على المستوى النظري، وفي الأدبيات الأولى لـ”جماعة الإخوان المسلمين” نجد تصورًا، يذهب إلى أن رحلة التمكين تبدأ بتمكين الأفراد، من خلال تربية روحية وأخلاقية، تبني فردًا قويًا من الناحيتين العقدية والسلوكية، ثم تمكين الجماعة من المجتمع عبر إقامة مؤسسات اجتماعية واقتصادية وثقافية قوية، مثل الجمعيات الخيرية والنوادي والشركات، ليأتي بعد هذا تمكينها السياسي، عبر الانخراط في الحياة السياسية ومغالبة المتبارين في ساحتها، لينتهي إلى التمكين الشامل، وهو حيازة السلطة السياسية داخل الدولة القطرية، كنقطة ارتكاز أساسية في طريق “الأممية” التي تعني إقامة “خلافة”، تطبق الشريعة، وفق تصور الإخوان لها، وتستعيد للمسلمين مكانتهم التي تسيدت العالم سبعة قرون.

لكن مفهوم التمكين لم يلبث أن أخذ طريقًا مغايرًا مع سيد قطب، إذ انتقل من التدرج إلى الوثبة، ليتحول معه إلى مسألة مؤدلجة، تُعلي من أسلوب “العنف الثوري” على حساب البناء السلمي المتصاعد، في قفز واضح على الواقع، وما فيه من معادلات وتوازنات القوة بين الإخوان وغيرهم، سواء كان هذا “الغير” أو “الآخر” هو السلطة السياسية، أو أحزاب المعارضة وجماعاتها الأخرى، بما فيها تلك التي تنتمي إلى ما يوصف بـ “التيار الإسلامي”.

وبذا خضع المفهوم عند قطب لتمثُلات الهوية وصراعاتها، ففارق معناه القرآني الصحيح، إلى حد بعيد، وهو الذي عني بتوافر الأمن والاستقرار في ديار المسلمين، بما يجعلهم مطمئنين لإقامة الصلاة والشعائر الإسلامية، بل يمتد إلى غيرهم من أصحاب ديانات، يعيشون في “ديار الإسلام” كأهل كتاب أو ذميين، مثلما كان قائمًا في القرون الوسطى، أو مواطنين في رحاب الدولة الحديثة والمعاصرة.

 وقد أدخل قطب المفهوم في نسقه الفكري الخاص، الذي يقوم على التعبئة والتحريض، فبات لديه جزءًا من معادلة التأثير على نفوس اتباع الجماعة وأذهانهم، فصار مفهومًا مأزومًا، ينزع إلى الغضب ضد بيئة اجتماعية، لا تستجيب بالضرورة لتصوره، ولا ترضى بالعنف، أو القوة المادية الظاهرة، سبيلا لبلوغ الغاية أو المقصد.

وبنى قطب استدلاله على التمكين بالآية القرآنية التي وردت على لسان النبي يوسف: “قالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيم.” باعتبار هذا برهان على مشروعية السعي إلى طلب الحكم والقيام بأعبائه. وهنا يتجاهل قطب نهي النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن السعي للإمارة وطلبها، وذلك في حديث عبد الرحمن بن سمرة، إذ  قال: “قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ سَمُرَةَ، لا تَسْأَلِ الإمارَةَ، فإنَّكَ إنْ أُعْطِيتَها عن مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إلَيْها، وإنْ أُعْطِيتَها عن غيرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عليها”.

 وهذا التصور القطبي، إن صح التعبير، لم يكن حتى في أشد صوره ميلًا إلى العنوة والغلبة، منبت الصلة بالمفهوم العام لـ”التمكين” عند الجماعة بأسرها، فهو يمثل لها نهاية لمرحلة تسميها “الصبر” بالوصول إلى العتبة التي تقع الدولة برمتها في قبضتها، فتدير كل ما فيها لحساب منفعة أعضائها أولًا، ثم فكرتها العامة بغض النظر عن مدى كفاءة الأعضاء، أو صلاحية الفكرة لإدارة دولة عصرية مدنية من عدمه.

وجاء علي الصلابي ليفصل فيما يسميه “فقه النصر والتمكين”، منطلقًا من أن التمكين الذي يجعله لـ”دين الله”، حسب تعبيره، هو “الهدف الأكبر لكل مفردات العمل لأجل الإسلام، الدعوة بكل مراحلها وأهدافها ووسائلها، والحركة، وكل ما يتصل بها من جهود وأعمال، والتنظيم وما يستهدفه في الدعوة والحركة، والتربية بكل أنواعها وأهدافها ووسائلها”، ثم يجمل الهدف الأسمى للتمكين، هو تمكين المجتمع المسلم من إقامة سلطة سياسية، ويكون هذا ببلوغ مرحلة المغالبة، التي تأتي عقب استيعاب مفهوم الجهاد في عمومه، وأن تكون كوادر الجماعة في المجالات كافة، مستعدة لتولي أمور الحكم.

ولو كان هذا “التمكين”ـ حسب تصور البنا وقطب والصلابي، يأتي في ركاب “مشروع” وطني أو أممي متماسك، وواضح المعالم، وقائم على توظيف الجانب الروحي والخلقي في الدين، والطاقة الكامنة للدولة، وجميع الكفاءات في شتى التخصصات دون النظر إلى الاتجاه السياسي أو الإطار الأيديولوجي، ما كانت هناك مشكلة، لكنه بقي مستقرًا في خطاب الإخوان حلمًا دائمًا، ومسعى متواصلًا، للسيطرة على مقدرات المجتمع، وتوظيف كل الموارد البشرية والمادية في خدمة أفكار الجماعة وعناصرها.

والحديث عن التمكين ظل متداولًا بين أعضاء الجماعة والمهتمين بدراسة الجماعات والتنظيمات السياسية الإسلامية، المسلح منها والدعوي، إلى أن خرج إلى العلن، واضح المعالم عام 2005، حين ضبطت أجهزة الأمن المصرية وثيقة تسمى “خطة التمكين” مكونة من ثلاث عشرة صفحة، في مكتب المهندس خيرت الشاطر نائب مرشد الإخوان المسلمين، ضمن ما عرفت بقضية “سلسبيل”، التي قفزت وقتها إلى سطح الأحداث، وصارت محل تناول وتداول، امتد من النخب السياسية والفكرية إلى عموم الناس، عبر مختلف وسائل الإعلام.

ترسم الخطة أساليب التغلغل فى قطاعات الطلاب والعمال والمهنيين ورجال الأعمال ومؤسسات الدولة مثل الجيش والشرطة والإعلام والقضاء والأزهر والأوقاف والنقابات المهنية والتجمعات العائلية والقبلية والمنظمات الدولية لحقوق الإنسان والأحزاب السياسية وجماعات الضغط.

كما اعتنت الوثيقة بمد جسور الود مع الكتاب والباحثين والمفكرين الذين يبدون أي قدر من التعاطف مع الإخوان، ومدت مجال التغلغل أيضًا إلى الشرائح والفئات الاجتماعية الشعبية، مع رفع قدرة العناصر الإخوانية على التأثير فيها بغية استمالة الناس، باعتبار هذا يمثل رافعة قوية للتمكين، أو يمهد الطريق لما أسموه “فتح مصر”.

وقصد الإخوان بهذه التدابير حيازة قدرة فائقة في أي مواجهة للجماعة مع السلطة أو الدولة، بما جعل التمكين عندها عملية أكثر تعقيدًا وأكبر في الحسابات السياسية، من خلال الاحتواء وتوظيف الأجهزة والمؤسسات الرسمية في تحقيق أهداف الإخوان، مع إشعار أهل الحكم أن الإخوان لا يشكلون خطرًا عليهم، وأنهم لا يسعون إلى الحكم.

ورغم إشاعة ما ورد في هذه الوثيقة من أسرار، واتخاذ السلطة السياسية تدابير في احتواء أثرها، لم يتخلَ الإخوان عنها، سواء على مستوى الخطاب المستتر، أو الممارسة المراوِحة بين السرية والعلنية، ليجنوا ثمرة هذا عقب اندلاع ثورة 25 يناير 2011.

وقد قيمت الجماعة وضعها عقب رحيل مبارك، وظهورها قوة اجتماعية وسياسية على الساحة، على أنها قد ودعت مرحلة “الصبر”، وبلغت التمكين فعلًا، ما حكم تصرفها فيما بعد حين تخلت عن شعاريها الدائمين: “مشاركة لا مغالبة” و”لا نريد الحكم إنما نريد أن نُحكم بالإسلام”، وحصدت الأغلبية في مجلسي الشعب والشورى، ثم وصل أحد قيادتها وهو الدكتور محمد مرسي إلى رئاسة مصر.

لكن لم يمر وقت طويل، حتى اكتشف الإخوان، أن شعورهم بالوصول إلى هذه المحطة كان زائفًا، دون أن تتوافر لهم فرصة التراجع والبناء من جديد، كما كان يتم فيما سبق، لأن وصولهم إلى السلطة، أظهر الكثير من نواياهم وخططهم المستترة، وكشف عناصرهم وخلاياهم النائمة، لا سيما في دائرتي المنتسبين والمحبين أو المتعاطفين، حيث رُفع الغطاء عن كل الذين زرعوهم وجندوهم في مؤسسات الدولة والمجتمع المدني والأحزاب السياسية في أيام المحنة أو الصبر الإيجابي، وخلال وقت اعتبار التخفي والتمويه وتدرج الخطوات أسلوب حياة، لا يجب أن يحرف نظر الجماعة عن الغاية الكبرى، وهي بلوغ الحكم.

لقد اعتقد الإخوان، أن وقت التمكين قد أزف، حين جلسوا ليرتبوا أوراقهم عقب تنحي مبارك عن السلطة، مستندين إلى عدة أسباب منها، الهجوم الذي كان يتعرض له المجلس العسكري وقتها وهي الأولى، بهذا التكثيف والعمق، منذ وصول الضباط إلى الحكم عام 1952، وإصابة الشرطة المصرية بجرح غائر خلال ثورة يناير؛ لأنها كانت في صدارة قوى السلطة المستهدفة، لا سيما جهاز أمن الدولة، الذي لديه معلومات كاملة عن تنظيم الإخوان، وكذلك ضعف القوى الحزبية التقليدية، وتبعثر القوى الثورية المدنية الصاعدة إلى الساحة السياسية، وانطلاء خطاب الإخوان العاطفي الذي اندرج تحت لافتة “نحمل الخير لمصر” على قطاع من الجماهير، لا يستهان به، ووجود أطراف خارجية كانت لا تمانع في وصول الإخوان إلى الحكم، إن أدوا الدور الوظيفي الذي يؤديه نظام مبارك.

وبناء على تصورهم، من أنهم قد بلغوا مرحلة “التمكيين” بالفعل، اتخذ الإخوان من مصر محطة انطلاق نحو تحقيق، ما يسمونها “أستاذية العالم، وسخروا إمكانات الدولة لخدمة هذا الهدف، منطلقين مما أُطلق عليها “الأخونة”، وهي تمكين عناصر الجماعة من مؤسسات الدولة كافة، وتغيير المجال العام بالقدر الذي يتناسب مع مصالح الجماعة وخطابها، ويعوضها عما تم حرمانها منه في ظل استبعاد طويل لها من تولي الوظائف الكبرى، ويضمن استمرارها في الحكم أطول فترة ممكنة، دون أن يعطي الإخوان مسائل الإنجاز والكفاءة والشرعية المستقرة وزنها النسبي في الحسابات السياسية عقب الثورة.

وظهرت مؤشرات عديدة تدل على شعور الجماعة ببلوغها مرحلة التمكين، سواء على مستوى الخطاب، حيث التحول من السرية إلى العلنية، وإثارة جدل إعلامي واجتماعي واسع حول أحقية الإخوان كمسار سياسي ـ اجتماعي، يمثل بديلًا لنظام مبارك. أو على مستوى الحركة، حيث عمل الإخوان على تخلية الساحة من الجماعات الإسلامية الأخرى، بالاستيعاب والاحتواء والتحالف المؤقت تارة، أو الحصار والتفريغ من المضمون والتشويه، تارة أخرى، لتظل جماعتهم هي الممثل الوحيد للوجهة الإسلامية في الحياة السياسية والاجتماعية.

فوثيقة “فتح مصر” المربوطة بمشروع تمكين الإخوان، تعمل على تصفية كل الجماعات الإسلامية الأخرى، والعمل على أن يظهر الإخوان أمام الناس في صورة، من يمثل الإسلام، وحدهم دون غيرهم من جماعات التيار الإسلامي وتنظيماته وأحزابه الناشئة. صار هذا المسلك هدفًا أساسيًا، ينال بالتدريج من أي تعددية في الساحتين الدينية والاجتماعية.

 وهنا تقول وثيقة “فتح مصر” صراحة: “ينبغي علينا أن ندرك وجوب تصفية أي تيار إسلامي آخر، إما بضمه أو تفريغه أو احتوائه مع عدم استعجال النتائج. كما يجب أن ندرك أهمية أن نظهر أمام الناس في صورة من يمثل الإسلام”.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو: هل هناك ثمة مطابقة بين تصور جماعة الإخوان المسلمين عن “التمكين” وبين الرؤية المنضبطة شرعًا له، والتي يحملها ويُجملها القرآن الكريم، وصحيح السنة النبوية القولية والعملية؟

 أجيب في مقال الأسبوع المقبل على هذا السؤال.