“هناك قوتان عظميان بالعالم. الولايات المتحدة الأمريكية ووكالة موديز. وقد تكتشف يومًا أيهما أقوى”.. تجسد تلك العبارة للصحفي الأمريكي الشهير توماس فريدمان، قوة وكالات التصنيف الائتماني عالميًا، وقدرتها على خنق اقتصاديات الدول، بأسلحتها التقليدية المتمثلة في التقارير المالية، التي قد تغلق صنبور تدفق الاستثمارات على دولة وتفتحه على أخرى.

تلعب وكالات التصنيف الائتماني الثلاث الكبرى “موديز، وستاندرد آند بورز جلوبال، وفيتش”، دورا مهما عالميًا في تحديد وجهة الاستثمارات، فالمستثمرون يلجأون للتقارير الصادرة عنها قبل دخول الأسواق الأجنبية، وذلك رغم الاتهامات المستمرة لها من عقود، بالتحيز والعمل ضد مصالح الدول النامية، خاصة الإفريقية.

تهيمن “ستاندر آند بورز” و”موديز” على تصنيف أكثر من 80% من إصدارات الدين حول العالم سواء للشركات أو البنوك وبإضافة “فيتش” الأقل منهما قيمة، ترتفع نسبة الوكالات الثلاث لتتراوح بين 90% و95% من سوق إصدارات الديون عالميًا.

الفجوة الكبيرة في التصنيفات بين الوكالات الثلاث تشير إلى وجود أخطاء في التحليلات، والتي لها عواقب وخيمة، فهي ترفع تكلفة رأس المال، وتشير التصنيفات المنخفضة إلى مخاطر أعلى، وتدفع المستثمرين للمطالبة بأسعار فائدة أعلى للتعويض عن تلك المخاطر، وعندما يتم تخفيض التصنيف السيادي لدولة ما، ترتفع تكاليف اقتراضها، إذ يتعين عليها دفع فوائد أعلى على نفس مبلغ الدين، ويقلّ احتمال حصولها على تمويل للتنمية.

وقائع فجة لتصنيفات خاطئة

شهدت السنوات الثلاث الماضية أمثلة بارزة على اختلاف وكالات التصنيف بشكل كبير في قراراتها، خاصة في التعامل مع إفريقيا، مثلما حدث مع البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد، فبين يونيو 2025 ويونيو 2026، توصلت الوكالات الثلاث الكبرى إلى استنتاجات مختلفة جوهرياً بشأن الجدارة الائتمانية للبنك، وقد سلط الاتحاد الإفريقي الضوء على هذه التصنيفات المعيبة.

الأمر ذاته تكرر مع خفض وكالة فيتش للتصنيف الائتماني تصنيف مجموعة دانجوت الصناعية النيجيرية المحدودة في 6 أغسطس 2024، وقد أرجعت ذلك إلى مخاطر مرتبطة بإنشاء مصفاة نفط، وبعد عام، أثبتت المصفاة أنها مشروع تحويلي أعاد التوازن إلى الوضع التجاري لنيجيريا، حيث خفضت واردات البلاد، وزادت إنتاجها المحلي.

كيف يمكن للدول الإفريقية الفكاك؟

في حالة البنك الإفريقي للتصدير والاستيراد، خفّضت وكالة فيتش تصنيفه مرتين من BBB إلى BBB- في يونيو 2025، ثم إلى BB+ في يناير 2026، قبل أن تسحب تصنيفها نهائيًا. وهذا يعني أن فيتش توقفت عن منح التصنيفات للبنك بعد إلغاء عقدها معه.

في المقابل، حافظت كل من وكالتي موديز وستاندرد آند بورز على تصنيفات استثمارية، حيث منحتا البنك نفسه Baa2 وBBB+ على التوالي، وهذا يُمثل فرقًا بثلاث درجات بين فيتش وستاندرد آند بورز لنفس المؤسسة.

عندما خفضت فيتش للتصنيفات الائتمانية تصنيف شركة دانجوت للصناعات، قررت الشركة إنهاء عقدها معها؛ لأن التعاقد لم يعد مجديًا من الناحية التجارية، وركزت على تصنيفات وكالات التصنيف الإفريقية، وبعد عام، حوّلت مصفاة دانجوت للنفط نيجيريا إلى مُصدِّر إقليمي، وعززت أمنها الطاقي.

كينيا مثال آخر، إذ خفضت وكالة موديز تصنيفها، بعد أن تراجعت الحكومة عن زيادات ضريبية مُخطط لها استجابةً لاحتجاجات شعبية، وقررت وكالة ستاندرد آند بورز الانتظار حتى ميزانية كينيا في أغسطس 2024.

أدى خفض موديز للتصنيف إلى انقسام في تصنيف كينيا بين موديز وستاندرد آند بورز بمقدار درجتين. وفي غضون ستة أشهر، تراجعت موديز عن قرارها برفع التوقعات، متجاوزةً “مستقرة” إلى إيجابية. ومن النادر جدًا أن تُراجع وكالة تصنيف توقعاتها في غضون ستة أشهر، وأن تتجاوز درجة واحدة.

ما الذي يجب تغييره؟

يمثل اتساع الفجوة في التصنيفات الائتمانية بين وكالات التصنيف الدولية الثلاث فرصة للدول الإفريقية ومؤسساتها، فبدلاً من قبول تقييمات التصنيف الائتماني، التي يثبت قصورها التحليلي، يجب على الدول الإفريقية ومؤسساتها مراجعة هذه التصنيفات، ما يساعد وكالات التصنيف على أن تكون أكثر دقة وشمولية، كما سيلفت انتباه المستثمرين الدوليين إلى التصنيفات المعيبة.

تحتاج الكيانات الإفريقية أيضًا إلى تنويع مصادر تصنيفها الائتماني وعلاقات التمويل الخاصة بها بعيداً عن الأسواق الغربية. وقد أظهرت وكالات التصنيف المحلية فهماً أعمق للواقع المحلي، ويجب أن تكون وكالات التصنيف أكثر موضوعية، فلا ينبغي أن تؤثر آراء المحللين وإحباطاتهم على عملية التصنيف.

جانيت تافاكولي، رئيسة شركة تافاكولي للتمويل المهيكل، ترجع بالذاكرة لعام 2008، والإخفاقات المنهجية لوكالات موديز، وستاندرد آند بورز، وفيتش في تصنيف منتجات التمويل المهيكل أحد أبرز الإخفاقات التنظيمية في التاريخ المالي الحديث. فقد ساهم عجزها عن التقييم الدقيق للمخاطر الائتمانية، إلى جانب تضارب المصالح ومشاكل المنهجية، بشكل مباشر في الأزمة المالية العالمية عام 2008.

أضافت أن العواقب طويلة الأمد تجلت في أيسلندا، التي كانت تتمتع بتصنيف AAA مبالغ فيه قبل انهيارها عام 2008، وحافظت على تصنيف A قوي بعد تعافٍ صعب، بينما الولايات المتحدة- التي كانت تُعتبر الملاذ الآمن- خُفِّض تصنيفها بشكل منهجي من قِبَل الوكالات الثلاث بين عامي 2011 و2025، ففقدت تصنيف AAA من الوكالات نفسها، التي ساهمت في الأزمة.

وأوضحت أن التعافي يتطلب الاعتراف بعمق هذه الإخفاقات، وتنفيذ إصلاحات شاملة، ومحاسبة وكالات التصنيف على دورها في تمكين عمليات الاحتيال المالي واسعة النطاق. وإلى حين إجراء تغييرات جوهرية، سيظل النظام المالي العالمي عرضةً لأزمات مماثلة ناجمة عن سوء تصنيف منتجات التمويل المهيكل.

شد وجذب مع مصر

على مدار الـ 15 عاما الماضية، شهدت العلاقة بين الاقتصاد المصري ووكالات التصنيف الائتماني قدرا من الشد والجذب، ففي عام 2023  أبدى الدكتور محمد معيط وزير المالية (حينها)، قدرًا من عدم الرضا عن تصنيف مصر من قبلها.

معيط، الذي أصبح حاليًا المدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي، قال في 2023 إن “التقارير الدولية التي تصدر عن الاقتصاد المصري فيها قدر من عدم العدالة، ومبالغة من المؤسسات الائتمانية العالمية بشأن النظرة المستقبلية لاقتصاد مصر، الذي تعرض لضغوط، ومر بظروف صعبة من بينها، أزمة كورونا التي فقدت خلالها وزارته 400 مليار جنيه من الإيرادات في مقابل زيادة الإنفاق 200 مليار جنيه”.

شهد التصنيف الائتماني لمصر خلال عامي 2022 و2023 العديد من التطورات على إثر التداعيات المرتبطة بالصراع الروسي الأوكراني، فوفقًا لوكالة استاندرد آند بورز تم تخفيض التصنيف الائتماني لمصر من B إلى B- في 25 أكتوبر 2023، وبالمثل تراجع التصنيف الائتماني لمصر وفقًا لوكالة موديز من B2 في مايو 2022 إلى B3 في فبراير 2023، ثم إلى Caa1 في 6 أكتوبر 2023. أما بالنسبة لوكالة فيتش فتراجع التصنيف الائتماني لمصر من B+ إلى B في مايو 2023، ثم تراجع مرة أخرى إلى B- في 3 نوفمبر 2023.

الملاحظ أن تقارير وكالات التصنيف الائتماني جاءت وقتها في ظل شد وجذب بين مصر وصندوق النقد الدولي، فيما يتعلق بتحرير جديد لسعر صرف الجنيه المصري رغم المخاوف حينها من التبعات السلبية للقرار على مستوى معيشة المواطنين، إذ رأى الصندوق أن القرار يرفع احتياطي النقد الأجنبي.

مع قرار البنك المركزي بتبني مرونة الصرف الكاملة ورغم انخفاض الجنيه وارتفاع التضخم لمستويات قياسية بعدها، تغيرت وجهة نظر وكالات التصنيف في 2025، إذ قررت ستاندرد آند بورز رفع وتحسين درجة تقييم الاقتصاد المصري من B-إلى درجة B ، كما قررت فيتش تثبيت درجة التقييم مع نظرة مستقبلية مستقرة،

 وظلت مصر لمدة 7 سنوات بعد 2013، تعاني من خفض التصنيف الائتماني، حتى جاءت وكالة «ستاندرد آند بورز» ورفعت التصنيف الائتماني لمصر من «B-» إلى درجة «B» لأول مرة في ٧ سنوات، مع نظرة مستقبلية مستقرة، في 11 أكتوبر 2025.

الخبير الاقتصادي هاني توفيق، يقول إن وكالات التصنيف الائتماني لا تهتم بقوة الاقتصاد أو النمو أو حجم الاستثمارات، وكل ما يشغل بالها هو وضع نفقات الدولة وإيراداتها في جدول للتدفقات النقدية المستقبلية؛ لتبين ما إذا كان هناك فوائض مالية سنوية كافية لسداد ما على هذه الدولة من ديون بمواعيدها المحددة.

 وافق مجلس الوزراء أخيراً على تجديد تعاقد وزارة المالية مع مؤسستي التصنيف الائتماني “موديز للتصنيف الائتماني، وفيتش للتصنيف الائتماني”، واستمرار التعامل مع مؤسسة “أس آند بي جلوبال للتصنيف الائتماني”، لتقديم خدمات التصنيف الائتماني، فضلًا عن الإصدارات الدولية، ربما حان الوقت لتوسيع التعامل مع المزيد من الوكالات الآسيوية، خاصة أن مصر تركز على الأسواق اليابانية والصينية في طروحاتها أخيرا كطروحات الباندا والساموراي.