يعد “التمكين” مشروعًا للتغيير الشامل لدى “جماعة الإخوان المسلمين”، ولذا فهو أحد المفاهيم الأساسية في فكرها، أو بالأحرى هو الهدف الرئيسي الذي تسعى إليه، سواء على المستوى الرمزي والمعنوي، فيرسخ تصورها؛ ليسود ما عداه، أو على المستوى المادي، فيجعل ركائز القوة في يدها، حين تراكم ثروة تحقق لها قدرة على تمويل أفعالها، إلى أن تؤول إليها السلطة السياسية في خاتمة المطاف، وبذا تكون لها السيادة في كافة مناحي الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.. إلخ.

ويسوق الإخوان هذه الفكرة في سياق حديثهم عن بناء أمة قوية قادرة على تطبيق شرع الله، حسبما يتصورونه، لكنهم من الناحية التطبيقية اختلفوا حول سبيل بلوغه، بين من يرون العنف طريقًا إليه، ومن يؤمنون بالتدرج في بناء الذات، وحمل المجتمع على تغير تدريجي، حتى لو استغرق هذا سنوات طويلة.

فمؤسس الجماعة حسن البنا، طرح التمكين في ظل سعيه إلى استتباب الأمر لجماعته، بما يؤهلها لحيازة استقرار وأمن، تنعم فيه بطرح فكرتها وتطبيقها، واضعا التمكين في إطار أركان عشرة للبيعة، أوردها في رسالة التعاليم وهي: الفهم، والإخلاص، والعمل، والجهاد، والتضحية، والطاعة، والثبات، والتجرد، والأخوة، والثقة، لتكوين جيل قادر على التمكين.

وفي رحاب الحركة السياسية الإسلامية بمعناها ومبناها العريض، أنتج مصطلح التمكين مفهومين أساسيين في أدبيات الجماعات السياسية الإسلامية هما: “جيل التمكين”، و”جيل النصر المنشود”، لترى في الأول هو “السبب في نشر الدين في الأرض، وبلاغ رسالة الإسلام”، وتصفه بأنه “جيل قرآني رباني، لا يحيا لنفسه، ولا يعيش دنياه فقط، بل جيلا، يصلح دنياه على منهاج مولاه، يعتز بالإسلام، ويعمل في جماعة، وينفع غيره، ويصبر على البلاء، ويحسن الحياة في سبيل الله، كما يحسن الموت في سبيله. يفتح البلاد ويهدي العباد إلى طريق الهدى وسبل الرشاد، “حيث” يجعل الله على يد هذا الجيل خلاص البشرية من أهوائها ونزعاتها، عن طريق تحكيم دين الله في عباده، وهيمنة منهاجه على خلقه، وفي أرضه”، ثم تفصل في شرح صفاته هذه، فتحددها في “سلامة العقيدة، والإلمام بالعلم، والأخذ بالأسباب، والحرص على صحة العبادة، ونشر الفضائل والقيم الإيجابية”.

وإذ ترى هذه الأدبيات، أن “الأمة المسلمة في مسيس الحاجة إلى جيل التمكين الذي يعيد إليها توازنها في الحياة، ويجعلها قادرة على ممارسة دورها وشهودها الحضاري في العالمين، فيما تحتاج إليه البشرية كلها؛ ليضبط لها معايير العدل ومقاييسه”، فإنها تحدد طريق ولادته ووجوده، حين تراه جيلا “لا يولد طفرة، ولا ينشأ هباء، إنما يتم إعداده وتربيته وتقديمه للبشرية” ما يعني لديها، أنه جيل “يحتاج إلى صناعة وانتظام، ولا بد أن تقوم به مؤسسة أو فئة، تتولى تربيته، حتى يربي الأمة، فتقود العالم إلى رشده ويسره وأمنه وسلامه.”

أما مفهوم “جيل النصر المنشود” فقد صكه يوسف القرضاوي، حين قال: “ينشأ في الأمة جيل مسلم مؤمن جديد، يستحق أن يسمى جيل النصر”، ثم توسع في وصفه قائلًا عن اتباع هذا الجيل في ثنايا كتاب له، حمل هذا العنوان، إنهم الفرقة الناجية، والطائفة القائمة على الحق، والفئة المنصورة، والخلف العدول، وإخوان رسول الله، والقابضين على دينهم، وأعجب الخلق إيمانًا، وهم جيل ربانية وإخلاص، كبير الآمال، لكنه يؤمن بالعلم والواقعية، يرفض العشوائية، ويكفر بالغوغائية، ويراعي قوانين الله في الكون، ويؤمن بأن العمل الجماعي لنصرة الإسلام واستعادة سلطانه فريضة وضرورة، من سأل عن جنسيتهم أو نسبهم وهويتهم، فهم مسلمون لا بالاسم واللقب، ولا بحكم الوراثة والبيئة، بل بالدراسة والبرهان، والتذوق والتخلق، جيل قوة وعزة، ودعوة وجهاد، غرباء ولكن يعايشون الناس، إنهم جيل يجسد الصحوة، ويمثل الصفوة، ويجسم القدوة، ويتقدم الصفوف ساعة النداء، ويتأخر عند تقسيم الغنائم، جيل تنزل به المحن، فلا تهزم إصراره، ولا تخمد ناره، ولا تطفأ نوره، ولا تغلب صبره، ولا تحطم عزمه، ولا تفقده أمله، ينظر إلى العصاة، كما ينظر الطبيب إلى المرضى، لا كما ينظر الشرطي إلى اللصوص، غيور على دينه متسامح مع مخالفيه، مؤمن بفكرته دون تعصب، يفرق بين الأصول والفروع، ولا تشغله الجزئيات عن الكليات، لا يهمل الجسم من أجل تصفية الروح، ولا يغفل الروح من أجل متاع الجسم، يمزح بين الروح والمادة، ويربط بين الدنيا والآخرة، يطالب نفسه بالحقوق التي عليه قبل أن يطالب غيره بالحق الذي له، نهاره نهار العاملين، وليله ليل القانتين، أواب تواب، يتمتع بالحلال، ولا تمتد عينه ويده إلى حرام.

ويضع القرضاوي ما يسميها “قوانين النصر”، والتي يجب أن يعيها الجيل الذي قصده جيدًا، وهي:

أ ـ النصر من عند الله “فمن نصره الله فلا يغلب أبدًا، ولو اجتمع عليه من بأقطارها، ومن خالفه فلن ينصر أبدًا، ولو كان معه العدد والعدة”، وأن الله “ينصر القلة، ومن ليس معه جيش ولا سلاح قط”.

ب ـ لا ينصر الله إلا من نصره.

ج ـ النصر كما لا يكون إلا للمؤمنين، فلا يكون إلا بالمؤمنين، وهؤلاء لا يهبطون من السماء، إنما ينبتون من الأرض، “وهم ليسوا نبتًا بريًا، يخرج بلا بذر، وينمو بلا جهة، ويثمر بلا رعاية، بل هو نبت يحتاج إلى زراع صادقين صابرين، يتعهدونه في مراحل نمائه بالسقي والتسميد ومقاومة الآفات، حتى يستوي على سوقه، ويؤتي أكله بإذن ربه”.

أما عن االهدف الذي يضعه القرضاوي لهذا الجيل، أو المهمة الموكلة إليه، فهي العودة بالإسلام إلى ينابيعه الصافية، وفهمه فهمًا صحيحًا متكاملًا، وهو في نظره: إسلام الحق والقوة، وإسلام العلم والعمل، وإسلام الجهاد والاجتهاد، وإسلام الشمول والتوازن، الإسلام الذي يجعل حياة الفرد كلها لله، الإسلام الذي يدعو للعدل، ولو كان لصالح أعدى معادية، والإسلام الذي يقاوم إلحاد الشيوعية، كما يقاوم طغيان الرأسمالية، والإسلام الذي يقاوم ظلم الحكام، وحكم الظلام، والذي ينتصر للضعفاء، حتى يأخذوا حقهم من الأقوياء.

ويبدو مما أورده القرضاوي وغيره، أن هناك تصورًا مثاليا لدى منظري الحركة السياسية الإسلامية لهذا الجيل، يرفع كل فرد فيه إلى “الإنسان الكامل”، وقد لا يكون في هذا غضاضة لدى أولئك الذين يجاهدون في سبيل ترقية الإنسان إلى أقصى حد ممكن، وهي مسألة فصل فيها المتصوفة، وحاول بعضهم، لكنها لم تنتج في الواقع، وعبر تاريخ طويل، سوى أفراد قلائل، بعضهم عرفه الناس، وخلدوا ذكره، وبعضهم كان من طائفة الأولياء المخفيين.

لكن أنصار الحركة السياسية الإسلامية، ورغم أنهم تحدثوا عن مجاهدة النفس، وجعل البنا من صفات الإخوان، أنهم “حقيقة صوفية”، فإن تربيتهم للأفراد ما كان له أن يتفادى تحقيق الانتشار الاجتماعي، ليصبحوا رقمًا معتبرًا في الحياة السياسية، وبذا لم تخلُ هذه التربية من النزعة المسيسة، وتخففت جوانبها الروحية والخلقية مع توالي دوائر الانتماء بين أعضاء عاملين، ومنتسبين، ومحبين، ودوائر ربط، ثم مجال عام، عنيت فيه الجماعة بالدعاية أكثر من اعتنائها بالتربية.

هذا الوضع جعل كل صفات “جيل التمكين” أو “جيل النصر المنشود”، كما وردت سابقًا، هي أقرب إلى الأيديولوجيا، التي تزعم الاكتمال بطبعها، وتصور معتنقيها، على أنهم يمتلكون “الحقيقة المطلقة”، فيما يرى القائمون على صناعتها، أنهم قد نجحوا في وضع الآليات الكافية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: كيف تنظر “جماعة الإخوان المسلمين” إلى “التمكين” ليس على مستوى الفكرة، إنما من الناحية الإجرائية؟

سأجيب على هذا السؤال في مقال الأسبوع المقبل.