رغم أن العالم العربي شهد هزائم وانكسارات أكثر قسوة من هزيمة 67 إلا أن اللافت أنه لا صدام حسين عقب هزيمته في حرب تحرير الكويت استقال أو اعترف بالهزيمة، إنما خرج ملوحا ببندقيته معلنا “انتصار العراق”، ولا حزب الله أقر بمسؤوليته عن الدمار، الذي أصاب لبنان؛ نتيجة دخوله حرب “إسناد إيران” التي رفضها معظم اللبنانيين.

الخيارات السياسية لأي نظام قد تفضي إلى هزائم، وفي معظم الدول الخيارات الخاطئة لأي منظومة حكم يفترض أن تفضي إلى مراجعة أو تغيير إلا في عالمنا العربي، الذي بقيت نخبته الحاكمة أو تنظيماته المسيطرة محصنة عن النقد الذاتي.

ولذا يبدو لافتا، أن الحالة الوحيدة في التاريخ العربي المعاصر التي أقدم فيها زعيم عربي على الاستقالة والتنحي عن السلطة وأعادته الجماهير لقيادة البلاد بعد مظاهرات شعبية واسعة، كانت حالة عبد الناصر، صحيح يحسب للرئيس مبارك كقائد حارب من أجل وطنه، إنه ترك السلطة عقب ثورة يناير حقنا للدماء وإيمانه بالمسؤولية العامة والمصالح العليا للبلاد وفتح الباب أمام فرصة حقيقية لإصلاح نظامه من داخله، أهدرها تقريبا كل من أدار مشهد ما بعد يناير.

والحقيقة، أن ما فعله عبد الناصر عقب هزيمة 67 كان كبيرا واستثنائيا وأحدث تغييرات عميقة في بنية نظامه السياسي، وتم تغيير قيادات المؤسسة العسكرية وقادة الأجهزة الأمنية وتحدث الرجل عن الديمقراطية وعن ضرورة وجود حزبين سياسيين، وكانت أفكاره أقرب لما طبق بعدها من نظام التعددية المقيدة، وليس الديمقراطية الكاملة، ولكنه كان خطوة للأمام مقارنة بنظام الحرب الواحد.

وقد امتلأت صحيفة الأهرام في تلك الفترة بكتابات نخبة من كبار الكتاب والسياسيين، التي دار أغلبها حول ضرورة التغيير والمراجعة النقدية، وقدمت أفكاراً جديدة وبديلة، لما هو قائم، منها كتابات أحمد بهاء الدين عن الدولة العصرية، وكتابات هيكل ولويس عوض، التي انتقدت أسلوب الاعتقال وزوار الفجر وعدم وجود حدود واضحة لدور أجهزة الأمن.

ولم يشفع النقد الذاتي الذي قدمه عبد الناصر واعترافه بمسؤوليته عن الهزيمة احتجاج قطاعات واسعة من الجماهير ضد نظامه في 1968 وطالبت بمزيد من الإصلاحات، وشهدت البلاد تحركات مدنية للعمال والطلاب، تنادي بمحاسبة المسئولين عن الهزيمة، وخرجت من الجامعات والمصانع بل من بعض المؤسسات السياسية، التي أسسها عبد الناصر مثل منظمة الشباب، قوي مدنية يسارية وليبرالية، وليس جماعات إرهابية أو قوى ظلامية، كما جرى في فترات تالية، تطالب بالإصلاح الجذري. 

والمؤكد، أن نافذة المراجعة النقدية، هي التي فتحت الباب أمام حرب الاستنزاف وانتصار أكتوبر 1973، بحيث أصبح الاعتراف بالخطأ هو نقطة الانطلاق لتصحيح المسار وتحويل الهزيمة إلى نصر.

صحيح أن كارثة بحجم 67 هي التي فرضت على النظام السياسي المراجعة والنقد الذاتي، لأنها ليست مجرد أخطاء في بعض السياسات يمكن المكابرة فيها أو تجاهلها، لكن اللافت أن العالم العربي شهد بعدها هزائم كثيرة، لم تؤد إلى مراجعة من أي نوع، فهزيمة صدام حسين في حرب تحرير الكويت لم تؤد إلى قيامة بمراجعة من أي نوع، بل لم يعترف من الأصل بالهزيمة، واعتبر ما جرى ” انتصار” في معركة “أم المعارك”، كما أن نظام مثل بشار الأسد جاءته فرصة تاريخية في 2014 لإحداث تغيير آمن من داخله بتنحيه واختيار وزير خارجيته فاروق الشرع بدلا منه، وإنقاذ ما تبقى من الدولة السورية، ورفض بشار ووضع فاروق الشرع تحت الإقامة الجبرية، واستمر يقتل شعبه، ويدمر ما تبقى من دولته حتى سقوطه وهروبه المذل خارج البلاد.

تجارب بلدان كثيرة ونظم ديمقراطية وغير ديمقراطية، عرفت عقب التعثر أو الإخفاق المراجعة وتصحيح الأخطاء، وشهدنا قادة أحزاب سياسية يستقيلون بعد خسارتهم الانتخابات، ومدربين كرة يتركون مواقعهم بعد هزيمة فرقهم في بطولات، كل ذلك يحدث في أي منظومة ترغب في النجاح ما عدا في بلادنا، التي يمكن أن نشهد فيها استقالات وتحمل لمسؤولية الإخفاق في كل المجالات إلا المجال السياسي، الذي بقي أغلب المسؤولين فيه فوق المحاسبة باستثناء ما فعله عبد الناصر عقب هزيمة 67 حين استقال وأعلن تحمله للمسؤولية كاملة.

للأسف كثير من مسارات النظم والتنظيمات، التي ترفع رايات المقاومة، والممانعة لم تقدم أي مراجعة نقدية لتجاربها وبدا المشهد غريبا، أن يكون الولاء للراية العقائدية أهم من الولاء للمواطن الفرد والشعب.

صحيح، أن تجربة إيران على خلاف تجارب نظم ادعاء الممانعة العربية، قيدت المجال العام، ولم تغلقه بالكامل مثل نظم عربية كثيرة، كما أنها قبلت بتنافس من داخل أرضية النظام بين المحافظين والإصلاحيين، أعطى قدرا من الحيوية للنظام القائم، ولذا وجدناها صمدت أمام أعتى الهجمات الأمريكية الإسرائيلية، ولكنها في النهاية ستكون مطالبة بتقديم كشف حساب بعد انتهاء الحرب، وسيكون هذا النظام مطالب بتقديم مراجعة نقدية لمسارة السابق، ويجيب عن تساؤلات مشروعة خاصة، لو قدم تنازلات في مشروعة النووي. هل كان يجب أن يتمسك بهذا المشروع، ويترك فرص الاستثمار في مجالات صناعية وتنموية أخرى؟ وهل تدخله في شؤون الدول الأخرى أفاده أم أضره؟ ألم يفقده حاضنة شعبية، كان يمكن أن تقيده، وخاصة في سوريا ولبنان؟ سؤال النقد الذاتي سيطرح في إيران، إذا أردنا لهذا البلد الكبير أن يستمر محافظا على تماسكه وحضوره الإقليمي والدولي بعيدا عن الخطط الإسرائيلية وكثير من السياسات السابقة.