لم يكن صمود إيران خلال الهجوم الواسع الذي بدأ في آخر فبراير 2026 حدثاً عسكرياً، يمكن تفسيره فقط بمنظومات الصواريخ أو شبكات الدفاع أو حجم الرد الأمني، بل كان نتيجة مسار تاريخي طويل، أعاد تشكيل الدولة والمجتمع والاقتصاد تحت الضغط، بحيث أصبحت القدرة على الاستمرار جزءاً من بنية النظام نفسه، لا مجرد استجابة مؤقتة لأزمة أو حرب.
الجذور
ولفهم ذلك لا بد من العودة إلى ما قبل الجمهورية الإسلامية بقرون. فمنذ العهد الصفوي، تشكلت في إيران دولة مركزية ذات هوية مذهبية واضحة، واستطاعت أن تربط بين الدين والإدارة والتعليم والشرعية السياسية. في تلك المرحلة لم يكن التعليم مجرد نشاط ديني عادي، بل كان وسيلة لإنتاج طبقة متعلمة قادرة على إدارة المجتمع وإعادة إنتاج الدولة. عبر الحوزات والمؤسسات العلمية التقليدية في قم وأصفهان، ومشهد، خلقت تقليداً معرفياً طويلاً، وجعلت التعليم جزءاً من المكانة الاجتماعية ومن البناء الثقافي للعائلة الإيرانية نفسها.
لكن تأثير التشيع في بناء رأس المال البشري الإيراني لم يكن دينياً صرفاً، بل ارتبط أيضاً بفكرة الاجتهاد نفسها. فالتشيع الإمامي، احتفظ تاريخياً بمكانة مركزية للعقل والتفسير والاجتهاد الفقهي، وهو ما خلق تقليداً معرفياً، يقوم على الدراسة الطويلة والمناظرة والتحليل وإنتاج المعرفة، لا مجرد حفظها. ومع الزمن امتد هذا المنطق من الحوزات الدينية إلى الثقافة التعليمية الأوسع داخل المجتمع الإيراني.
بهذا المعنى، لم يكن التعليم في إيران مجرد وظيفة اقتصادية، بل جزءاً من المكانة الاجتماعية والشرعية الثقافية. الأسرة الإيرانية، سواء كانت دينية أو علمانية، رأت في التعليم والارتقاء المعرفي وسيلة للصعود الاجتماعي والاستقرار. هذه البنية الثقافية لعبت لاحقاً دوراً حاسماً في قدرة الدولة على إنتاج أعداد كبيرة من المهنيين والعلماء والمهندسين حتى في ظروف العقوبات.
ومع القرن العشرين دخلت إيران مرحلة مختلفة تماماً مع مشروع التحديث الذي قاده محمد رضا بهلوي. خصوصاً بعد الطفرة النفطية في الستينيات والسبعينيات، تحولت البلاد إلى ورشة تحديث هائلة. ارتفعت عائدات النفط بصورة غير مسبوقة، وبدأت الدولة ببناء طرق سريعة ومواني ومطارات ومصانع وجامعات ومجمعات صناعية ضخمة. كان المشروع البهلوي يقوم على تحويل إيران إلى قوة صناعية إقليمية، مرتبطة بالغرب سياسياً وتقنياً واقتصادياً.
في تلك الفترة شهدت إيران واحداً من أسرع معدلات النمو الاقتصادي في العالم. توسعت الصناعات الثقيلة وصناعة السيارات والبتروكيماويات، وارتفعت معدلات التعليم والتحضر، وظهرت طبقة وسطى مدينية واسعة، تضم موظفين ومهندسين وأطباء وأكاديميين وفنيين. هذه الطبقة الجديدة كانت واحدة من أهم نتائج التحديث البهلوي، لكنها في الوقت نفسه أصبحت لاحقاً جزءاً من الأزمة التي واجهها النظام.
فالنمو الاقتصادي كان يحمل داخله تناقضاً حاداً. الدولة بنت اقتصاداً ريعياً، يعتمد بصورة شبه كاملة على النفط، وأصبحت السلطة مركز توزيع للثروة النفطية أكثر من كونها منتجة لاقتصاد متوازن. كما أن التحديث تركز في المدن الكبرى، بينما بقيت مناطق واسعة من الأرياف والأطراف أقل استفادة. والأسوأ أن جزءاً كبيراً من الصناعة الإيرانية لم يكن قائماً على قاعدة إنتاج وطنية مستقلة، بل على التكنولوجيا الأجنبية والخبراء المستوردين.
هذا التناقض بين الحداثة السريعة والاختلال الاجتماعي والسياسي، خلق أزمة عميقة داخل النظام البهلوي. فعلى الرغم من الثروة النفطية والدعم الغربي، لم ينجح النظام في بناء شرعية مستقرة داخل المجتمع، وسقط مع انفجار الثورة الإسلامية، لكن الثورة نفسها لم تُنتج فقط نظاماً سياسياً جديداً، بل أعادت تعريف علاقة الدولة بالمجتمع. فبعد أن كان النمو في عهد الشاه قائماً على المدن الكبرى والنخب المرتبطة بالدولة، اتجه النظام الجديد إلى توسيع دمج الأرياف والأطراف عبر الطرق والكهرباء والتعليم والرعاية الصحية والدعم الزراعي. هذا التحول منح الدولة قاعدة اجتماعية أوسع، وخلق نوعاً من الارتباط المباشر بين الدولة والمناطق التي شعرت سابقاً بالتهميش.
وفي الخلفية، بقيت البيروقراطية الإيرانية أحد أهم عناصر الاستمرار. فإيران لم تصمد فقط؛ بسبب الأيديولوجيا أو الجيش أو النفط، بل لأنها احتفظت بجهاز إداري واسع ومتجذر قادر على تشغيل دولة كبيرة تحت العقوبات والحرب لعقود. ورغم الفساد والتضخم الإداري، حافظت المؤسسات الحكومية على قدرتها في التعليم والصحة والدعم الغذائي والطاقة والضرائب والنقل، وهو ما منع انهيار الدولة حتى في أشد فترات الضغط.
الجمهورية الإسلامية بين إدارة العقوبات وبناء الاقتصاد
تشكّل مسار الدولة الإيرانية الحديثة بعد الثورة الإسلامية داخل سياق من العزلة الخارجية والصراع الداخلي، قبل أن تأتي الحرب مع العراق؛ لتؤسس التحول الأعمق في بنية الدولة والمجتمع. فقد فرضت الحرب نموذجاً، يقوم على التعبئة الدائمة وإدارة الشح، حيث لم تعد الدولة تفكر في الاستقرار بوصفه حالة طبيعية، بل في البقاء تحت الضغط بوصفه شرطاً دائماً. في تلك اللحظة تبلورت البنية الفعلية لما يمكن تسميته لاحقاً بـ”اقتصاد الصمود”، ونشأت شبكات التعبئة، وتوسعت الصناعات العسكرية، وتعزز دور الحرس الثوري كفاعل مركزي في الدولة والاقتصاد.
بعد انتهاء الحرب لم تعد إيران إلى اقتصاد طبيعي بالكامل، بل احتفظت ببنية مؤسسية قائمة على افتراض التهديد المستمر. هذا التحول أنتج دولة، تُدار فيها الأزمات، باعتبارها الحالة الأصلية، لا الاستثناء. ومن هنا يمكن فهم ما يشبه “اقتصاد الحرب الدائم”، الذي يمنح الدولة قدرة على الاستمرار تحت ضغط طويل، لكنه في المقابل يحد من الكفاءة الاقتصادية التقليدية مقارنة بدول تعمل في بيئة مستقرة.
هذا النمط انعكس أيضاً على شكل الدولة نفسها، إذ جرى توزيع القدرات بدل تركيزها. فالصناعات، ومراكز البحث، والبنية العسكرية، وحتى شبكات التجارة، أعيد تنظيمها بشكل جغرافي ومؤسسي موزع، بما يقلل من أثر أي استهداف مباشر، ويمنح النظام قدرة أعلى على إعادة التشغيل. هذا النمط من “اللا مركزية التشغيلية” أصبح جزءاً من منطق البقاء في بيئة العقوبات والتهديد.
في السياق ذاته، لم تكن التحولات اقتصادية فقط، بل اجتماعية أيضاً. فقد تشكلت داخل المجتمع الإيراني “ثقافة استهلاك مختلفة” تحت ضغط العقوبات الطويلة، تقوم على التكيف مع النقص، وإعادة الاستخدام، والإصلاح، والاستبدال بدل الاستهلاك المفتوح. هذا التحول أعاد تشكيل العلاقة بين الفرد والسلعة، وخلق اقتصاداً يومياً أكثر مرونة في مواجهة الندرة.
وفي موازاة ذلك، كان التعليم أحد أهم أدوات إعادة بناء الدولة. فقد توسعت الجامعات بشكل كبير بعد الثورة، وتم تعميم التعليم والخدمات الصحية على مناطق كانت مهمشة سابقاً. هذا التوسع لم يكن اجتماعياً فقط، بل كان مشروعاً استراتيجياً لتقليل الاعتماد على الخارج في إنتاج الكفاءات. ومع ذلك، شهدت البلاد في المراحل الأولى هجرة واسعة للنخب التي تشكلت قبل الثورة، ما خلق فجوة في رأس المال البشري.
إلا أن هذه الفجوة جرى تعويضها عبر توسيع التعليم العالي وإنتاج أجيال جديدة من المهندسين والأطباء والباحثين من طبقات اجتماعية أوسع، بما في ذلك الأقاليم والطبقات الوسطى الدنيا. وفي هذا السياق، برزت زاوية حاسمة غالباً ما يتم تجاهلها، وهي الدور المتوسع للمرأة في رأس المال البشري الإيراني، حيث أصبحت النساء جزءاً أساسياً من التعليم العالي والقطاعات الطبية والهندسية والعلمية، ما عزز قدرة الدولة على إعادة إنتاج كفاءاتها داخلياً.
وقد لعبت الدولة دوراً مباشراً في تثبيت هذه الكفاءات عبر خلق سوق عمل داخلي واسع داخل القطاع العام، والجامعات، والمنظومة الصحية، والصناعات المدنية والعسكرية، ما جعل المعرفة جزءاً من البنية الاستراتيجية للدولة، وليس مساراً اجتماعياً منفصلاً.
في المقابل، أعادت العقوبات تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية في مستويات أعمق. فقد نشأت شبكات اقتصادية محلية مرتبطة بالدولة والحرس الثوري والبازار، مستفيدة من تقلص دور الشركات الغربية. هذه النخبة الاقتصادية الجديدة لم تكن مجرد نتيجة للعقوبات، بل جزءاً من إعادة توزيع القوة داخل النظام الاقتصادي نفسه.
كما لعب “البازار” دوراً محورياً كبنية تاريخية، أعادت ربط الدولة بالمجتمع، وساهمت في استمرار حركة التجارة وتوزيع السلع في بيئة مقيدة. وإلى جانبه تطورت شبكات تجارية مرنة تعتمد على الالتفاف اللوجستي والمالي، بما يضمن استمرار تدفق السلع والموارد رغم القيود.
اقتصادياً، بقي النفط المصدر الرئيسي للعملة الصعبة، لكنه لم يعد يُدار عبر القنوات التقليدية فقط، بل عبر شبكات بيع غير مباشرة، وإعادة تصدير، وآليات تسعير ونقل معقدة. وفي الوقت نفسه، لم ينجح هذا التكيف في تحويل الاقتصاد إلى مسار ازدهار، بل إلى مسار استمرار تحت الضغط.
وفي ملف الغذاء، تشكل نموذج يهدف إلى منع الانهيار أكثر من تحقيق الوفرة. فقد ركزت الدولة على الحبوب والخبز والسلع الأساسية، مع دعم واسع للزراعة المحلية وإنشاء مخزون استراتيجي. لكن الأمن الغذائي لم يكن إنتاجاً فقط، بل منظومة إدارة مخاطر، تعتمد على استيراد غير مباشر وأسواق وسيطة وسلاسل توزيع قصيرة أكثر مرونة.
كما أن هذا الملف ارتبط مباشرة بواقع الجغرافيا الإيرانية، إذ إن الدولة تمتد على مساحة واسعة ومتنوعة مناخياً، ما يمنحها عمقاً إنتاجياً وزراعياً وصناعياً، يقلل من إمكانية شلّها بالكامل، ويجعل توزيع الموارد أكثر قابلية للاستمرار حتى في أوقات الضغط.
في السياق الأوسع، لم تكن إيران تتحرك فقط داخل منظومة العقوبات، بل أعادت تدريجياً توجيه جزء من اقتصادها وعلاقاتها نحو الشرق وآسيا، في تحول لم يكن تجارياً فقط، بل شمل التمويل والطاقة والتكنولوجيا والبنية اللوجستية، بما أعاد تموضعها داخل شبكة اقتصادية دولية موازية.
كما لعبت المؤسسات الدينية والخيرية دوراً موازياً في تخفيف الضغط الاجتماعي، عبر تقديم الدعم والخدمات وربط الدولة بالمجتمع، خصوصاً في المناطق الفقيرة والريفية، ما خلق قنوات غير رسمية، ساعدت في امتصاص جزء من آثار الأزمة.
وفي العمق، تشكل العقد الاجتماعي بعد الثورة على أساس مختلف، إذ لم يعد قائماً على وعد الرفاه الاقتصادي، بل على وعد الاستقرار والسيادة ومنع الانهيار. بهذا المعنى، لم تُبنَ شرعية الدولة على النمو، بل على القدرة على الصمود.
لكن هذه المنظومة لم تُلغِ الأزمة، بل أعادت تنظيمها. فالعقوبات لم تؤدِ إلى انهيار شامل، لكنها لم تُنتج ازدهاراً أيضاً. الاقتصاد بقي مثقلاً بالتضخم وضعف العملة وهجرة الكفاءات وتراجع الاستثمار. وهنا تتضح حقيقة التجربة الإيرانية، فهي ليست قصة، تجاوز كامل للعقوبات، بل نموذج دولة أعادت تشكيل نفسها؛ لتستمر داخل أزمة مزمنة، دون أن تسقط، ودون أن تخرج منها أيضاً.
التصنيع العسكري والتكنولوجيا
إلى جانب التعليم والصحة والاقتصاد، تطورت داخل إيران بنية بحث علمي مرتبطة مباشرة باحتياجات الدولة. لم تكن الجامعات كيانات منفصلة عن الصناعة أو المؤسسة العسكرية أو القطاع الطبي، وإنما اندمجت تدريجياً داخل منظومة إنتاج معرفة تطبيقية، تخدم احتياجات الدولة التقنية والعملية. هذا الترابط بين الجامعة والقطاع الصناعي والمؤسسات العامة أسهم في بناء قدرة تراكمية على تقليص الفجوة التكنولوجية مع الخارج.
جاءت العقوبات الممتدة؛ لتدفع الدولة نحو توسيع قطاعات إنتاج محلية في مجالات الصناعة والزراعة والدواء والطاقة والتكنولوجيا. في المرحلة الأولى لم يكن الهدف الوصول إلى مستوى منافسة الاقتصادات المتقدمة، وإنما تقليل الاعتماد على الخارج في القطاعات الحساسة. ومع مرور الوقت تطورت صناعات متعددة، اعتمدت على إعادة إنتاج تقنيات سبق دخولها إلى البلاد أو تطوير بدائل وظيفية لها ضمن الإمكانات المحلية.
في هذا السياق، برزت آلية إعادة إنتاج التكنولوجيا عبر التفكيك وإعادة التركيب كأداة مركزية. ومع صعوبة الوصول إلى المعدات والأنظمة المتقدمة، جرى تحليل التقنيات المستوردة أو المتوفرة وإعادة تصنيعها محلياً أو إنتاج نسخ قريبة منها في الوظيفة. هذا المسار لم يحقق دائماً مستوى الجودة ذاته الموجود في المنتجات الأصلية، لكنه وفر قدرة تشغيلية واستقلالاً نسبياً في قطاعات حيوية.
هذا النهج ارتبط بالبنية التعليمية والبحثية التي توسعت بعد الثورة. توسع أعداد المهندسين والفنيين والباحثين، أوجد بيئة قادرة على استيعاب التكنولوجيا وإعادة تطويرها، حتى وإن تفاوتت مستويات الكفاءة. كما أسهمت القيود المفروضة في دفع مسارات ابتكار محلية أقل تكلفة وأكثر توافقاً مع الواقع الداخلي؛ نتيجة محدودية الوصول المستمر إلى التكنولوجيا العالمية المتقدمة.
في المجال العسكري، اكتسب هذا المسار أهمية أكبر. الحرب الطويلة مع العراق وما تلاها من عقوبات، حرمت الدولة من الوصول الطبيعي إلى أسواق السلاح وقطع الغيار والتقنيات العسكرية المتقدمة. هذا الوضع دفع نحو بناء صناعة عسكرية داخلية استجابة؛ لاعتبارات استراتيجية مرتبطة بالبقاء.
بدأ هذا القطاع بإعادة تشغيل وصيانة الأنظمة التي ورثت من المرحلة السابقة، ثم تطور تدريجياً نحو إنتاج أنظمة محلية في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة والدفاعات الجوية والمعدات العسكرية المختلفة. اعتمد هذا التطور على تداخل بين إعادة الإنتاج التقني، ونقل المعرفة، والبحث العلمي المحلي، والتعاون المحدود مع أطراف خارجية.
ومع تراكم الزمن تحولت الصناعات العسكرية إلى جزء من البنية الصناعية والتقنية العامة للدولة. الجامعات ومراكز البحث والمهندسين والقطاع الصناعي اندمجوا داخل شبكة إنتاج واحدة، ما أوجد قدرة على إعادة الإنتاج السريع والإصلاح حتى بعد الحروب والضربات العسكرية.
في هذا الإطار، توسع دور الحرس الثوري ليصبح فاعلاً اقتصادياً وصناعياً واسع النطاق، يمتد إلى مجالات الطاقة والبنية التحتية والمقاولات والصناعات العسكرية والاتصالات. هذا التداخل بين الأمن والاقتصاد منح الدولة قدرة إضافية على تنفيذ مشاريع كبرى في ظروف العقوبات، وأسس لشبكات إنتاج مرتبطة مباشرة بمفهوم الأمن القومي.
في المقابل، أعادت الدولة تشكيل علاقاتها الخارجية، وفق واقع جديد. ومع تراجع العلاقات مع الغرب توسعت الروابط الاقتصادية والسياسية مع الصين وروسيا وعدد من الدول الآسيوية والإقليمية. هذه العلاقات لم تعوض بالكامل فقدان الانفتاح الغربي، لكنها وفرت قنوات بديلة للتجارة والطاقة والاستثمار ونقل بعض التقنيات.
كما استفادت الدولة من موقعها الجغرافي بوصفه نقطة وصل بين الخليج وآسيا الوسطى والقوقاز، وعملت على بناء شبكات نفوذ وعلاقات إقليمية تمنحها عمقاً اقتصادياً وسياسياً، يخفف من أثر الحصار.
تراكم هذه العوامل انعكس بوضوح خلال هجوم فبراير 2026. عند تعرض البنية العسكرية والأمنية لضربات واسعة، لكنها لم تتسبب في انهيار الدولة، لأن بنيتها لم تعد قائمة على مركز واحد أو على انفتاح كامل على الخارج. الاقتصاد استمر رغم التعثر، وسلاسل الغذاء واصلت عملها، والمؤسسات الإدارية بقيت فاعلة، والخدمات الأساسية لم تتوقف، والمجتمع قد تكيف عبر عقود مع فكرة العيش تحت الضغط. العقوبات والتضخم ونقص بعض السلع تحولت إلى جزء من الحياة اليومية، ما دفع الدولة والمجتمع معاً إلى تطوير آليات مستمرة لإدارة التكيف. لذلك لم يُبنَ النموذج الإيراني على فكرة الازدهار الكامل، وإنما على القدرة على منع الانهيار، وهي الفكرة التي تفسر جانباً أساسياً من القدرة على الصمود تحت ضغط مركب، يجمع الحرب والعقوبات والعزلة في وقت واحد.






