لماذا تواصل أسعار الدواجن البيضاء الارتفاع بمصر؟ يشغل ذلك السؤال ملايين المصريين حاليا من الذين يعتمدون عليها كأرخص بروتين حيواني متاح بالسوق، بعدما أصاب أسعار اللحوم الحمراء الجنون منذ سنوات، وأصبحت فوق قدراتهم.
بحسب نشرة الأسعار المحلية التابعة لمجلس الوزراء، ارتفع سعر الجملة من مستوى 80 جنيهًا في منتصف إبريل إلى 90 جنيهًا حاليًا بزيادة قدرها 12.5%، بينما ارتفعت بنسبة 34% منذ منتصف شهر نوفمبر الماضي.
أما تسليم المستهلك، فارتفعت الأسعار بوتيرة أعلى، بعدما بلغ الكيلو في المتوسط 115 جنيهًا، مع ارتفاع أكبر لأجزاء الدواجن مثل البانيه والأوراك، وحتى الأجنحة التي أصبح سعرها 75 جنيها للكيلو في المتوسط.
قطاع كبير من الخبراء، يرون أن السبب في الارتفاع هو فتح باب التصدير للخارج بأول شحنة لقطر، تزن 360 طنًا من الدجاج المجمد، وهو تطور لافت، لا يتكرر كثيرًا فمن المعروف أن الإنتاج المحلي من الدواجن موجه للاستهلاك المحلي أيضًا. وبوجود طلبات جديدة من دول مثل أوغندا ومفاوضات مع الإمارات والكويت وسلطنة عمان لتصدير الدواجن، والهدف منها هو امتصاص فائض إنتاجي، يقدر بنحو 200 مليون دجاجة سنويًا، بحسب بيانات غرفة تجارة الدواجن بالجيزة.
ارتفاع الأسعار تزامن مع فتح الباب للتصدير
د. نادر نور الدين، الخبير الزراعي، يقول إن أسعار الدواجن ارتفعت خلال أسبوع واحد بصورة ملحوظة، مع تصدير أول شحنة دواجن مصرية الي قطر ما يعني أن الكميات المستوردة، لم تكن من فائض إنتاج الدواجن، وإنما سحًبا من حصة السوق المصري.
وزارة الزراعة تقول، إنها تمتلك قواعد بيانات دقيقة تتيح لها احتساب الإنتاج المحلي بدقة وتحديد الاحتياجات الفعلية، وبناءً عليه يتم تحديد الكميات المسموح بتصديرها للخارج، بما يضمن الحفاظ على توازن الأسعار وتوافر الدواجن ومنتجاتها في السوق المحلي بالشكل السليم.
أضاف نور الدين، أن غرفة الدواجن ردت الزيادة للعرض والطلب، رغم أن الغذاء سلعة غير مرنة، ولا تخضع للعرض والطلب، والمواطن يشتري الدجاجة، منذ أن كان سعرها ٥ جنيهات، ويشتريها حالًيا بسعر ٢٥٠ جنيهًا؛ لأنه لا يوجد لها بديل.
كان تصدير الدواجن المجمدة غير المصنعة متوقفًا بمصر منذ سنوات، مع فتح باب التصدير للمصنعات فقط (الإستربس والبانيه نصف الجاهز)، على أن يكون لحم الدجاج المصدر خالٍ من متبقيات الأدوية، وأن تكون المجازر التي يتم الاعتماد عليها بالقائمة البيضاء لهيئة سلامة الغذاء.
تابع نور الدين: “نحن مقبلون على عيد الأضحى، ومن المفترض سنوًيا، أن هذا موسم أقل سعر للدواجن، ولو استمرت ارتفاع أسعار الدواجن، لن يكون ذلك في صالحها، بل في صالح اللحوم؛ لأن الدجاجة التي وصل سعرها ٢٥٠ جنيها، تكفي الأسرة المكونة من ٤ أفراد لوجبة واحدة (أربعة أرباع)، بينما كيلو اللحوم (عادة ١٢ قطعة) يكفي نفس الأسرة.
بحسب غرفة الدواجن، فهناك اختلاف بين احتياجات الأسواق الخارجية والاستهلاك المحلية، فالأسواق التصديرية تركز على أوزان تتراوح بين 900 جرام و1300 جرام، بينما يفضل المربون بمصر تربية الدواجن حتى أوزان أكبر قد تصل إلى 2.5 كجم، لضمان تغطية تكاليف الأعلاف وتحقيق هامش ربح مناسب.
ويعزو المنتجون، ارتفاع أسعار مكونات الأعلاف بالسوق المحلية بنسبة 85% بسبب اندلاع الحرب على إيران، الأمر الذي رفع التكلفة النهائية عليهم، فالدجاجة زنة 2 كيلو تحتاج لأعلاف ضعف وزنها.
المنتج القابل للتصدير مختلف عن المحلي
يقول عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الدواجن، إنه حال الاتجاه لبيع الدواجن بأوزان صغيرة لتلبية طلبات التصدير، يضطر المنتج إلى رفع السعر لتعويض التكلفة الفعلية وضمان استمرار العملية الإنتاجية، معتبرا أن التوسع في التصدير أمر ضروري في ظل اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، لكن بشرط تنظيم العملية بشكل يضمن عدم التأثير على الأسعار المحلية.
تطالب الغرفة بزيادة الطاقة الإنتاجية خلال الفترة المقبلة؛ لتحقيق التوازن بين احتياجات السوق المحلي ومتطلبات التصدير، وضبط الأسعار بشكل مستدام.
النائب أحمد ناصر انتقد غياب الرؤية الواضحة لإدارة السوق المحلي، مضيفًا أن الدواجن تمثل عنصرًا أساسيًا بمنظومة الأمن الغذائي بمصر، وتعتمد عليها شريحة واسعة من المواطنين كمصدر رئيسي للبروتين، خاصة في ظل ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء، ما يجعل أي زيادة في أسعارها ذات تأثير مباشر على مستوى المعيشة.
استطاعت صناعة الدواجن تحقيق الاكتفاء الذاتي بنسبة 99.8% في اللحوم و100% في البيض عام 2020، كما ارتفع متوسط الاستهلاك الفردي من اللحوم البيضاء من 93.7 كجم عام 2016 إلى 99.8 كجم عام 2020.
في بيض المائدة ارتفع متوسط استهلاك الفرد خلال الفترة نفسها إلى 100 بيضة في العام، وذلك بسبب ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء التي جعلت الاستهلاك، يتركز في المنتج الأرخص.
يقول ناصر، إن الزيادة تزامنت مع إعلان فتح أسواق تصديرية جديدة، من بينها السوق القطرية، إلى جانب مفاوضات للتوسع في التصدير لأسواق أخرى.
في المقابل، وزارة الزراعة تقول إن فتح باب التصدير جاء بعد زيادة إنتاج مصر من الفراخ البيضاء أو بداري التسمين إلى 1.6 مليار طائر بنسبة زيادة بلغت 14% عن إنتاج العام السابق الذي سجل 1.4 مليار طائر.
تحرك كبير بأسعار الأعلاف
التصريحات الرسمية تنفي وجود علاقة بين التصدير وارتفاع الأسعار، وتُرجِع الأمر بالكامل إلى زيادة تكلفة الإنتاج، خاصة الأعلاف، بحسب النائب.
وتتراوح أسعار علف بادي التسمين (تسمين الدواجن) بالسوق المحلية ما بين 2000 و2270 جنيها للطن، أما علف الدواجن لإنتاج البياض فتراوح الطن ما بين 19500 إلى 19800 جنيه، وبلغ سعر الذرة الأرجنتيني نحو 14200 جنيه للطن، والذرة البرازيلي نحو 14200 جنيه للطن، والذرة الأوكراني نحو 13500 جنيه للطن.
بحسب الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، سجل تضخم مجموعة اللحوم والدواجن تراجعًا بنسبة 6.4% خلال شهر إبريل الماضي مقارنة بمارس السابق عليه، لكن تلك النسبة تحولت إلى ارتفاع خلال تعاملات مايو الحالي الذي لم يمر منه سوى أسبوع واحد فقط.
وفقا للنائب، فهناك تضارب تصريحات بين الجهات المختلفة، يثير تساؤلات حول دقة البيانات التي تُبنى عليها القرارات، ويؤثر على مستوى الثقة في إدارة هذا الملف الحيوي، فهناك تجاهل لتأثير سياسات إدارة المعروض في السوق، خاصة في ظل الحديث عن وجود فائض إنتاجي، وهو ما لا يتسق مع واقع الأسعار المرتفعة والمتقلبة.
الدكتور طارق سليمان، رئيس قطاع الثروة الحيوانية والداجنة بوزارة الزراعة، يرد على تلك النقطة قائلًا، إن عمليات التصدير الحالية لعدد من دول الخليج مثل الكويت وقطر والإمارات وغيرها من الدول لن تؤثر سلبًا على الأسعار في مصر وترفعها بل على العكس تمامًا، فهي تساهم في الحفاظ على اتزان السوق واستقراره، في ظل وجود زيادة في الإنتاج 14%.
أين دور الدولة؟
د. صلاح الدين فهمي، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، يقول إن مشكلة الدواجن الحالية، وكذلك مشكلة تسعير أي منتج بمصر سببها وقوف الدولة على الحياد بدعوى اتباع السوق الحر، رغم أن الدولة دورها في الاقتصاد الرأسمالي أكثر بكثير من الاقتصاد الاشتراكي.
أضاف أن الدولة في الاقتصاد الاشتراكي تتحكم في الإنتاج والتسعير، وبالتالي، لا توجد مشكلات على عكس الاقتصاد الرأسمالي الذي يترك فيه للقطاع الخاص مسئولية الإنتاج، لكن ذلك لا يلغي دول الدولة بالتدخل في التسعير والرقابة وضبط منظومة التسعير بالسوق.






