يعكس الوضع الراهن في لبنان الأزمة متعددة الأبعاد التي تشخصها وتتناولها الأطراف المختلفة بشكل مجتزأ، وبالتالي، يأتي تفسيرهم لطبيعتها وأسبابها وأدوار الأطراف الفاعلة بها، متباين وجزئي وغير دقيق، وبالنهاية مفتقد للرؤية المتكاملة الشاملة لكيفية التعاطي معها كمشكلة وجودية لدولة ووطن وشعب.

إن التحليلات والتفسيرات لطبيعة الوضع اللبناني شديد التأزم، تذكرنا بالمثل الشهير، عندما أتوا بأشخاص فاقدي البصر، وطلبوا منهم أن يتعرفوا على طبيعة وكُنه فيل ضخم عن طريق اللمس فقط، فجاء توصيفهم شديد التباين وجزئي في نفس الوقت، وذلك بحسب موضع ملامستهم له، والكيفية التي لامسوه بها، ودرجة إحساسهم بالجزء الذي لمسوه. وفي أفضل الأحوال اقترب بعضهم قليلاّ من الحقيقة، ولكنهم لم يستطيعوا منفصلين، أن يتعرفوا على طبيعة الشيء الضخم الذين اقتربوا منه كثيرا!!

هكذا، يحصر البعض الأزمة اللبنانية في الوجود المسلح لحزب الله، الذي يمثل الذراع الإقليمي لإرادة إيران على الأراضي اللبنانية، تلك الإرادة التي لا تعكس من قريب أو بعيد مصالح لبنان الوطن والمواطنين، بقدر ما تعبر عن استخدام حزب الله المنتمي مذهبياّ لإرادة ملالي إيران، ورغبتهم التوسعية في الإقليم وصراعهم وتنافسهم مع دولة الكيان العنصري الإسرائيلي على بسط النفوذ والهيمنة والتوسع.

بينما يرى البعض الآخر، أن جوهر الأزمة اللبنانية يكمن في موقعها الجيو سياسي المتاخم حدودياّ لدولة الاحتلال الإسرائيلي صاحبة الأطماع الاستعمارية في الجنوب اللبناني والرغبة القديمة المتجددة دوماّ، كلما سمحت الظروف في السيطرة على مزارع شبعا.. وعلى مصادر المياه، وطبعاّ تصفية القوة العسكرية لحزب الله، (الموالي لإيران بحكم الانتماء المذهبي)، وبالنهاية الراغبة في تقسيم لبنان وتحويله إلى عدة دويلات ضعيفة لا حول لها ولا قوة، ولا تمثل تهديداّ لوجود إسرائيل كدولة استعمار استيطاني عنصرية وصاحبة أطماع إمبراطورية في الإقليم.

في حين يرى فريق ثالث، أن المعضلة الوجودية التي يواجهها لبنان حالياّ، لا تكمن فقط في كونه الوطن العالق بين سندان المشروع الإقليمي الإيراني الذي يمثله حزب الله، ومطرقة الأطماع والاعتداءات الإسرائيلية التاريخية والمستمرة، وإنما يضاف إلى ذلك، هشاشة وضع النظام الإقليمي العربي، وتعدد إراداته، بل وتباين مصالحهم إلى الحد الذي جعل من لبنان فريسة سهلة للأعداء وأصحاب المصالح، سواء من جانب دولة الاحتلال الإسرائيلي وأطماعها التوسعية على حساب لبنان، أو من الجانب الإيراني الباحث دوماً عن موطئ قدم، يواجه من خلاله خصمه اللدود في المنطقة العربية التي باتت مفتوحة لأطماع جميع الأطراف والقوى العالمية والإقليمية.

إن التباين الشديد بين رؤى الأطراف اللبنانية لطبيعة الأزمة المستحكمة التي يعيشها الوطن اللبناني، ويعاني منها جميع مواطنيه، والتي أوشكت أن تضع اللبنانيين أنفسهم أمام خيارات لا يرضونها ولا يتمنوها، بل ويسعون إلى تجنب ويلاتها بكل الطرق، يضعنا أمام خيارات تحمل تنازلات، بل ومراجعة مواقف يراها البعض أساسية، وإنما هي في النهاية ضرورية وتحمل حكمة السنين؛ لإنقاذ لبنان الوطن المأزوم والمحاصر.

ملامح الموقف الوطني اللبناني الصحيح

إن الخروج من فخ التبعية، ومن ذل الاستسلام في آن واحد، يتطلب العودة إلى الثوابت التي تبني الدولة، والتي يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

أولاّ: استعادة قرار الحرب والسلم

حيث لا يمكن بناء دولة بوجود سلطتين وقرارين، الموقف الوطني الصحيح هو أن يكون قرار الدفاع عن لبنان حكراً على الدولة اللبنانية عبر مؤسساتها الدستورية وجيشها الوطني. فأي عمل مقاوم يجب أن يكون منضوياً تحت إمرة الدولة، وضمن استراتيجية دفاعية وطنية واضحة. إن الترجمة الصحيحة لذلك ليست نزع سلاح حزب الله، وإنما وضع تصور واضح ومحدد؛ لتحويل ذلك السلاح إلى جزء ومكون عضوي من مكونات جيش لبنان الوطني

ثانياّ: التمسك بالشرعية الدولية

يعتبر القرار الدولي 1701 هو المظلة القانونية التي تحمي لبنان، والموقف الوطني يقتضي الالتزام الحرفي به، بما يضمن خلو منطقة جنوب الليطاني من أي سلاح غير سلاح الجيش اللبناني وقوات “اليونيفيل”، وهو ما يقطع الطريق على الذرائع الإسرائيلية، ويحمي لبنان دولياً.

ثالثاّ: تقوية الجيش اللبناني كخيار وحيد

إن شعار الشعب والجيش والمقاومة يجب أن يتطور ليصبح الدولة القوية والجيش القادر. فالموقف الوطني يتطلب توجيه كل الدعم للمؤسسة العسكرية؛ لتكون هي المسؤولة حصراً عن حماية الحدود، مما ينزع حجة السلاح غير الشرعي تدريجياً. وبما يجعل خيار مقاومة العدو والتصدي له ولأطماعه التوسعية خياراً لبنانياّ، تحدده الإرادة الوطنية اللبنانية مجتمعة وبما تراه مناسباّ للمصلحة الوطنية اللبنانية قبل أي التزام آخر.

رابعاّ: تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية

الالتزام بسياسة النأي بالنفس (إعلان بعبدا) هو الحل الوحيد؛ لمنع تحول لبنان إلى بريد لرسائل إيران أو ساحة لضربات إسرائيل.

خامساّ: قيام النظام العربي الإقليمي باستعادة دوره تدريجياّ وتقديم كل الدعم الممكن، دبلوماسياّ واقتصادياّ وسياسياّ للبنان الدولة والوطن المستباح من قبل الأعداء والطامعين.

أخيراً، فإن الضمان لإنقاذ لبنان الوطن الواحد يكمن في ألا يسقط لبنان في التبعية ولا في الاستسلام.

وهو ما يعني الالتزام بالموقفين معاّ بنفس الدرجة والحماس:

١- ضد التبعية: برفض تحويل لبنان إلى منصة إطلاق صواريخ لخدمة مفاوضات إقليمية.

٢- ضد الاستسلام: بالتمسك بالحقوق التاريخية في الأرض والمياه، وبالدفاع الشرس عنها عبر الجيش والوحدة الوطنية والضغط الدبلوماسي الدولي.

بمعنى آخر، الحل ليس بالاختيار بين إيران أو إسرائيل، بل بالاختيار بين الدولة والدويلات، فإما وحدة وطنية لا تتحقق إلا تحت سقف دستور واحد، وقانون واحد، وسلاح واحد يأتمر بأمر حكومة وطنية لبنانية لكل مواطنيها، وإما السقوط والتحول إلى عدة دويلات متصارعة على الخواء.