثير مما جرى على جامعة الدول العربية، فأصيب هو أيضا بالشلل والعقم، لتظل مشروعاته التكاملية حبرا على أوراق، لم ير مشروع واحد منها النور، ربما باستثناء التعاون في قطاع الأمن الداخلي ضد الإرهاب، وضد المعارضة السياسية والحقوقية الوطنية، رغم ضعفها المتناهي، فلا مشروع العملة الموحدة نفذ، ولا مشروع قوات درع الجزيرة اكتمل، ولا توحدت السياسة الخارجية لدول المجلس، والأهم أنه لم يتبلور تصور ومن ثم اتفاق للأمن الجماعي في مواجهة التهديدات الخارجية، واستراتيجيات هذه المواجهة.

ومن المفارقات، أن دول مجلس التعاون الخليجي الست متفقة على أن الولايات المتحدةّ الأمريكية هي الضامن الأول والأخير والأوثق، ليس فقط ضد تهديدات الخارج، ولكن أيضا ضد تهديدات الداخل المحتملة، ورغم ذلكّ، فإن كل دولة منها دخلت في هذه العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة بمفردها وعلى أساس ثنائي، وتنافست هذه الدول فيما بينها على نيل الحظوة الأمريكية، بل وعلى الحظوة عند بعض الرؤساء الأمريكيين ورجالهم، على نحو ما شهدناه من سباق لاهث لنيل رضاء الرئيس الحالي دونالد ترامب.

أكثر من ذلك تفاوتت الدول الخليجية في قضية تطبيع العلاقات مع إسرائيل، وإشراكها في استراتيجياتها الأمنية في مواجهة إيران، فبينما انفتحت كل من دولة الإمارات ومملكة البحرين على إسرائيل بلا تحفظ ولا مواربة، فقد امتنعت كل من قطر والكويت عن التطبيع والتعاون الأمني مع الإسرائيليين، في حين بقي الموقف السعودي غامضا ما بين التحفظ غالبا، والمرونة أحيانا، وأما عمان فهي الأقل صخبا، والأكثر انفتاحا على إيران.

لم تكن هذه هي كل أوجه القصور والفشل في مسيرة مجلس التعاون الخليجي، ولكن وصل الحال عدة مرات حد الانقسام، وربما المواجهة الساخنة بين بعض الدول الأعضاء، وليس النزاع السعودي الإماراتي الذي احتدم مؤخرا علي الأرض اليمنية ببعيد، وهو نزاع يمتد إلى القرن الإفريقي ومضيق باب المندب، ويمس قضية أمن البحر الأحمر، بالغة الأهمية لكل من مصر والسعودية، كما لا تزال ذكريات فرض الحصار الخليجي بقيادة السعودية على قطر عام ٢٠١٧ ماثلة في الأذهان والخواطر.

وإذن فإن إعادة الروح إلى مجلس التعاون الخليجي هي من أولويات مراجعات ما بعد الحرب في الخليج، ويمكن القول إن أصواتا خليجية محترمة ارتفعت مطالبة بتدارك تلك السلبيات، ومن هؤلاء مثلا- على ما قرأت وسمعت- الأمير تركي الفيصل في السعودية، والأمين العام الأسبق للمجلس عبد الله بشارة في الكويت، والشيخ حمد بن جاسم وزير خارجية قطر الأسبق.

بالعودة إلى نقطة البداية في هذا المقال، يتبقى أن نضيف أن بدون دور خليجي فاعل، يستند إلى تعضيد إقليمي قوي من الرباعي الإسلامي (باكستان ومصر والسعودية وتركيا) فقد تفوق معضلة الخليجيين مع السلام الأمريكي الإيراني معضلتهم مع العداء والحرب بين الجانبين، إذ سوف تخرج إيران من عملية السلام أقوى مكانة وأكثر هيبة، فضلا عن رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وتسليمها أصولها المجمدة، وربما تندفع نحوها الاستثمارات الأمريكية بالذات، وإذن فليكن “بيدي لا بيد عمرو“ أي على الخليجيين أن يأخذوا قضيتهم بأيديهم داخل المفاوضات الأمريكية الإيرانية، كما قلنا توا، ومع إيران نفسها مباشرة دون وصاية أمريكية، أو دسائس إسرائيلية، وبمساندة عربية إسلامية.

لكي يحدث ذلك، فلا بد من وقفة موضوعية مع النفس ومع الآخر الإيراني، تعطي كل ذي حق حقه فيما مضى من توترات ومن محاولات للتفاهم، وفيما سيأتي من أسس لإعادة بناء الثقة، واستشراف مستقبل جديد.

هذه الوقفة ستكون موضوع مقالنا التالي.