كانت محطة “كانيو” Kagnew التي أنشأها الجيش الأمريكي في أسمرا عام 1943، واحدة من أهم قواعد الاتصالات الأمريكية عالميًا حتى ظهور الأقمار الصناعية. غير أن واشنطن تخلّت عنها عام 1973، قبل أشهر من سقوط نظام الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي في أكتوبر 1974، في سياق اتسم بفشل الأخير في تأمين دعم أمريكي خلال زيارته إلى واشنطن ولقائه بالرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في مايو 1973، فضلًا عن تجاهل أمريكي لتداعيات انهيار نظامه، ومعاملة بدت أقل احتفاء مقارنة بزياراته السابقة.
في ذلك التوقيت، سعت إسرائيل إلى الضغط على الولايات المتحدة لتعديل موقفها من الإمبراطور، بهدف احتواء تداعيات سقوطه ومنع اضطراب الأوضاع في البحر الأحمر، خاصة قبيل حرب أكتوبر 1973.
وبعد عقود من الانخراط الأمريكي في قضايا القرن الإفريقي، بما في ذلك عزل إريتريا واحتواء نظام أسياس أفورقي عبر وكلاء إقليميين، كشفت صحيفة وول ستريت جورنال (23 إبريل 2026) عن تحرك أمريكي جديد لتطبيع العلاقات مع أسمرا. ووفقًا لتصريحات منسوبة إلى مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، فإن واشنطن تستهدف البدء في رفع بعض العقوبات المفروضة على إريتريا، بالنظر إلى أهميتها الاستراتيجية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، حيث تمتد سواحلها لنحو 1125 كيلو مترًا.
واشنطن تعيد ترتيب الفوضى في البحر الأحمر
تشير إحدى معاني كلمة كانيو الأمهرية إلى “إعادة ترتيب الفوضى”؛ وصولًا إلى وضع مرتب ومنظم، وسبق أن أُطلقت على فرقة إثيوبية، شاركت في دعم الولايات المتحدة في معارك الحرب العالمية الثانية، وتكونت بالأساس من مقاتلين من إريتريا، عندما كانت خاضعة للحكم الإثيوبي.
لكن يبدو أن مقاربة واشنطن الحالية في البحر الأحمر تقوم بالأساس على إعادة ترتيب الفوضى في الإقليم بفوضى أكبر، ستقود في النهاية إلى فرض رؤى تخريبية لمفهوم الدولة وسيادتها واستقلالها على نحو غير مسبوق من جهة، أن هذا الفرض سيطال عدة دول في وقت واحد وبوتيرة متسارعة ولصالح أطراف من خارج الإقليم، أو تتبنى تاريخيًا أجندة تخريبية ضد دوله.
وحسب تقارير (24 إبريل 2026)، فإن الولايات المتحدة دخلت في محادثات مباشرة مع إريتريا “لاستكشاف إمكانية تطبيع العلاقات” بين البلدين. وجاء ذلك خلال لقاء أسياس أفورقي، الذي يحكم البلاد منذ استقلالها عن إثيوبيا في العام 1993، بمسعد بولس (مبعوث دونالد ترامب في إفريقيا) خلال الشهور الأخيرة وبوساطة مصرية لافتة.
رغم ذلك التطور، فإن الخارجية الأمريكية تفادت (حتى نهاية إبريل الجاري) التعليق على مثل هذه المحادثات، وقال مطلعون على عمل الخارجية الأمريكية بوجود اعتبارات لواشنطن قبل إعادة العلاقات مع إريتريا “لمستويات طبيعية”، وأنه قد تم وضعها بالفعل منذ فترة بعيدة، بينما رأى محللون أمريكيون صعوبة استئناف العلاقات مع إريتريا؛ بسبب “طبيعة قيادتها غير القابلة للتوقع”، رغم ما أشار له مسؤولون أمريكيون بارزون بقدرة واشنطن على ترويض الرئيس أفورقي.
ولم يكن خافيًا، أن هذه التحركات الأمريكية تندرج ضمن مسعى أوسع لتعزيز الحضور في إقليم البحر الأحمر، وفقًا لما أوردته وول ستريت جورنال، وبهدف احتواء التوتر المتصاعد في الممرات البحرية الحيوية.
ويتجلى ذلك على نحو خاص في ظل تجدد تهديدات جماعة الحوثي في اليمن بتعطيل حركة الملاحة في مضيق باب المندب، بالتوازي مع مساعي إيران لتعزيز نفوذها في مضيق هرمز.
إضافة إلى ذلك، إن المقاربة الأمريكية تأخذ في اعتبارها، حسب جريدة أديس ستاندارد (23 إبريل 2026) ، تقليديًا موقع إريتريا الجغرافي “في تأمين طرق بحرية بديلة ذات أهمية للتجارة العالمية و”الانتقال البحري”.
“التطبيع” الأمريكي الإريتري والعامل الإسرائيلي في البحر الأحمر
أبدت وسائل إعلام إسرائيلية (JNS, April 28, 2026) مخاوف استباقية من أي تقارب أمريكي مع إريتريا تحت عنوان لافت، مفاده أن رفع العقوبات عن أسمرا سيمكن “ديكتاتورا إريتريا وطهران” معًا من التعافي من الأزمات التي تلاحقهما، ومن ثم “تغذية عدم الاستقرار، بدلًا من الإسهام في السلام الإقليمي” .
وقدمت نقدا لمسار سياسات واشنطن منذ الحرب الباردة بالانتقال من الحذر إلى الدعم البرجماتي لاستقلال إريتريا (في عهدي جورج بوش وبيل كلينتون) وتقديم الدعم للاعتراف الدولي بإريتريا بمجرد كون استقلالها حقيقة سياسية وعسكرية، مع رجحان تحول إريتريا لشريك موثوق لأمريكا في ممر البحر الأحمر بالغ الأهمية الاستراتيجية.
بينما تجاهلت واشنطن حسب هذه الرؤية الإسرائيلية: أن أفورقي “شريك يعول عليه من قبل إيران في البحر الأحمر”، ويتضح أن هذه السردية تبلغ حدًا أقصى من التهافت، لا سيما أنها تعيد سلسلة من الأكاذيب، بينها مساعدة أفورقي لإيران في دعم وصول الحوثيين للحكم في اليمن، وعداء إريتريا لإسرائيل والولايات المتحدة، واعتباره بنيويًا، وأن سلوكه من فترة حكم بوش حتى فترة ترامب الثانية، لم يتغير.
وترى هذه الميديا وجوب اعتماد السياسة الأمريكية تجاه إريتريا على هذه الحقيقة، وليست فرضية أن هذا الانخراط وحده سيغير عقودًا من السلوك الاستراتيجي.
بينما واقعيا، كانت علاقة إريتريا بإسرائيل وطيدة طوال عقود سابقة، كما أن رئيسها أفورقي قد تلقي العلاج أكثر من مرة في مستشفيات إسرائيلية، غير أن الخلافات الآنية ليست أيديولوجية، كما تحاول الميديا الإسرائيلية الترويج لها.
بجانب الادعاء أن أفورقي يستهدف التخلص من نظام آبي أحمد، رغم تعاون نظامه مع أديس أبابا خلال حرب التيجراي، بل وتوظيف أسمرا لآلاف الجنود الصوماليين الذين كانوا يتلقوا تدريبات في إريتريا حينذاك لدعم الحرب ضد حكومة إقليم التيجراي.
بأي حال يظل الموقف الإسرائيلي الرسمي في دائرة مغايرة، عما يعلن في هذه الميديا بالنظر إلى عدة اعتبارات.
ضمن ذلك، صعوبة إقدام واشنطن في ظل إدارة ترامب، على خطوات تلحق الضرر بمكانة إسرائيل كحليف تاريخي في حوض البحر الأحمر منذ قيامها عام 1948 ومرورًا بحروب إقليمية كبرى، كان البحر الأحمر ساحة رئيسة لتداعياتها، لا سيما منذ يونيو 1967.
كما أن أي تطبيع أمريكي إريتري سيلحقه عودة لدفء العلاقات الإسرائيلية- الإريترية؛ مما يعني خدمة اندفاعة إسرائيلية مخططٌ لها لمد دوائر الحركة من شمال شرق الصومال (إقليم صوماليلاند)؛ مرورًا بمضيق المندب؛ وصولًا لميناء عصب في إريتريا القريب من جزر جيبوتي بالغة الأهمية في البحر الأحمر القريبة من ساحل السودان ومصر.
غير أن التقارب الأمريكي مع إريتريا، ربما يكون ممرا مثاليا؛ لتعميق حضور إسرائيل وعدد من حلفائها الإقليميين مثل الإمارات في البحر الأحمر، على الأقل من بوابة ضخ استثمارات في البنية الأساسية في إريتريا حال تحقق “التطبيع الأمريكي” المزمع.
مصر والتطبيع الأمريكي- الإريتري: رهانات صعبة
شهد التقارب بين مصر وإريتريا خلال العامين ونصف الماضيين تحولًا لافتًا في سياق ديناميات الإقليم، خاصة منذ توقيع مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وإقليم صوماليلاند في يناير 2024، بما حملته من دلالات تتصل بإعادة تشكيل موازين السيطرة على السواحل والمنافذ البحرية.
وفي هذا الإطار، برز تقارب في الرؤى بين القاهرة وأسمرا تجاه قضايا الإقليم، قائم على دعم سيادة الدول والحفاظ على استقلالها ورفض التدخلات الخارجية، واتضح ذلك في اتفاقهما بشأن الموقف من الأزمة في السودان، ورفض التدخلات الإثيوبية والإماراتية في الصومال.
ويشير وجود مصر كوسيط لتطبيع الصلات بين واشنطن وإريتريا، والذي جاء في تقارير عدة، باعتبار أن القاهرة تضع الولايات المتحدة أمام مسؤولياتها التقليدية في البحر الأحمر، والعمل على منع تدهور الأوضاع به إلى مستوى يهدد حركة الملاحة التي تنقل نحو 12% من إجمالي حركة التجارة البحرية العالمية في البترول على سبيل المثال.
كما التقت المساعي المصرية مع رؤية إدارة ترامب لإريتريا “كأصل استراتيجي” strategic asset وتعميق دبلوماسية المصلحة الوطنية الأمريكية، دون إغفال أن جهد القاهرة الأخير جاء في سياق مخاوف أمريكية من نمو النفوذ الصيني في البحر الأحمر، ورغبة لموازنة هذا النفوذ، وتوقعات عدد من الدبلوماسيين الأمريكيين (24 إبريل 2026) أن التقارب مع إريتريا عبر الحوار “يمكن أن يحقق لواشنطن مكاسب بعيدة المدى في البحر الأحمر”.
ويلفت النظر، أن هذه التقارير جاءت بعد نحو أسبوع واحد من زيارة وفد إريتري رفيع المستوى إلى القاهرة، استمرت ثلاثة أيام في منتصف إبريل 2026.
وكان الوفد بقيادة هاجوس جبريهيوت رئيس الشؤون الاقتصادية في الحزب الحاكم “الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة” (PFDJ) مع نصر الدين صلاح وزير التجارة والصناعة. وتطرقت المناقشات للسياسة الخارجية للبلدين والاستثمار والتجارة والصناعة والنقل والكهرباء والزراعة وهيئات المصرف المركزي.
فيما أكد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي على “دعم القاهرة لسيادة إريتريا وسلامة أراضيها” في إشارة لدعم مصر لإريتريا ضد المحاولات الإثيوبية، لانتهاك سيادتها وربما الاستيلاء على أحد المواني الإريترية عن طريق الحرب.
ويعكس التقارب الزمني بين الحدثين احتمالات كبيرة بضلوع القاهرة في جهد تقريب وجهات النظر بين إريتريا والولايات المتحدة رهانًا على قدرة واشنطن في ضبط ترتيبات الأمن في البحر الأحمر، واستعداد مصر مساعدتها في هذا المضمار بكل الأدوات المتاحة.
كما هدفه النهائي حفظ استقرار الإقليم وأمنه وعدم تهديد دول حوض البحر الأحمر من قبل أطراف خارجية لها سجل حافل في جهود زعزعة الاستقرار في الإقليم وفي جميع دوله، بما فيها الدول الصديقة أو المأمول صداقتها.






