أصبح لمن يطلق عليهم جيل “زد” خصوصية، يشار في كثير من الأحيان لمعالمها التي تنطبق عليهم، فهم الشباب الذين ولدوا في عصر التقنية، وهم رواد التكنولوجيا الأصليون والمستهلك الأول لها، لكنها فئة عمرية، تعاني على مستوى العالم كله من الانعزال والضغط الاقتصادي والخوف من المستقبل، مع سيطرة نزعة مادية عليهم، تجعلهم يُعلون المال على كل شيء.

ينظر البعض لـ”زد” كما لو كان جيلاً جديدًا، رغم أنها فئة تتراوح أعمارها بين 18 و28 عامًا حاليًا، وتعاني نفسيًا واجتماعيًا.

بحسب الدراسات، فإن 46% من المنتمين لـ”زد” على مستوى العالم لديهم تشخيص رسمي لمشكلة نفسية، و78% مدمنين لهواتفهم المحمولة، و40% يعانون التوتر، و80% قلقون حول مستقبلهم الاقتصادي، و38% يشعرون بالقلق معظم الوقت.

فمع مزيج من الضغوط وإدمان الإنترنت، توجه قطاع عريض من جيل “زد” نحو المخدرات عالميا، إذ جرب حوالي 32% منهم مخدرات أقوى، وتعاطى 49% منهم القنب“الحشيش”، مدفوعين أحيانًا بالتوتر أو ضغط الأقران، وغالبًا ما يحدث تعاطي المخدرات بالمنزل كملاذٍ للهروب من ضغوطات الحياة المنزلية أو للتأقلم مع المشاكل الشخصية.

زد أكثر الأجيال تضررًا على مستوى الصحة تاريخيًا

يعتبر “زد” أكثر الأجيال تضررًا على مستوى الصحة تاريخيًا، بسبب افتقارهم الرعاية الصحية بأسعار معقولة عالميًا، فـ10% من أبناء ذلك الجيل بالولايات المتحدةـ على سبيل المثالــ يعانون من اكتئاب حاد و40% فقط من تلك النسبة تلقت الرعاية اللازمة، و27.3% تلقوا علاجاً منتظماً للصحة النفسية .

جيل معولم يعاني من أوضاع متشابهة

بفضل التكنولوجيا الحديثة، أصبح جيل “زد” في العالم يعاني من المشكلات ذاتها، مخاوف تبدأ من التغير المناخي والبيئة وحتى المستقبل والعمل والاستقرار، فوفقًا لاستطلاع جامعة هارفارد، فإن نصف الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و 25 عامًا ( 45 %) يعتقدون بتضرر صحتهم النفسية؛ بسبب تغير المناخ بشكل عام، بينما  يشعر أكثر من اثنين من كل خمسة ( 44 %)، بأنهم غير مهمين للآخرين.

يُعبر واحد من كل ثلاثة (34 %) من المستطلعة آرائهم في دراسة هارفارد عن شعورهم بالوحدة، ويؤكد ذلك نتائج استطلاع جالوب لعام 2023، حيث أفاد حوالي واحد من كل ثلاثة من أبناء جيل زد الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و 26 عامًا، أنهم لا يشعرون غالبًا بالحب (31 %) أو الدعم (35%) من الآخرين.

بينما عبر (30%) منهم عن شعور دائم، بأن لا أحد يعرفهم جيدًا أو يهتم بهم جيدًا، كما تُغذي التكنولوجيا والسيل المتواصل من الأخبار السلبية والمقارنات الاجتماعية غير الصحية “الإحباط” لدى الكثير منهم، والذي ربما يجد طريقه نحو الانتحار.

جيل “Z”، لديه تركيبة مختلفة، فبعضهم لا يمكنه الاستمرار في عمل ثابت لمدة 3 أشهر، ويرى أن العمل في مكان ثابت؛ يتسبب في ضياع وقته دون فائدة من وجهة نظره، ولا يعتد كثيرا بالمؤهلات الدراسية، وتوجه حاليا نحو التجارة الإلكترونية وتوصيل الطلبات والمهن التي قد تدر عائدًا، دون بذل مجهود أو الاضطرار لـ”حبس الوقت داخل المكاتب”.

جيل “زد”، المولود بين عامي 1997 و2012، يمثل المال أهم عنصر في الحياة لديهم، فهم مستعدون للتضحية بالعمل من المنزل (41%)، والهوايات (37%)، والحياة الاجتماعية (34%)، بل والعلاقات الشخصية (19%)، وحتى مهام مثيرة في العمل (22%)، مقابل حصولهم على راتب أعلى، ويفضل 32% منهم شراء المنتج الأرخص، بينما أكد 37% حرصهم على البحث عن العروض والتخفيضات، بحسب العديد من الدراسات الحديثة.

النسخة المصرية

يحمل جيل زد بمصر نفس المشكلات العالمية، لكنه يمتاز في النسخة المصرية بمواكبة تغيرات مصر السياسية الأخيرة، بداية من سن الطفولة ومعايشتها ضغوطًا اقتصادية متتالية، وقرارات “إصلاح” بمرحلة الشباب، والتي ألقت بظلالها على أسرهم، أي أنهم “جيل وُلد وتربى في عنق “الزجاجة الاقتصادية” وعاش التقنية منذ طفولته المبكرة.

بحسب دراسة حديثة، يستخدم الشباب المصري مواد مختلفة، بما في ذلك الحشيش والمخدرات، والأدوية التي تُصرف دون وصفة طبية.

ومع ضعف الدخول الاقتصادية لذلك الجيل، ترك المخدرات التقليدية الغالية كالحشيش والبانجو، واتجه إلى “الكيميا” مثل “الاستروكس”، والتي يمكن تصنيعها منزليًا بمساعدة كتب الطب البيطري والكيمياء وبعض الأعشاب والمبيدات الحشرية، وتعطي هلوسة وفقدان وعي قد يغذيه عوالم التقنية التي يعيشون فيها.

تحتل المخدرات المُخلقّة مثل “الاستروكس” و”الفودو” و”الباودر” و”الشابو” المرتبة الثالثة لتعاطي المخدرات في مصر بنسبة 16%، وفق إحصائيات صندوق مكافحة الإدمان والتعاطي، وشملت أعمارا من سن مبكرة، خاصة المرحلة من 15 عاما إلى 30 عامًا.

الدكتور أحمد الكتامي، مدير البرامج العلاجية بصندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي، يقول إن الصندوق يستهدف دائمًا الفئات العمرية من 15 إلى 25 عامًا، لأنها كانت الأكثر اتصالاً للتعافي من الإدمان معقبًا: “الاكتشاف المبكر للمرض شيء مهم جدا، ونحرص دائما عليه.. والأسر كان لها أيضا اتصال كبير وطلبت المشاورات”.

أضاف “الكتامي”، في خضم حديثه عن حملات مكافحة المخدرات، أن متوسط الاستقبال اليومي للاتصالات كان يتراوح بين الـ100 و150 اتصالا في اليوم، وبعدها وصلت النسبة إلى 100% من 250 إلى 300 اتصال يوميًا، وهو ما قد يتم تأويله بطريقتين، إما تزايد الاستجابة وإما تزايد الإدمان.

مع تفضيل ذلك الجيل للمال وتعلقه بالإنترنت، أصبح قادرا على توفير وصفاته بنفسه بمجرد سؤال للذكاء الاصطناعي عن كيفية تصنيع مخدر مثل الأستروكس، يحصل المتصفح على قائمة كاملة بالمكونات التي يلعب فيها مخدر جراحات الحيوانات أساسها مع بعض الأعشاب مثل البردقوش والبخور.

يقول ه. م صاحب دار لعلاج الإدمان، إن الكثير من رواد المركز من سن جيل زد حاليًا، ومعظمهم يأتون في مرحلة صعبة؛ بسبب إدمان مخدرات مثل الآيس التي تحول عقل الإنسان إلى عدو له، بشك مرضي في جميع أفراد العائلة، وخوف هستيري بدون سبب منطقي، وذُهان.

يضيف ه. م، أن الحالات التي تأتيه من مستويات اجتماعية متفاوتة بين أبناء أسر فقيرة، تناولوه هروبا من مشكلات عائلية أو وضع اقتصادي صعب، أو أبناء أسر ثرية تناولوه من أجل التجريب أو للتغلب على مشكلات عاطفية، خاصة الحرمان الأسري.

مخدرات “الكيميا”.. مئات الأصناف وصعوبة في الرصد

د. عبد الرحمن حماد، مدير مركز علاج الإدمان بمستشفى العباسية سابقًا، يقول إن الفترة من 2009 وحتى 2018 شهدت رصد 514 مادة مصنعة بمعدل مادة واحدة كل أسبوع، ما خلق تعقيدات في المخدرات أعلى بكثير من المخدرات النباتية التقليدية.

يضيف أنه تم رصد أولاد في عيادة علاج الإدمان، يعرفون كيفية صُنع الأنواع الجديدة من المخدرات بأنفسهم، مضيفا أن الأخطر إمكانية تصنيعها من مواد خام أساسية للأدوية الطبية، وهي كارثة، تصعب من رصدها وتتبعها.

أضاف أن أشهر تلك المواد الكيتامين المستخدم في التخدير، ويدخل في صناعة الأستروكس، والإيفيدرين وهو من المواد المنشطة، ويستخدم في تصنيع أدوية أدوار البرد (لتخفيف الاحتقان الأنفي وعلاج الربو وتوسيع القصبات الهوائية).

أضاف أن تلك المواد الأولية الطبية يتم تهريبها من السوق السوداء واستخدامها في مخدرات مثل “الشابو”، المعروف أيضًا بالآيس والكريستال، خاصة الفيدرين الذي تضاعف إنتاجه عالًميا، ورغم أنه كان مخدرا رخيصا بجرام لا يتعدى 250 جنيهًا في 2020 أصبح أغلى من الكوكاين، ووصل لـ1400 جنيه في 2024 مع زيادة الطلب عليه.

الفودو عبارة عن مزيج من نبات عطري، مثل البردقوش أو البخور يستخدم كقاعدة للمخدر، الذي يكون أقوى بمئة ضعف من الماريجوانا الطبيعية، أما الأستروكس فمن نبات عطري أيضًا مثل البردقوش والبخور ثم يُرش بمواد طبية فعالة، تُستخدم كمسكنات للألم في حالات التقلصات أو آلام المعدة، مثل الأتروبين والهيوسين والهيوسيامين.

أوضح أن المخدرات يتم تقسيمها لنوعين هما: مخدرات منشطة وأخرى مهلوسة، والآيس من المخدرات المنشطة التي تنشط الجهاز العصبي المركزي بشكل لحظي، فيخلق نشاطا زائدا وحركة وكثيرا من الكلام ورغبة في الجنس، وهذا ما جعل بعض الشباب يقعون فريسة له بإغراءات ساعات العمل أو المذاكرة الأكثر.

لكن تأثيراته على المدى القصير في صورة هلاوس، وعلى المدى البعيد لها تأثير على إفراز الجسم لـ”الدوبامين”، فتظهر أعراض شبيهة بالشلل الرعاش والترنح، وصولا إلى تدمير الإنسان حياته؛ بحثا عن المخدر بأي وسيلة، فهي مواد شديدة الإدمانية، تخلق سلوكا عنيفا أثناء التعاطي أو حتى أثناء الانسحاب منه.

جيل جديد من المخدرات التخليقية

في دراسة تم إجراؤها على خمسين حالة تتراوح أعمارهم بين 15- 35 عامًا (أغلبهم ضمن فئة جيل زد”، تعرضوا لأزمة صحية؛ بسبب المخدرات، كانت نسبة المخدرات المصنعة 68%، وكان الفضول الدافع الأكثر شيوعًا لاستخدامها .

كانت الأعراض الناتجة عن الاستخدام، تغييرات في الإدراك بنسبة 68% وفقدان الوعي، والتشنجات، ونوبات الهلع. وشملت الآثار الجانبية القلبية الوعائية التي عانى منها المستخدمون الخفقان (76%) وألم الصدر (12%). وأبلغ نصف المشاركين (50%) عن مشاكل مالية، وتعرض حوالي ثلثهم (32%) للعنف الأسري.

أظهرت نتائج الفحوصات المخبرية الروتينية غير الطبيعية في الحالات المشمولة بالدراسة فقر الدم بنسبة 12%، وكثرة كرات الدم البيضاء بنسبة 10%، وقلة كرات الدم البيضاء بنسبة 6%. كما لوحظ ارتفاع في وظائف الكبد والكلى بنسبة 8% و4% من الحالات على التوالي. في حين كانت نتائج اختبارات التهاب الكبد الوبائي سي إيجابية بنسبة 22%، وفيروس نقص المناعة البشرية إيجابية بنسبة 4%.

الدكتور عبد الناصر عمر، أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس يقول إن الهيدرو والأستروكس والشابو والفودو والآيس، تمثل جيلا جديدا من المخدرات التخليقية، وأصبحت تمثل خطرًا قوميًا، يهدد مستقبل مصر، موضحا أن سن التعاطي أصبح صغيرا مع انتشار هذه المواد وسهولة الحصول عليها.

كان المراهقون الفئة الأكثر استخداماً للقنب الصناعي؛ فالآثار الجانبية العصبية والنفسية والقلبية الوعائية كانت الأكثر شيوعاً بين المشاركين، كما ارتبط العنف بأشكاله المتعددة، وخاصة العنف الأسري، بتعاطي المخدرات غير المخلقة.

أشار عمر، إلى المخاطر الصحية والنفسية المخدرات المصنعة، إذ تسبب الهلاوس السمعية والبصرية، وتحول المتعاطي أو المدمن لإنسان عدواني عنيف سريع الغضب، وتسبب القلق والتوتر والاكتئاب والاضطرابات الذهانية والفصامية، وبعض أنواعها يُحدِث الإدمان من أول جرعة تعاطي.

أضاف عمر، أنها تسبب شعورًا بالعظمة والهوس، فالمتعاطي يشعر بأنه لا يمكن لأي شيء التأثير فيه، وبعد انتهاء تأثير المخدر يدخل في اكتئاب شديد وحالة من الحزن العميق، ويحاول البحث عن المادة المخدرة بأي وسيلة، وهي فترة قد يقدم فيها على أي تصرف سيئ أو ارتكاب جريمة.