لم يهمل المفكرون والخبراء العرب في إنتاج أفكار من شأنها إنقاذ العالم العربي من المشكلات، التي يمر بها حول الشرعية والتنمية والأمن والتماسك الإقليمي، ومواجهة الخطر الخارجي.. إلخ. لكن كل هذه الأفكار ظلت حبيسة الأدراج، وإن تم تطبيق بعضها فقد جاء مشوها أو مجتزئا، أو تم دفع نتائجه لصالح سلطات سياسية تراوح بين الاستبداد والشمولية، حتى انتهى العالم العربي الآن إلى ما هو عليه من انقسام وضعف وهوان.
يحضرني في هذا المقام، ما قدمه عالم السياسة اللبناني غسان سلامة في ثمانينيات القرن العشرين حول ضرورة إقامة “عقد اجتماعي عربي”، وكان يتكئ في هذا على أنه إذا كان فلاسفة العقد الاجتماعي في أوروبا قد وضعوا محددات للعلاقة بين الجماهير والسلطة، كانت إحدى الأسس المهمة التي قامت عليها الديمقراطية الغربية الحديثة، فلا بد للعرب أن يمروا من البوابة ذاتها؟
في كتابه “نحو عقد اجتماعي عربي جديد: بحث في الشرعية الدستورية” أقام سلامة فكرته على خمس ركائز رئيسية، أولها يتمحور حول الفكرة الوطنية، التي يتعامل معها على أنها “روح إيجابية”، ويرى أن التاريخ العربي يميل إلى العصبية، ويهتم بهوية من على الأرض أكثر من هوية الأرض ذاتها، ومن ثم تجاهل الوطن، خاصة أن التعلق بعالمية الدين الإسلامي تم في ظل تجاهل مضاعف للوطنية. ولم يقتصر هذا الموقف على الرؤية الإسلامية فحسب، في نظر سلامة، بل إن القوميين لم يكونوا أكثر رفقا بفكرة الوطنية، حيث أنهم لا يتحدثون عن دولة وطنية، بل يطلقون عليها دولة قطرية، كانت دائما موضعا للقدح لديهم. ولم يختلف الماركسيون والليبراليون، ولا طبعا الانفصاليون العرب، في موقفهم منها، إذ يعتبرونها شكلا سياسيا غير مناسب للشعب العربي.
وتدور الركيزة الثانية حول الفكرة العربية، وهنا يلاحظ سلامة، أن هناك تراجعا لا يمكن تجاوزه أو إنكاره عن المقولات التقليدية للفكر القومي العربي، التي أثبتت عقمها وجفافها، ويطالب بتحرير الفكرة العربية من السجال الدائر بين أنظمة الحكم، التي تتخذ منها “دينا سياسيا”، لإضفاء بعض الشرعية على سياساتها، ويؤكد أن تأسيس هذه الفكرة على شرعية عقلانية، تنشد “المصلحة” ليس أمرا وضيعا، بل هو الطريق الأقرب إلى الواقع العملي، والأكثر عقلانية بالنظر إلى الحالة التي عليها العرب في الوقت الراهن. أما الركيزة الثالثة، فتتعلق بالفكرة الديمقراطية، ويحدد سلامة دربين للوصول إليها، أو تجذيرها في المجتمع، الأول قريب المدى، ويتمثل في الدفاع عن السجناء السياسيين والمثقفين المضطهدين، ومقاومة قمع الأنظمة المستبدة، والثاني بعيد المدى، ويتم عبر تغيير جذري للثقافة السياسية العربية، بما ينقلها من النظر إلى السياسة كممارسة للغلبة، إلى التعامل معها كعملية صنع قرار، يشارك فيها الجميع بأساليب محددة.
وترتبط الركيزة الرابعة بحقوق الأفراد والجماعات، حيث الحاجة الملحة إلى تأصيل مفاهيم وقواعد هذه الحقوق، وليس الاكتفاء بنقلها من ثقافة أخرى، أو البحث في النص الديني والتراث، عما يتوافق معها. وهذا التأصيل يقتضي إيجاد مقاربة فلسفية أنثروبولوجية لهذه المفاهيم، من خلال التعمق في عطائنا الحضاري، وعدم الاقتصار على الجانب القانوني منها. وعلينا في الوقت الذي نفكر فيه بحقوق الأفراد، ألا ننسى، ولو في مرحلة انتقالية طويلة، حقوق الجماعات. أما الركيزة الخامسة، فتتمثل في تحديد المضمون الاجتماعي للعقد الاجتماعي، والذي يقوم على انسياب الأفراد والثروات عبر الحدود العربية، وعدم إغفال التفاوت الطبقي داخل الدول العربية، والفجوة في الثروات بين دولة وأخرى. والتمسك بالعدل الاجتماعي لا يعني تجاهل أن قدرا واسعا من الحرية الاقتصادية أمر ضروري لإعطاء المجتمع المدني قدرا من الاستقلالية في مواجهة تسلطية الدولة، مع أخذ الاحتياطات اللازمة التي تحول دون تحول هذه الحرية إلى استغلال واحتكار.
ويلاحظ على هذه الرؤية، أنها ذات طابع “توفيقي” و “متوازي بين العديد من الثنائيات” إذ أنها على مستوى الهوية، تمدح الروح الوطنية، وتنزع عنها أي رداء سلبي حاول مناهضوها، أن يلبسوها إياه، لكنها في الوقت ذاته، لا ترفض “القومية” التي تتأسس على المصالح، وليس الشعارات الجوفاء، أو الأحلام التي من الصعب تحققها. وعلى مستوى الحقوق، تنادي بتوفير حقوق الفرد، لكنها لا ترفض حقوق الجماعات. وفيما يتعلق بالمضمون الاجتماعي، تنادي بالعدل الاجتماعي الذي لا يقتل في تطبيقه الحافز الفردي، ولا تقبل الحرية الاقتصادية التي تتحول إلى عمل احتكاري. وتنتقل من التفاوت الطبقي داخل كل دولة على حدة إلى التفاوت في الثروات بين الدول، الأمر الذي انعكس على العديد من مؤشراتها الاقتصادية ومختلف أحوالها الاجتماعية.
وهذه الرؤية تزاوج بين أسلوبين للعمل من أجل الديمقراطية، وتطرحهما في شكل متوازٍ، وليس في صيغة مرحلية، إذ أننا في الوقت الذي نتخذ فيه الإجراءات قصيرة الأمد في سبيل تحقق الديمقراطية، علينا أن نبني طرقا طويلة الأمد لبلوغ هذا الهدف. وهنا نجد أننا بصدد (الفرد/ الجماعةـ الوطنية/ القوميةـ الحرية الاقتصادية/ العدل الاجتماعي- الدولة/ المجتمع المدني) في رؤية سلامة، لكن هذه الثنائيات لا توجد لديه في وضع المتناقضات أو المتقابلات، بل تربط بينها علاقات تجعل التوفيق بينها يبدو أمرا ضروريا، حتى ولو كان ذلك بإيجاد قنوات اتصال بين الاشتراكية والرأسمالية، تجعل الاستفادة من محاسن كل منهما مسألة واردة وممكنة.
وقبل خمس سنوات، أصدرت مؤسسة الفكر العربي كتابها السنوي بعنوان “نحو إنسان عربي جديد”، شارك فيه أربعون مفكرًا وخبيرًا وأكاديميًا وباحثًا في علوم إنسانية شتى، وذكروا الملامح والخصائص والمزايا، التي يعتبرون أنه يجدر بالإنسان العربي الجديد، أن يتسم بها، وعينوا المعارف والمهارات والكفاءات التي ينبغي عليه أن يكتسبها، والقيم والمبادئ التي يجب أن يتمسك بها، علاوة على التزاماته وارتباطاته وعلاقاته المجتمعية والإنسانية، وبيّنوا التحديات التي تعترضه، والمهام التي عليه أن ينهض بها.
وعلى أهمية هذه الأبحاث فإنها تناولت العَرَض، ولم تضع يدها على المرض، وإن شخصته فلا تذكر ذلك صراحة، إن مس الأمر السياسة أو هيئة الحكم والسلطان في عالمنا العربي المعاصر، رغم أن هذا هو الجدار الأسمك الأصم الذي يحول دون ميلاد العربي الجديد، أو هي العنصر الأول في صناعة سوء التعليم، وغياب التنمية، وتبعية القرار، وتفشي الفساد، وتفاوت الطبقات، وتدني مستوى الحريات العامة.
مع هذا، يظل هذا كله من أعراض مرض عضال، يمكن أن نقول عنه، إنه النفق المظلم الطويل الضيق الذي ينحشر فيه الإنسان العربي، ويمضي في بطء، زاحفًا على بطنه أو جالسًا القرفصاء في خوف وانكسار، يريد أن يبرحه، دون جدوى.
ولا يمكن أن نتحدث عن إنسان جديد في بلادنا، ونتمنى أن يطل على الدنيا يوما ركبه، إلا إذا عدنا إلى الأسس التي تقود إلى هذا، وقلنا دون مواربة: حتى نرى هذا العربي الجديد، لا بد من شروط، تحققها ينفي عنه الوصف القاسي الذي ألقاه في وجوههنا نزار قباني ذات يوم حين قال: “لبسنا قشرة الحضارة، والروح جاهلية”، لأن هذا التحقق يتجاوز القشور إلى اللباب، والمظهر إلى الجوهر، وينفذ إلى عمق ما يحول دون ميلاد العربي الجديد، ويسائله، ويشاكسه، ويهز أركانه، وقد يبدده. وهذه الشروط هي:
1ـ إبرام عقد اجتماعي بين السلطة والشعب. فالعالم العربي لم يخرج من فضاء القرون الغابرة، بصورتها ومعانيها وعلائقها المعروفة، ليدخل إلى الزمن الحديث والمعاصر، الذي يجعل “الأمة هي مصدر السلطات”، و”السيادة للشعب”، و”الشرعية من الناس” و”السلطة إدارة” و”صاحب القرار موظف”، و”الملكية الخاصة حق” و”الدستور والقانون حَكمًا” و”القضاء مستقل” ويجعل الناس “مواطنين لا رعايا”.
نعم ترد عبارات مثل هذه، وأشباهها، في الخطاب الرسمي العربي، ويزين كتبة السلطة مقالاتهم بمثلها كقلائد زينة، أما تعاقد كالذي أُبرم في أوروبا، بعد أن وجدت كتابات ومطالبات فلاسفة العقد الاجتماعي طريقها إلى التنفيذ، فهذا لم يجر في العالم العربي إلى الآن، ودون حدوث ذلك، لن يدخل “المواطن العربي” إلى الحياة المعاصرة، ويصير عربيًا جديدًا، وعليه لن تتمكن الشعوب من الإمساك بالدفة، عبر من تختاره بحرية؛ كي يديرها.
2 ـ الخروج من فلك التبعية للغرب، ما يعني عدم الانسحاق لـ “المركزية الأوروبية” في الثقافة، والمسار الرأسمالي المتوحش في الاقتصاد، الذي لا يريد منا سوى أن نكون مجرد سوق رائجة لبضائعه، والفردانية في الاجتماع والمعاش، وقبل هذا هو عدم ارتهان القرار السياسي والأمني في بلادنا لإرادة الغرب ومصالحه وأهوائه، وأن تنتقل العلاقة معه من المسايرة إلى المجاورة، التي تعني هنا تقديم الرؤية الأخرى أو البديلة أو الثانية، في إطار من “الاعتماد المتبادل” أو “تبادل المنافع” أو “التعددية الثقافية”، وليس الرضا بدور “القابل”، أو المفعول به، بينما يظل الغرب هو “الفاعل”.
3 ـ لا بد من حل المعضلة القائمة بين الدين والسياسة، ليس على أساس الفصل بينهما، كما يطالب البعض، إذ إن هذا ضربا من المستحيل، إنما المقصود هو التمييز بين الدين والسلطة السياسية، أي لا يتحول الدين إلى عقيدة سياسية “أيديولوجيا” ولا يزعم حاكم، أنه يدبر أمر الدولة باسم الله، وأنه وحده من يحاسبه، وليس الشعب. ويجب أن يتم هذا في ظل المبدأ الذي أؤمن به دومًا وهو: “فصل الدين عن السلطة السياسية ضرورة، وفصله عن المجتمع جريمة”.
في ركاب هذا يتم حل الإشكالات المتعلقة بالأصالة والمعاصرة، والخصوصية والعولمة، والذات والآخر، ويا حبذا لو انهمك علماء الأمة في إنتاج “إصلاح ديني”، دون أن يكون هذا محمولًا على أكناف منتجي الخطاب الديني البحت فحسب، بل المختصين في العلوم الإنسانية والطبيعية كافة، كل على قدر المطلوب منه.
4 ـ لا بد من أن يدخل الإنسان العربي الجديد إلى المعاصرة، مسلحًا بقدرة على التفاعل الخلَّاق معها. إنه مجتمع المعرفة، وهي ثورة الاتصال التي حولت العالم إلى غرفة صغيرة، والثورة الصناعية الرابعة، وانفجار المعلومات بلا حدود، وفي كل الاتجاهات، وكذلك تأثير الرقمنة في كل شيء، بدءًا من الاقتصاد وانتهاء بالأديان.
5 ـ لا يجب أن ينسى الإنسان العربي البعدين الأخلاقي والروحاني، تحت أي دعاوى زائفة عن تمرد على سائد، أو تلذذ بما هو قائم. فالإنسان الجديد في الغرب، راح غالبًا يغرق في الفردانية والمادية، ويفرط في النظر إلى نسبية الأخلاق أحيانًا، حتى فقد الكثير من إنسانيته، ولهذا أخذ الفلاسفة والمفكرون وعلماء الاجتماع يتحدثون اليوم عن سبل البحث الجاد والمتواصل عن الامتلاء الروحي والسمو الأخلاقي، والخيّرية التي تأتي في ركاب التعاون والتضامن.
وإذا كان الإنسان العربي لديه هذا النزوع، رابطًا إياه بالدين، في الغالب الأعم، بحيث تظل المشاعر يقظة، كما أخبرنا زكي نجيب محمود في كتابه “الشرق الفنان”، فليس لديه ما يستدعي استعارة الحالة التي عليها الإنسان المشدود إلى المادة، وبات يعرف عيوبها، ويسعى إلى التخلص منها الآن.






