أصدر مركز “مدار” للدراسات الإسرائيلية التقرير الاستراتيجي السنوي لعام 2026، ضمن سلسلة التقارير الدورية، وتأتي أهمية هذا التقرير، أنه يرصد التحولات في إسرائيل، بعد الحرب على غزة التي استمرت عامين، والتي لم تنطفئ نيرانها، إضافة إلى كون المركز يعد من أبرز الجهات العربية متابعة للداخل الإسرائيلي.

يقرأ التقرير التحولات الإسرائيلية خلال عامي الحرب 2024–2025، مع إدراج تداعيات الحرب على إيران ولبنان مطلع عام 2026، بما يتيح مقاربة بنيوية لمسار التحول الإسرائيلي في لحظة إقليمية مفتوحة على إعادة التشكل، وفي ظل سياق استثنائي هو تصاعد ديناميات الحرب الإقليمية بعد الهجمات الإسرائيلية الأمريكية على إيران.
إسرائيل الجديدة: سوبر إسبرطة
يحمل التقرير عنوان: “إسرائيل الجديدة: سوبر إسبرطة الهشّة”، وهو عنوان يعكس المفارقة المركزية التي ينطلق منها التحليل: اتساع غير مسبوق في استخدام القوة الإسرائيلية مقابل عجز متزايد عن إنتاج استقرار سياسي أو إعادة تشكيل إقليمي قابل للدوام.

ويعتمد التقرير مقاربة تحليلية مركبة موزعة على سبعة محاور رئيسية، إضافة إلى ملخص تنفيذي افتتاحي، ويحتوي على أقسام تعالج موضوعات هي: إسرائيل والمسألة الفلسطينية، النظام السياسي والحزبي الداخلي، العلاقات الخارجية، المحور الأمني– العسكري، الاقتصاد، المجتمع، وأخيرًا الفلسطينيين في إسرائيل.
وقد شارك في إعداد الفصول مجموعة من الباحثين المتخصصين: وليد حباس، أنطوان شلحت، خالد عنبتاوي، فادي نحاس، عاص أطرش، لينا دلاشة، ورائف زريق، فيما تولّت تحريره الدكتورة هنيدة غانم مديرة المركز.
يخلص التقرير، إلى أن حكومة اليمين بقيادة بنيامين نتنياهو سعت خلال عامي الحرب 2024– 2025 ومطلع 2026 إلى تحويل الحرب من أزمة وجودية إلى فرصة استراتيجية؛ لإعادة صياغة إسرائيل بوصفها “إسرائيل جديدة”، تقوم على نموذج دولة فائقة القوة قادرة على فرض الوقائع وإعادة تشكيل الإقليم.
وقد تحرك هذا المشروع عبر ثلاثة مسارات مترابطة:
تصفية القضية الفلسطينية، وإعادة هندسة الإقليم، وإعادة ضبط البنية الداخلية للدولة عبر تسريع التحول في النظام السياسي وتقويض ما تبقى من الضوابط الليبرالية.
غير أن التقرير يؤكد أن هذا التحول رغم اتساعه، لم يمثل قطيعة تاريخية، بل جاء “تكثيفًا وتكييفًا أكثر صراحة لمنطقها وأدواتها ودفعًا بها نحو أقصاها”.
ويضع التقرير هذا المسار داخل مفارقة مركزية:
فائض قوة عسكري غير مسبوق يقابله عجز بنيوي عن تحويله إلى إنجاز سياسي مستقر.
مأزق فائض القوة وحدود الإنجاز السياسي
يكشف التقرير أن الحرب على إيران في نهاية فبراير 2026 شكّلت ذروة اختبار لنموذج “إسرائيل الجديدة”، حيث راهنت إسرائيل، بدعم أمريكي على إمكانية تحقيق “ضربة حاسمة” تعيد تشكيل الإقليم.
لكن مسار الحرب أظهر فجوة جوهرية بين التقديرات والوقائع، إذ يورد التقرير أن هناك “فجوة واضحة بين الأهداف التي وُضعت للحرب والتقديرات التي بُنيت عليها سيناريوهاتها وبين دينامياتها الفعلية ومسار تطورها”.
ويشير التحليل إلى أن الإشكال لا يتعلق بخطأ تقديري ظرفي، بل ببنية تفكير استراتيجية مغلقة، ما زالت أسيرة تصور “القدرة المطلقة”، رغم أن الواقع كشف حدود تحويل الدمار العسكري إلى نتائج سياسية دائمة.
الداخل السياسي وصعود “النتنياهوية”
على المستوى الداخلي، يوضح التقرير أن الحرب لم تُنتج بدائل سياسية حقيقية، بل عززت هيمنة منطق سياسي واحد، بات يطبع المجال العام الإسرائيلي.
فـ“النتنياهوية” لم تعد مرتبطة بشخص نتنياهو فقط، بل تحولت إلى إطار سياسي شامل يضبط حركة اليمين والمعارضة على حد سواء.
ويؤكد التقرير أن الخلاف السياسي لم يعد يدور حول الحرب أو التسوية، بل داخل أفق مغلق تهيمن عليه القوة، إذ إن قضايا الحرب والسلم والمسألة الفلسطينية باتت تتحرك “داخل أفق سياسي، يهيمن عليه اليمين القومي ويضبط إيقاعه”.
وبذلك، تتحول المعارضة نفسها إلى جزء من البنية السياسية القائمة، لا إلى بديل عنها.
الاقتصاد والرافعة التكنولوجية للحرب
يشير التقرير إلى أن قطاع الهاي تك “التكنولوجيا الفائقة” لعب دورًا حاسمًا في منع تحول الحرب إلى أزمة اقتصادية شاملة، إذ بلغت مساهمته نحو 57% من الصادرات الإسرائيلية في النصف الأول من 2025.
كما نجحت إسرائيل في تحويل تفوقها العسكري إلى قيمة اقتصادية عالمية، مع وصول صادراتها الدفاعية إلى نحو 15 مليار دولار في 2024.
ويبرز التقرير تعمق الاندماج بين المؤسسة العسكرية وشركات التكنولوجيا العالمية، خاصة في مجالات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية، بما يعكس تشابك القوة العسكرية مع الاقتصاد الرقمي العالمي.
البعد الدولي وتحالف ترامب– نتنياهو
يخلص التقرير إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفرت غطاءً سياسيًا واسعًا لإسرائيل عبر تقويض منظومات الضبط الدولي، وإضعاف المؤسسات متعددة الأطراف، ما وسّع هامش استخدام القوة.
لكن هذا التحالف، وفق التقرير، يحمل ارتدادات محتملة، إذ قد يتحول على المدى المتوسط إلى عامل ضغط على العلاقة الأمريكية– الإسرائيلية، في ظل تزايد الجدل داخل الولايات المتحدة حول الكلفة السياسية والأخلاقية لهذا الدعم.
استشراف المستقبل
المسألة الفلسطينية وإعادة إنتاج الصراع
يضع التقرير المسألة الفلسطينية في قلب التحول الإسرائيلي، باعتبارها بنيته المركزية، حيث يتجه الواقع في غزة نحو تحويل القطاع إلى فضاء “غير قابل للحياة”، بالتوازي مع تسارع عمليات الضم الفعلي في الضفة الغربية وتفكيك البنية السياسية الفلسطينية.
وتؤدي هذه التحولات، وفق التقرير، إلى إغلاق أفق حلّ الدولتين وفتح مسار بديل قائم على واقع الدولة الواحدة، بما يعيد صياغة الصراع داخل فضاء سياسي واحد بين النهر والبحر، تتبلور فيه “إسرائيل الجديدة” بوصفها بنية سيطرة ممتدة، تقوم على تفوق قومي غير متكافئ.
وفي هذا السياق، يخلص مركز “مدار” إلى أن المشروع الإسرائيلي الراهن يقوم على مفارقة بنيوية، تتمثل في اتساع غير مسبوق في استخدام القوة مقابل عجز متزايد عن إنتاج استقرار سياسي، إذ كلما اندفعت إسرائيل أبعد في تكريس نموذج “دولة سوبر إسبرطة”، تعمّق التناقض بين قدرتها المتصاعدة على التدمير وبين عجزها عن تحويل ذلك إلى منجز سياسي ثابت.
ومع إعادة تشكيل الوقائع على الأرض ضمن فضاء واحد، بمنظومتَي حكم منفصلتين لليهود والفلسطينيين وعلى أساس تفوق وحصرية الحقوق القومية للجماعة اليهودية، لا تنتهي المسألة الفلسطينية، بل تُعاد صياغتها داخل إطار جديد من التمييز البنيوي.
ويشير المركز إلى أن هذا الواقع، رغم ما قد يفرضه من استقرار قصير الأمد، وما قد يسببه من تفكك في الترتيبات القائمة، يظل هشًا ومؤقتًا، فيما يُرجّح أن يعيد الفلسطينيون تموضع نضالهم حول سؤال الأبارتهايد “الفصل العنصري” وسبل تفكيكه بوصفه الإطار المركزي للصراع في مرحلته المقبلة.
تقديس الحرب
وفي ظل هيمنة منطق القوة وتصاعد النزعة الأصولية القومية، لا يقود الفشل في الحسم إلى المراجعة، بل إلى مزيد من التصعيد والانفلات وتقديس الحرب، بما يسرّع تآكل الشرعية الدولية ويغذي مسارات العزلة ونزع الشرعية عن إسرائيل. ويفتح المجال أمام تحولات طويلة المدى في طبيعة الدولة وموقعها الإقليمي والدولي.
ويشير التقرير ضمن استخلاصات استشرافية، إلى احتمالية تآكل الغطاء الأمريكي على المدى المتوسط.
فيقول: “رغم استفادة إسرائيل “الجديدة” مرحليًا من التحالف الوثيق مع إدارة ترامب، فإن هذا الارتكاز يخفي تآكلًا أعمق في مكانتها داخل الولايات المتحدة، مع اتساع الفجوة داخل الحزب الديمقراطي وبين الشباب والتيارات الليبرالية والتقدمية.
ويستنتج أنه من المحتمل أن تجد إسرائيل نفسها لاحقًا أمام تراجع تدريجي في الدعم غير المشروط، وإزاء إعادة تعريف لمكانتها من حليف استراتيجي محصّن إلى عبء سياسي وأمني وأخلاقي متزايد الكلفة.
الداخل الإسرائيلي
أما عن المستقبل السياسي، فاحتمالية إعادة إنتاج المأزق داخليًا وعجز الانتخابات عن إنتاج بديل قائمة، حيث لا تبدو الانتخابات القادمة مهيأة؛ لإنتاج بديل سياسي فعلي، أو لإحداث انتقال من منطق إدارة الصراع بالقوة إلى منطق التسوية. فالفكر اليميني لم يعد مجرد موقع حزبي، بل أصبح الإطار المهيمن على المجال السياسي الإسرائيلي.
في نفس الوقت، سيبقى الاستقطاب متمحورًا أساسًا حول نتنياهو. وعليه، يُرجّح أن تتحول الانتخابات إلى آلية لإعادة إنتاج المأزق نفسه بصيغ جديدة، لا إلى مدخل لتجاوزه.






