من المعروف والمتفق عليه حال صناعة قانون، يقنن للحقوق بين أطراف متعددة، أن تكون هناك عدالة وتوازن بين تلك الحقوق، وبين تلك الأطراف، بما لا يجعل هناك ميلًا لطرف على حساب الطرف المغاير، ولما كان قانون الأسرة من أهم القوانين، التي يجب أن تكون مرجعيتها الرئيسية الشريعة الإسلامية، فإنه لا يمكن أن يكون هناك سوى العدل الوارد بالنصوص السماوية، وقد استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن المساواة التي كفلها الدستور لا تتحقق إلا بتكافؤ المراكز القانونية، وعدم التمييز غير المبرر بين أصحاب المراكز المتماثلة، وأن مناط مشروعية التنظيم التشريعي، أن يقوم على أسس موضوعية، تبرر ما يقرره من تفرقة، وهو ما يعني أن أي امتياز إجرائي أو موضوعي، يُمنح لطرف دون الآخر، دون سند موضوعي واضح أو مبرر، يتصل بطبيعة المركز القانوني، يخرج عن دائرة الضبط الدستوري، ويتصادم مع مبدأ المساواة. (وللمزيد من الممكن مراجعة الحكم رقم 226 لسنة 20 قضائية دستورية– جلسة 7 يوليو 2001).

وقضية العدالة المفقودة في قانون الأسرة الجديد ليست مجرد انطباع عام، بل تعكس توترًا حقيقيًا بين فلسفتين: حماية الأسرة ككيان اجتماعي، وضمان الحقوق الفردية لكل من أطرافها. وأي مشروع قانون في هذا المجال يصبح محل نقد، حين يُنظر إليه، باعتباره يميل لطرف على حساب آخر، أو يعيد إنتاج اختلالات قائمة، بدلًا من معالجتها. حيث يبدو من الوهلة الأولى لهذا المشروع، أنه يميل إلى محاولة التعويض الشكلي عن أضرار من الممكن أن تكون أصابت المرأة خلال الفترات الماضية، ولكنها محاولات تفتقر إلى الجدية في تحقيق الهدف الأسمى لهذا القانون، والذي من المفترض أن يكون هو حماية كيان الأسرة، وليس دعم تفكيكها، ففي واحدة من أكثر مواد المشروع إثارة للجدل، جاءت المادة السابعة منه، والتي فتحت الباب للزوجة لإنهاء العلاقة الزوجية خلال الستة أشهر الأولى من عمر الزواج، تحت ما نصت عليه المادة “إذا ادعى الزوج ما ليس فيه”، ويبدو النص بهذه الصياغة على أنه محاولة لحماية المرأة من محاولات الغش أو الخداع أو التدليس، لكنه يكشف عن خلل عام في مشروع القانون يتمثل في غياب التوازن بين الحقوق والضمانات، إذ لا تكمن الخطورة في إباحة التطليق كحق للزوجة خلال هذه المدة فقط، ولكنها تكمن في الصياغة الفضفاضة فعبارة “ادعى ما ليس فيه ” عبارة مفتوحة جدًا، تفتح الباب دون مواربة للتأويل والتفسير الغير محدود، فكيف يتثنى معرفة أي الأسباب تؤدي إلى إتاحة ذلك الحق دون غيرها، وما هي الصفات الواجب توافرها في الزوج، حتى تؤدي إلى تحقيق ذلك النص، إذ أن المنطق القانوني والتشريعي السليم يقرر أن ذلك الباب، وهو من أبواب فسخ العقود من الأبواب الاستثنائية التي لا يجوز التوسع فيها أو القياس عليها، أو تركها على نفس الصيغة الواردة بمشروع القانون، إذ إنها بذلك تحول الاستثناء إلى أصل عام، حيث من المفترض أن ذلك الباب يتم فتحه لمواجهة حالات الغش أو التدليس، والتي يجب أن توصف بالجسامة التي تغير من طبيعة أو حالة الإقبال على الزوج، ولكن أن يتم النص عليها بهذه الصياغة  دون وضع أو تحديد ضوابط تطبيقها، يجعلها من أحد أسباب هدم الأسرة في مستقبل عمرها، كما أنه يمنح ميزة خالصة للزوجة، دون أن يقابلها تنظيم مماثل للزوج في حالة وقوع نفس الدرجة من الغش أو الخداع أو التدليس من الزوجة، حتى ولو كان الرد أن للزوج حق التطليق، فإن كثرة القيود الواردة بالمشروع تجعل من لجوء الزوج في حالات الغش للطلاق ذات كلفة عالية، هذا بخلاف أن الشرع الإسلامي ذاته لا يقرر مثل هذه النوعية من النصوص، التي تجعل ما بين طرفي العلاقة ميزة إجرائية أو موضوعية لطرف على حساب الآخر.

وهذا التمييز أعتقد أنه موجه من قابل المشروع، وهذا ما يؤكده ما جاء بنص المادة 29 من مشروع القانون من قولها: للزوجة أن تشترط في عقد زواجها، ما يحقق منفعتها ولا ينافي مقاصد العقد، ولها الحق في فسخ العقد حال إخلال الزوج، بما تم الاتفاق عليه، ولها أن تسقط الشرط أو ترضى بمخالفته.

وأرى أن هذا النص قد جاء ليكمل باب التمييز الذي فتحه بالمادة السابعة منه، والذي يتنافى مع حقيقة العلاقة الزوجية، إذ أن الزواج ليس عقدا من عقود المقايضة أو المقاولة أو غيرها من عقود المعاوضة، إذ أنه بحسب التعريفات الفقهية عقد، يفيد ملك استمتاع كل الزوجين بالآخر على الوجه المشروع، وغايته بناء أسرة صالحة وتكوين مجتمع مستقر، حتى في حالة إقرار حقوق للطرفين في وثيقة العقد، فعندما تتحول العلاقة ما بين الزوجين إلى بنود جافة (حقوق– شروط– حبس– قضايا– نزاعات)، فإن هذا التوجه التشريعي يؤدي إلى تغريب علاقة الزواج عن مفهومها الحقيقي وهدفها الأسمى.

السؤال الرئيسي لأصحاب مشروع القانون، ومن بعدهم لأصحاب سلطة التشريع “أعضاء مجلس النواب”، يتمحور فيما القصد من وراء مثل هذا القانون؟ أرى أنه من الناحية النظرية أن الهدف الرئيسي أو الأوحد من استحداث تشريع أو تعديل قانون، إنما لا يكون سوى السعي نحو تحقيق مزيد من العدالة أو حماية للحقوق، أكثر ما كانت عليه في ظل التشريع السابق، ولكن لا أرى في وجود مثل هذه النصوص سوى ما يدعم لعدم وجود استقرار أو أمان في الأسرة المصرية، التي هي محل هذا القانون، إذ أن قضية “العدالة المفقودة” في قانون الأسرة الجديد ليست مجرد انطباع عام، بل تعكس توترًا حقيقيًا بين فلسفتين: حماية الأسرة ككيان اجتماعي، وضمان الحقوق الفردية لكل من أطرافها. وأي مشروع قانون في هذا المجال يصبح محل نقد، حين يُنظر إليه باعتباره يميل لطرف على حساب آخر، أو يعيد إنتاج اختلالات قائمة، بدلًا من معالجتها، وليس ما تعرضنا له من نصوص في هذا المقال سوى نماذج لاختلال تنظيم التوازن المطلوب في العلاقة الزوجية بين طرفيها، دونما ميل أو جنوح لطرف على حساب طرف، فإن القضية ليست معنية بحقوق مادية، أكثر ما هي متعلقة بحقوق أدبية ومعنوية، وعلاقة يجب أن يسودها الود والحب والتقدير بين طرفيها، وليست الغلبة لطرف على حساب الآخر.