لم يزل الحوار المجتمعي يزداد سخونة عن مشروع قانون الأسرة الموجود حاليا في مجلس النواب، خصوصًا بعد أن صرحت مؤسسة الأزهر، بأن هذا المشروع لم يتم عرضه عليها، ذلك برغم وجود تصريحات، مفادها أنه قد تم عرضه عليها، وبحسب كون هذا القانون من أهم القوانين الحياتية، التي تتماس مع مصاير المواطنين في العديد من الأطر، بل أنه يتشابك مع الحياة المجتمعية بشكل كامل، وهو الأمر الذي كان يقتضي أن يكون هذا المشروع أكثر حساسية، وأكثر انسجامًا مع الاحتياجات المجتمعية.
وإذ إن ذلك المشروع هو من أكثر مشروعات القوانين إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة، وربما يعود ذلك لما يرتبه من آثار اجتماعية واقتصادية وقانونية واسعة النطاق، وتزداد إشكالية ذلك المشروع مع تصاعد حدة الاعتراضات الحقوقية أو المجتمعية، والتي تجعل من الدولة هي الفاعل الوحيد، حتى مع وجود المؤسسة الدينية، وذلك على أساس حساسية مثل هذا المشروع، باختلافه عن غيره من القوانين المدنية، لكون العلاقات الأسرية في أساس مبناها، تؤسس على اعتبارات أو معايير دينية، ومن ثم قد كان من الأوجب أن يتم استطلاع رأي المؤسسات الدينية، سواء كان الأزهر فيما يخص المسلمين أو الكنيسة في أمور المسيحيين، وهو ما يمكننا أن نعبر عنه بأن الأزمة ليست في وجود بعض النصوص، التي تحتوي على خلل في ميزان العلاقة الأسرية على النحو الذي سبق أن بُين بعضه في مقالات سابقة، وإنما تبدو الأزمة في كيفية أو منهجية إعداد مشروع القانون من الأساس، فمشروعية القوانين لا تقوم فقط من خلال شكلية تمريرها بالتصويت داخل مجلس النواب، بل هناك الشرعية المجتمعية، وهي تلك التي تعتني بكيفية بناء التشريع، ومدى خضوعه لنقاش مجتمعي عام، وهو الأمر الذي يثمر قبولًا مجتمعيًا للتشريع، وهو ما يمكن قوله بصيغة الرضا المجتمعي عن القانون.
وما بين ادعاء الحكومة أن هناك حوارا مجتمعيا ونقاشات قد تمت بخصوص هذا المشروع، وبين تعالي أصوات مختلفة بعدم وجود أي نوع من الحوار المجتمعي الحقيقي، وأن هناك أكثر من مشروع تقدمت به مؤسسات فاعلة في المجتمع المصري، وبين تصريح مؤسسة الأزهر الشريف الأخير، بعدم عرض هذا المشروع عليه، إذن فالأمر لا يجب أن يقف عن حد علو صوت الحكومة صاحبة المشروع، وأنها لن تسحب المشروع، وأنها ماضية في مناقشته داخل مجلس النواب، وذلك باستخدامها الكتلة التصويتية ذات الأغلبية المنتمية للحكومة، وبالتالي، فهو يضمن تمرير هذا المشروع، ولكن هل تصح مثل هذه الحدة في أمور تخص المجتمع بأسره، وهو الأمر الذي ينذر بوجود مشكلة تشريعية حقيقية، كما أنه يعبر بشكل قاطع الدلالة عن انحياز المجلس النيابي للسلطة التنفيذية.
ومن هنا، فقد وجب التذكير بأن القوانين المنظمة للأسرة تختلف بشكل كبير عن التشريعات الأخرى، لأنها لا تنظم العلاقة بين المواطن والدولة فحسب، بل أنها تنظم العلاقات اليومية بين أفراد الأسرة الواحدة، وبالتالي، تنظم العلاقة بين أفراد المجتمع جميعهم، فمن ناحية الشريعة، فقد أوجب الدستور خضوع القوانين للأحكام قاطعة الدلالة والثبوت من أحكام الشريعة، وهو الأمر الذي يقتضي فحصا دقيقا لنصوص مشروع القانون، كما أنه، وعلى الرغم من عدم وجود سند تشريعي لإلزامية عرض المشروع على مؤسسة الأزهر، إلا أن عرضه عليه يزيد من مساحة القبول المجتمعي للقانون، وذلك لثقة المواطنين في المؤسسة الدينية، كما أن رأي مؤسسة الأزهر الشريف يعتبر رأيًا علميًا من جهة ذات صلة بالمشروع ذاته، حتى ولو كانت التعارضات مع أحكام غير قطعية الدلالة من الناحية الشريعة.
كما يجب أن يتم عرض مشروع القانون على أساس أنه لا يميل إلى حماية طرف على حساب طرف آخر، وإنما يجب عرضه على أساس كونه قانونًا لحماية الأسرة وتحقيق العدالة والاندماج بين أطرافها وحماية مصالح جميع الأطراف، دونما ميل أو زيغ، وهو الأمر الذي ينتج قبولا مجتمعيا من زاوية ثانية للمشروع.
وبالتالي، فإن الواجب الحقيقي يقتضي عرض المشروع كاملًا بكل ما دخل عليه من تحديثات أو تغيرات على الرأي العام، بعد أخذ رأي المتخصصين، كما يقتضي الأمر مراجعة النصوص، التي كانت سببًا في إثارة الجدل المجتمعي، وإعادة تدويرها مصحوبة برأي ذوي الخبرات والعلم في مجالات الاختصاص ذات الصلة، ذلك إذ إن أهم أخطاء عرض المشروع الحالي هو الترويج له، باعتباره مشروعًا لحماية الزوجة، إذ إن ذلك لا يعد سببًا من دواعي نجاح المشروع، حيث يبدو النجاح الحقيقي في كيفية الحفاظ على الأسرة ككيان مجتمعي والبحث عن المصلحة الفضلى للأطفال، فيما يتعلق بأحكام النفقات أو الرؤية أو الاستضافة، وما إلى ذلك من حقوق تبدو في ظاهرها سهلة التعبير، ولكن في حقيقتها تحمل بين طياتها العديد من المشكلات ذات الأثر الأبعد، سواء على حساب مصلحة الأبوين أو الأطفال ذاتهم. كما أنه من الحكمة أن نقرر أن نجاح القانون لا يكون فقط من خلال عرض مشروعه على المتخصصين أو خبراء القانون فحسب، إذ إن المشكلة ليست في النصوص، وإنما تبدو المشكلة الحقيقية في الآثار المترتبة على تطبيق هذه النصوص من الناحية الواقعية، هذا بخلاف ما يتم توجيهه من أسهم نقد إلى ما يوجد بهذا المشروع المطروح من عقوبات سالبة للحرية، حيث إن التوسع في تجريم العلاقات الأسرية يزيد من حدة الصراع بين أطراف الأسرة، وبالتالي، وجب التنويه إلى وجود بدائل أخرى، يجب استنفادها قبل اللجوء إلى سلب الحريات في عصر تميل فيه غالبية النظم العقابية إلى البحث عن بدائل للعقوبات السالبة للحرية، ومن أهم هذه الطرق التوسع في استخدام مكاتب الوساطة الأسرية ومكاتب التسوية بشكل أكثر نضجًا وإنتاجًا، وليس بطريقة شكلية، كما هو الوضع القائم حاليًا، كما يجب البحث عن آليات فعالة لتنفيذ الأحكام بعيدًا عن استخدام النماذج التجريمية والعقابية.
إذن، فالأمر يبدو أكثر احتياجًا لمشروع متكامل لمدونة الأحوال الشخصية أو الأسرة يقوم على فلسفة تشريعية واضحة ومعلنة، هدفه الرئيسي حماية الأسرة، باعتبارها أساس المجتمع، يتم خضوعه لمناقشات واسعة من المتخصصين ومن ذوي الخبرات ومن الأسر ذاتها، حتى نصل في نهاية الأمر إلى قانون ذات قبول مجتمعي حقيقي، لا يتم فرضه بطريقة فوقية من الدولة مستخدمة قدرتها التصويتية من خلال استحواذها على الأغلبية داخل مجلس النواب.






