بجانب الصراع العسكري، تأخذ الدعاية والحرب النفسية مساحة متنامية في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، حيث تستخدم إيران أساليب متعددة، تشهد تحولات في الخطاب والأدوات، وفي الساحات المستهدفة أيضاً. ولم تعد هذه الدعاية محصورة في الداخل أو في المحيط العربي والإسلامي ودول الجنوب، بل امتدت لتستهدف الجمهور الأوروبي والأمريكي، إضافة إلى محيطها الأوسع في آسيا. وتوظف إيران في ذلك مزيجاً من الثقافات، من موسيقى الهيب هوب إلى الأنيمي وألعاب الليغو وأفلامها، لتقديم سرديتها وتحقيق حضور إعلامي وجماهيري واسع، لفت انتباه مراكز الأبحاث.

ضمن هذا السياق، يندرج مفهوم حرب المعلومات والحرب النفسية، إذ إن السخرية والميمات لا تعمل كأشكال ترفيهية فقط، بل تحمل مضموناً وموقفاً ومعلومة، تنقله البيئة الرقمية. ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي وتصاعد توظيف الميمات الثقافية، تتحول هذه الوسائط إلى أدوات فاعلة في تشكيل الوعي العام وإعادة إنتاج السرديات السياسية.
الأسلوب وحالة الانتقال في الخطاب والأدوات
يتضح انتقال الخطاب الإيراني من الشعارات التقليدية مثل “الموت لأمريكا” إلى إنتاج محتوى رقمي موجه للجمهور العالمي، يوظف الثقافة الشعبية من موسيقى الهيب هوب إلى مجسمات الليغو. ويوازي ذلك انتقال من الخطاب الرسمي وبيانات الحرس الثوري إلى محتوى يستهدف فئات عمرية أوسع، تشمل الشباب والمراهقين، وكذلك جيلاً أكبر نشأ على ثقافة الأنيمي، وأصبح اليوم في الثلاثينيات والأربعينيات.
ويأتي التحول ضمن انتقال تاريخي من النص إلى الصورة والفيديو، بما يعكس تطوراً في أدوات الدعاية الإيرانية، يقوم على توظيف مكثف للتكنولوجيا، باعتبارها وسيلة مركزية لنقل الرسائل وتوسيع نطاق تأثيرها داخلياً وخارجياً.
وفي هذا السياق، تشير ورقة صادرة عن مركز سفيان، إلى أن الحالة الإيرانية تمثل نموذجاً متقدماً في التحول من الخطاب الأيديولوجي التقليدي إلى منظومة رقمية، تعتمد على المحتوى التفاعلي سريع الانتشار. ويشمل ذلك استخدام الفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي إلى جانب توظيف عناصر من الثقافة الشعبية الغربية مثل الألعاب والأنيمي، بما يعيد تشكيل إدراك الجمهور للصراع عبر تداول المحتوى على منصات متعددة، بما فيها حسابات رسمية مثل بعض السفارات الإيرانية.
الخميني من آلة التصوير إلى الكاسيت: بنية الوسيط الإعلامي
نعود إلى التاريخ ليكشف هذا التوجه؛ فقد كان آية الله الخميني، يمتلك نفس الحسّ تجاه الوسائط الحديثة، إذ تشير مصادر تاريخية، إلى أنه أولى اهتماماً بشراء ماكينات تصوير؛ لتسهيل نشر محاضراته وتوزيع خطبه، لمن لم يتمكنوا من حضور الدروس في الحوزة العلمية بقم، ومع توسع الإمكانات التقنية لاحقاً، قام باقتناء عدد أكبر منها.
جاء ذلك في مرحلة كان نقده للشاه هادئاً نسبياً، وقبل اندلاع الثورة بنحو عقدين، ومع انتقاله لاحقاً إلى العراق ثم فرنسا، انقطع التواصل المباشر مع جمهوره في إيران، لكنه لم يتوقف فعلياً، إذ استمر في تسجيل خطبه ورسائله الموجهة إلى قطاعات غاضبة ومؤيدة للتغيير داخل المجتمع الإيراني، في سياق حركة اجتماعية وسياسية، كانت تتسع وتتعدد تياراتها، لكنها رأت فيه مرجعاً قيادياً “مرشدا”.
لاحقاً، أصبح الكاسيت الوسيلة المركزية لنقل هذا الخطاب، حتى أطلق عليه البعض “ثورة الكاسيت”، كما وُصفت ثورة يناير لاحقاً بـ”ثورة الفيسبوك”، وهو توصيف يعكس في جزء منه نزعة لربط التحولات السياسية بالوسائط، أكثر من فهم مضامينها العميقة، والاهتمام بأدوات الاتصال ضمن عملية التعبئة الثورية.
ويبدو أن الخميني أدرك مبكراً أهمية الكاسيت المضغوط منذ الستينيات، وقبل الثورة بعشر سنوات، كان واسع الانتشار، فاعتمده كأداة لنقل رسائله إلى جانب ظهوره الإعلامي. موجها رسائله إلى الفقراء والمستضعفين، وكذلك إلى عناصر الدولة ومؤسساتها، بما في ذلك جنود الجيش، ودعا الشباب إلى عدم مهاجمتهم، مؤكداً أن المواجهة مكلفة وخطرة على مسار الثورة، وكان الحل البديل الذي قدمه نزع سلاح الجيش لكن كيف؟
هنا وعبر الرسائل الصوتية، دعا أفراد الجيش إلى عدم قتل “إخوانهم”، وهو خطاب ساهم في دفع آلاف الجنود إلى الانسحاب من المواجهة لاحقاً، ما أضعف تدريجياً قدرة المؤسسة العسكرية على التصدي، وخلق حالة من التفكك مقابل تصاعد الحركة الثورية ضد نظام الشاه.
زمن الليغو والأنيمي: تحديث أدوات الدعاية
تظهر أداة الدعاية الإيرانية بدرجة عالية من التطور، تستند إلى دافع أخلاقي أو حق الدفاع عن النفس، وتوظيف أدوات تكنولوجية ومعرفية وأساليب دعاية حديثة.
يشمل ذلك الفيديوهات المولدة بالذكاء الاصطناعي، والناقدة للسلوك الأمريكي وتصريحات قادته، وخاصة ترامب، فيما يتعلق بقدرته على فتح مضيق هرمز بالقوة، أو فرض إيران إجراءات مرور، إضافة إلى مواقف إيران تجاه إسرائيل ومواقف القوى الدولية، وغيرها من القضايا حول حق الشعب الإيراني بالعيش دون حصار.
وكذلك إدانة الهجمات على المدارس والمصانع والمنازل بأوامر صادرة من قادة، وبأموال تنفق على السلاح من جيوب دافعي الضرائب، وتدخل في خزائن شركات السلاح، وبسلوك من متورطين في قضايا فساد أخلاقي، كما قضية أبستين، والتي كانت موضوع أحد المقاطع.

وقد شهدت هذه الأشكال انتشاراً واسعاً، وما زال جمهورها يتوسع، لأن الجيل الذي نشأ على الأنيمي أصبح اليوم في الثلاثينيات، بينما جمهور الليغو أصغر سناً، ويقع غالباً في العشرينيات، ما يجعل هذه الأدوات قادرة على الوصول إلى فئات عمرية متعددة.
في بعض المقاطع، تظهر شخصية إيرانية على طراز “ليغو”، تمثل مقاتلاً أو ثورياً في بيئة جبلية، تحمل أسلحة وصواريخ، وهو نموذج يجمع بين الطابع الترفيهي والرسالة السياسية، وتبدو واقعية، ومصنوعة بثقافة أبنائها.
في السياق، نقلت لوس أنجلوس تايمز عن مجموعة تنتج هذه المقاطع المصورة، أنها مستقلة لا تربطها أي صلة بالحكومة.
وقالت المجموعة لوكالة أسوشيتد برس عبر تطبيق تيليجرام: “لا نتلقى أي تمويل. نحن مجموعة من الأصدقاء، ندفع ثمن الإنترنت بأنفسنا، ونستخدم أجهزة الكمبيوتر الخاصة بنا، نقوم بالإنتاج والتحميل من داخل إيران، نهدف لمواجهة هيمنة الغرب على المشهد الإعلامي، لأنهم من خلال هذه القوة، فرضوا رواياتهم على العديد من الدول.
ما تقوله المجموعة، قد يكون صحيحا، لكن لا يلغي الصلات بينهم وبين السلطة، أو أنهم أحد أبنائها، بجانب فكرة الالتفاف حول العلم في الأزمات، غير أنهم يتعلمون ويستفيدون من التكنولوجيا، وسبق واستخدمت هذه الطريقة في سياقات سابقة.
الحرب الروسية الأوكرانية وتوسع الميمات والذكاء الاصطناعي
ليست هذه المرة الأولى التي تُستخدم فيها الميمات، فقد تطورت لتشمل صور الذكاء الاصطناعي في السنوات الأخيرة، فبعد الحرب الروسية الأوكرانية 2022، استخدمته موسكو في حملاتها الدعائية إلى جانب أساليب الدعاية الهزلية مثل شخصيات الليغو.
ويرى محللون، أن الجهد السيبراني أصبح جزءاً أساسياً من استراتيجية “بقاء النظام” الإيراني، إلى جانب الرد العسكري على أهداف أمريكية وحليفة، وإغلاق مضيق هرمز.
يقول دارين لينفيل، المدير المشارك لمركز التحليل الإعلامي بجامعة كليمسون ومؤلف دراسة حول تكتيكات إيران:
إنها حرب غير متناظرة بكل معنى الكلمة. استخدام الذكاء الاصطناعي مثير وبمعدل غير مسبوق، وإيران تستخدم كل ميزة متاحة لديها. كانوا يستعدون لهذا الصراع، وهم يفهمون بيئة الإعلام بشكل جيد.
وكان المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، الذي اغتيل، قد أدرك أهمية الإعلام، وصرّح في اجتماع عام 2024، أن: “الإعلام أكثر فعالية من الصواريخ والطائرات المسيّرة في إجبار العدو على التراجع والتأثير على القلوب والعقول”.
يبدو أن كل حرب هي أيضاً حرب إعلامية، والطرف الذي يمتلك نفوذاً، يحقق أهدافا في ساحة الجمهور، ويؤثر في تشكيل إدراك الأحداث ومساراتها.
والوعي الجمعي والسخرية
يتزايد خلال الحرب استخدام المواد البصرية التي تنتقد المسؤولين الأمريكيين، وغالباً ما يمزج هذا الأسلوب بين عناصر مثل، ألعاب “ليغو” وكارتون الأنيمي، وبين الصور الجادة للحرب والهوية الوطنية.
ويُعد ذلك نمطاً شائعاً في الإعلام الرقمي؛ يهدف إلى تقريب الرسائل السياسية وتوسيع انتشارها، عبر استدعاء الحس الطفولي لدى البالغين وجذب الفئات الأصغر سناً في الوقت نفسه.
وفي الحالة الإيرانية، يُوظَّف الأسلوب ضمن محاولة التأثير في الوعي الجمعي عبر وسائط سريعة الانتشار، تقوم على المفارقة والدهشة، وتخاطب جمهوراً واسعاً، يمتد من الشباب إلى من نشأوا على هذه الثقافة البصرية، في إطار سردية تسعى إلى بناء صورة بديلة داخل فضاء إعلامي مفتوح.
وفي صحيفة لوس أنجلوس تايمز، أشار الصحفي سام ماكنيل، إلى أن “الميمات التي يولدها الذكاء الاصطناعي، تُستخدم كسلاح لتقويض الرسائل الأمريكية والإسرائيلية، عبر استهداف جماهير أمريكية بمحتوى مشبع بإشارات الثقافة الشعبية”.
ويشير ذلك إلى تحول الحرب إلى معركة على الجمهور، تُقدّم فيها إيران ضمن صورتين متقابلتين: قوة وصدق في مقابل ضعف الغرب وتناقضاته، مع توظيف مركز لخطاب المظلومية عبر تصوير الهجمات على المدارس والمستشفيات والجامعات.
وبذلك تتحول الحرب في الفضاء الإعلامي إلى صراع على تشكيل الإدراك العام، ضمن استراتيجية تقوم على استثمار موارد محدودة لإلحاق ضرر بالخصم، مع توظيف التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز كأداة ضغط على حركة التجارة العالمية. وفي هذا السياق، تُستخدم أدوات دعاية قادرة على الوصول إلى بيئات متعددة في أمريكا وأوروبا واليابان، مستفيدة من جاذبية الأنيمي.
ترامب والخطاب الأمريكي
يجري تقديم ترامب في بعض المواد كمسن ضائع، لا يتذكر وإن تذكر لا يقول الحقيقة، فهو كذاب أشر، ويناقض أقواله، في صورة تلخصه بعبارة دارجة، يقولها فتيان مصريون: “دا ضايع”، أي خارج السياق، تائه بلا رؤية أو خطة.
تقول صحيفة ذا هيل: إيران تجعل من وسائل التواصل الاجتماعي جبهة رئيسية في حربها ضد أمريكا.
“القوة الحادة هي محاولة متعمدة لزعزعة استقرار خصمك من خلال جعله يبدو سيئاً، أو من خلال استخدام أنظمته الخاصة ضده”، هذا ما قالته بريا دوشي، المحاضرة الجامعية في الاتصالات الاستراتيجية في جامعة هيرست الأمريكية.
تُعد مقاطع الفيديو والتعليقات الموجزة بمثابة رد على حملة إدارة ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي التي شنت في بداية الحرب.
حيث استخدم مقاطع فيديو مولدة بالذكاء الاصطناعي، تمجد الهجمات على إيران من خلال دمج مشاهد من ألعاب الفيديو وصور من أفلام الحرب الأمريكية.
وقد أثارت ردود فعل غاضبة في الولايات المتحدة؛ بسبب استخفافها بتكاليف الحرب.
يسرد باتريك وينتور في الجارديان حول أسلوب دعاية ايران: أنه من أغرب جوانب الحرب وأكثرها إثارة للدهشة، أن دولة معروفة بهيمنة رجال دين محافظين مهووسين بالثقافة والإعلام الغربيين، تهيمن على حرب وسائل التواصل الاجتماعي، وتطلق العنان لمحاربيها التقنيين من جيل زد؛ للتواصل مع الجماهير الغربية بسخريتها واستهزائها بإدارة ترامب.
على النقيض من ذلك، فإن دونالد ترامب، الذي انخفضت شعبيته الآن إلى مستويات عزل ريتشارد نيكسون، لا يستطيع التوقف عن ارتكاب الأخطاء، حيث اضطر إلى حذف منشوره الكارثي على موقع Truth Social الذي شبه فيه نفسه بالمسيح، وسمح لنفسه، بأن يتم التلاعب به ليضع نفسه في موقف، يتحمل فيه مسؤولية تجميد التجارة العالمية.
بينما تقول نانسي سنو، الأكاديمية المتخصصة في الاتصالات والدبلوماسية، إن قول الحقيقة هو أفضل دعاية، وهو عنوان كتاب لها عن السياسة الإعلامية في عهد الرئيس كنيدي.

وتضيف حول دعاية إيران: “إنهم يستخدمون الثقافة الشعبية ضد الدولة الأولى في الثقافة الشعبية، وهي الولايات المتحدة”. وهي تحلل هذه المواد، وسابقا كتبت عن سرد اليابان والولايات المتحدة لتاريخها للعالم، وسبق وعملت في وزارة الخارجية الأمريكية (1992ـــ 199).
واليوم تبحث في كيفية سرد القصص في الصين وكوريا، وإدارة صورة الدولة والمعلومات، والدبلوماسية الرقمية.






