ورد “التمكين” في سور القرآن الكريم، مكية ومدنية، بصيغ لفظية متعددة، منها صيغة الماضي (مكنا)، (مكناهم)، (مكناكم)، (مكني)، (أمكن) وبصيغة المضارع: (نمكن)، (وليمكنن)، وبصيغة الصفة: (مكين)، ونسبت إلى (نا) الفاعلين، و(نا) العظمة: (مكناهم)، (مكناكم)، (نمكن)، وإلى المفعول: (مكني)، لكن أكثر الآيات بروزًا في التعبير عنه في مختلف الأدبيات الفقهية والسياسية هي: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ”.

ومراجعة مختلف الآيات تبين أن ثمة اختلافا بين ما ذهب إليه القرآن وبين نظرة جماعة الإخوان وغيرها إلى “التمكين”، فالقرآن يجعل من الله تعالى هو الممكن، وليست خطة الجماعة، ويميز بين  صيغة التمكين في الشيء، وصيغة تمكين الشيء، ويجعل التمكين للدين والسلطة والمال في يد نبي مرسل، حيث يقول الله تعالى: “اِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْاَرْضِ وَءاتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً” ويقول: “أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الاَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الاَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ”.

ويتحدث القرآن عن تمكين سائر البشر من استغلال ما في الأرض، وليس تمكين فئة فقط سواء الإخوان أو غيرهم من الجماعات السياسية أو الدعوية الإسلامية، حيث يقول الله تعالى: “وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ” وقوله أيضا: “وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ”.

وحين تحدث القرآن عن فئة مُمكنَّة، فقد وصفهم بالمؤمنين، حيث يقول الله تعالى: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْاَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الذِي اِرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً”، وتفسير الآية بعيد تمامًا عن أن تكون قاصدة لجماعة، تقر لنفسها، أنها هي من يجب تمكينها، لأن الحكم على إيمان الناس من عدمه بيد الله وحده في صحيح الإسلام.

فالله تعالى حين تكلم عن التمكين نسبه إليه سبحانه، ليجعل منه تصرفًا إلهيًا، يصنعه هو، وليس تكليفًا بشريًا على الناس القيام به، وهو ما يستدل عليه من صريح الآية: “وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ”.

كما أن مفتاح فهم الآية الكريمة، التي اعتمد عليها سيد قطب في تصوره عن “التمكين، وهي “ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ.”، هو العلم، حيث وصف الله تعالى النبي يوسف بالعلم في عدد من الآيات المتتالية، ولما ظهر مقتضى علمه المبهر بتصريف شؤون الزراعة، وإدارة الأزمة في أعوام المجاعة.

وتمكين يوسف كان بعناية الله ورعايته، ولم يكن قائمًا على جهد منه، فالله يقول: “وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.”، ليبقى دوره، بعد أن جعله الله على خزائن الأرض، هو فهم آيات الله وتعاليمه، لينهض بالعمران، ويقيم العدل، ويحسن إدارة شؤون الناس بأمانة واقتدار، إذ أنه بقدر الله “مكين أمين”، وهو لا شك ناجح في مسعاه، لأنه الله غالب على أمره، وهو ما تؤكده الآية القرآنية التي تقول: “وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون”.

فضلًا عن هذا، فإن التمكين في القرآن لم يقتصر على المؤمنين، بل امتد إلى الكافرين أيضًا في ظل التصور القرآني العام الذي ينظر إلى الدنيا، على أنها دار ابتلاء وامتحان. فقد عبر القرآن عن كلمة التمكين عدة مرات لتخص المؤمن والكافر، وكذلك الأمم السابقة على الإسلام، حتى امتدت إلى سائر البشرية، فيمن تقع فيهم، ليكون معناها الأشمل هو ما هيأه الله لخلقه على كوكب الأرض من أسباب للعمران والاستخلاف.

ويستدل على هذا من قول الله تعالى: “أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا.” فالمعنى هنا، هو أن الله قد هيأ لأمم سابقة من أسباب القوة المادية، التي بدأت بماء مكنهم من حيازة زراعة وعمران، تتأكد بآية أخرى تقول: “وجَعَلۡنَا ٱلۡأَنۡهَٰرَ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمۡ”، ما يعني استمرار أسباب تراكم الثروات الطبيعية، لكنهم لم يحسنوا استغلالها في الخير، فتحولت النعمة إلى نقمة، وجاء عقب الرخاء الهلاك، وهنا تقول آية أخرى: “أَهۡلَكۡنَٰهُم بِذُنُوبِهِمۡ وَأَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ”.

ويختلف حال هؤلاء عن أولئك الذين أحسنوا التصرف فيما وهبه الله لهم، حسبما تقول الآية: “الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ”، وكذلك الآية: “وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا”.

ومن حق الإخوان وغيرهم من الجماعات السياسية الإسلامية، أن يعتبروا أنفسهم من الفئة المؤمنة التي ستحسن إدارة نعم الله في سبيل بلوغ التمكين، ومن حقها أيضًا أن تتعامل مع فكرة التمكين، على أنها تمثل عصبًا أساسيًا لتصورها، وأن تضع لهذا نظرية تسعى لتطبيقها في الواقع المعيش، لكن المشكلة لديهم تترتب على عدة أمور، هي:

أولها، وجود خلط دائم بين مفهوم “التمكين” ومفاهيم أو ألفاظ مقاربة له في القرآن، مثل لفظ “النصر” الذي ورد ومشتقاته في القرآن مائة واثنتين وأربعين مرة، مبينًا شروطه وأسبابه وصوره، ليصنع رؤية متكاملة له، ولفظ “الغلب” الذي ورد في القرآن ثلاثين مرة، وتحددت ملامحه ومعالمه، ولفظ “الفوز” الذي ورد تسعًا وعشرين مرة، مرتبطا بطاعة الله ورسوله، والزحزحة عن النار، والخلود في الجنة، لتبقى رحمة الله هي الفوز العظيم، ولفظ الاستخلاف، الذي ورد خمس مرات، مشترطًا تحقيقه بمشيئة الله، وإيمان الفرد، وعمله الصالح، وقدرة الله على تبديل الأقوام الكافرة بأخرى مؤمنة، ولفظ “الهيمنة” الذي ورد مرة واحدة، وارتبط بالإرادة الإلهية وحدها، ولفظ “الإرث” الذي ورد بألفاظ عدة سبع عشرة مرة، وانصرف إلى وراثة النبوة، ووراثة الله للأرض ومن وما عليها، ووراثة عباد الله الصالحين للأرض، ووراثة البشر القوة بعد أن كانوا مستضعفين.

وثانيها، الظن بأنهم وحدهم الذين عليهم العمل على تمكين الوجود والنفوذ في المجتمع، وثالثها، ربطهم الحتمي بين التمكين والإيمان، ثم الاعتقاد في أنهم هم المؤمنون، إن لم يكن وحدهم فعلى الأقل اعتبار أنفسهم أعلى درجة أو مرتبة إيمانية من غيرهم، ورابعها، سلوك كل السبل، حتى لو كانت معوجة، في سبيل بلوغ التمكين، ما دام أنه غاية نبيلة يسعون إليها، ومن ذلك المداراة والمواراة أو التقية، والتفريط في صغائر الأمور، ما دامت تقود إلى كبارها، الذي تأتي معها المنفعة أو الفائدة.

 وخامسها، تحويل التمكين إلى مسعى ذي نزعة استحواذية على القدرات والإمكانات المتاحة، مادية أو معنوية، أما سادسها، فهو الربط الضروري بين التمكين وبين حيازة السلطة السياسية، أي تحويل التمكين إلى مجموعة من الإجراءات والتصرفات النابعة من خطة شاملة، ترمي في نهاية المطاف إلى إقامة كيان سياسي، باعتبار هذا وحده هو السبيل إلى إقامة الإسلام، وإعلاء رايته.

فالتمكين حسب القرآن ليس مسعى سياسيًا، يخضع لمقتضيات السياسة وآلياتها فتفسد معناه ومبناه، إنما هو ثمرة للمعرفة والعمران، وهو عطاء إلهي يتكئ على الخيرية أو العمل الصالح، وبالتالي ينفر من كل شر أو اعوجاج أو مداراة تقع في دوائر الشبهة والمكروه والحرام، حتى لو كان فيه ما يحقق الغرض، أو يدفع في اتجاه الهدف.

وسابعها، هو عدم إدراك أن شمولية الإسلام، وتمكينه كدعوة خاتمة، لا يقوم على كتف مجموعة أو جماعة واحدة، ولا يكون مربوطًا بعقول أتباعها وسواعدهم وأفئدتهم وحدهم، إنما هو مسنود إلى كل مسلم، على سبيل التكليف العام، سواء كان فردًا أو منتظمًا في جماعة أو هيئة ما، وبذا يتحقق التمكين بتفكير الكل وعملهم، سواء نسقوا لهذا جهودهم أو لم ينسقوا، إنما امتثلوا لقاعدة “الاستخلاف” التي تعني العبادة والعمران، كل على حدة، فصار مجموع ما يفكرونه فيه، ويعبرون به، ويدبرون له مسارًا عفيًا، يدفع في اتجاه ترسيخ وجود الجماعة المسلمة أو المؤمنة.

من هنا نجد من ينظر إلى حديث الإخوان عن التمكين، على أنه غريب عما اعتاد عليه المصلحون المسلمون الذين تحدثوا عن “الإصلاح”، وإن اختلفوا حول الزمن الذي يستغرقه، والمثل البارز لهذا هو جمال الدين الأفغاني الذي كان يريد الحصول على الإصلاح في التو، شرط العمل من أجل بلوغه، بينما كان الإمام محمد عبده يرى أن الإصلاح عملية متدرجة، تتحقق بعد مدة، ويجب أن يشارك فيها الناس، من أجل مصالحهم جميعًا، وليس لصالح جماعة أو فئة صغيرة منهم، كما يريد الإخوان.

في العموم، يحدد القرآن الكريم أسباب التمكين في الحفظ والأمانة، والعلم، والأخذ بالأسباب، ويجعل شروطه في الإيمان العميق، والترابط الوثيق أو العمل الجماعي، والدأب أو بذل الجهد واستمرار الاجتهاد دائمًا، والربانية، أي أن يكون مقصده هو إرضاء الله تعالى، وليس الاستحواذ على سلطة أو ثروة أو وجاهة اجتماعية، ومن هنا تكون أهدافه الأساسية هي سوية العلاقة بين الإنسان والرحمن، وأعلى هذا هو إقامة الصلاة، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، مثلما نرى في إيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة العدل ونشر الفضائل.

على هذا الأساس، يكون “التمكين” حسب القرآن، هو سنة حياتية ثابتة، تحتاج إلى فهم في إدراك أسبابها، والتزام في سلوك مساراتها وارتقاء درجاتها، ووعي بمقاصدها ومراميها، وصبر على تحصيل ثمارها.