تظهر مؤشرات ميدانية أن قوات الدعم السريع تنسق لشن هجوم واسع على مدينة الأُبيض، في تحول من سياسة الضغط التدريجي إلى محاولة تحقيق حسم عسكري. ويأتي ذلك بعد سلسلة من المحاولات السابقة، التي اعتمدت فيها القوات على مناوشة الجيش واستنزافه وتعطيل حركته، بهدف منعه من إرسال تعزيزات أو توسيع عملياته في بقية مناطق إقليم كردفان. ويعكس هذا النهج نمطاً عملياتياً، سبق أن استخدمته قوات الدعم السريع في بابنوسة والدلنج وكادقلي، حيث عملت على تطويق الحاميات العسكرية وعزلها عن محيطها العملياتي، قبل أن يتمكن الجيش في بعض المراحل من كسر الحصار جزئياً، لتعاود القوات فرضه مجدداً. كما استفادت من انتشارها في جنوب كردفان ومناطق متاخمة لولاية النيل الأزرق في تقليص قدرة الجيش على المناورة وإعادة الانتشار بين الجبهات.
وتكتسب الأبيض أهميتها من موقعها الجغرافي الذي يجعلها عقدة الاتصال الرئيسية في وسط السودان، إذ تربط شرق البلاد وغربها وشمالها وجنوبها عبر خمسة محاور رئيسية، وهو ما يمنحها قيمة عسكرية ولوجستية، تتجاوز حدود ولاية شمال كردفان.
ويتمثل المحور الأول في طريق الأبيض- الخرطوم عبر مدينة كوستي، الذي يربط المدينة بالعاصمة مروراً بالرهد وأم روابة وتندلتي وكوستي، ومنها إلى الخرطوم أو شرق السودان حتى بورتسودان. ويعد هذا الطريق شريان الإمداد الرئيسي الذي لا يزال تحت سيطرة الجيش، لذلك ركزت قوات الدعم السريع خلال الأشهر الماضية على استهدافه بصورة غير مباشرة عبر الهجمات المتكررة بالطائرات المسيّرة على محطات الكهرباء والوقود والبنية التحتية، بهدف تقليص قدرة الجيش على استخدامه بكفاءة.
أما المحور الثاني فهو، طريق الصادرات عبر بارا وأم درمان، وهو أقصر الطرق المؤدية إلى الخرطوم وأحد أهم مسارات نقل البضائع والصادرات، وتفرض قوات الدعم السريع سيطرة واسعة عليه وعلى القرى المحيطة به. ويتمثل المحور الثالث في طريق الأبيض- النهود الذي يربط كردفان بإقليم دارفور، ويعد الشريان الرئيسي للإمداد والتجارة غرباً، ويقع كذلك ضمن نطاق سيطرة الدعم السريع.
أما المحور الرابع فهو، طريق الأبيض- الدلنج- كادقلي، الذي يمثل حلقة الوصل بين شمال وجنوب كردفان، ويعد حالياً منطقة تماس رئيسية بين الطرفين. وتنبع أهميته من أن أي انسحاب للقوات المسلحة من الدلنج أو محيطها باتجاه الأبيض قد يؤدي إلى انهيار خط الدفاع الجنوبي، ويفتح الطريق أمام تطويق المدينة، وهو ما يجعل هذا المحور نقطة استنزاف رئيسية للطرفين.
ويتمثل المحور الخامس في طريق الأبيض- الفولة- المجلد المؤدي إلى مناطق النفط والرعي في غرب كردفان، والذي تخضع أجزاء واسعة منه أيضاً لسيطرة الدعم السريع.
بناءً على هذه الخريطة، يبدو أن الجيش يعتمد عملياً على محور كوستي، باعتباره المنفذ البري الرئيسي، مع تعويض محدودية الحركة البرية بالقدرات الجوية والطائرات المسيّرة. وفي المقابل، يعكس استهداف الجيش خلال الفترة الأخيرة لخطوط إمداد الدعم السريع القادمة عبر ليبيا، وعملياته في شمال وغرب دارفور وعلى الحدود التشادية، إدراكاً متزايداً بأن الدفاع عن الأبيض يبدأ من تعطيل الشبكات اللوجستية، التي تغذي الهجوم قبل وصوله إلى المدينة.
ولا تقتصر أهمية الأبيض على كونها عقدة مواصلات، بل تمثل آخر مركز حضري وعسكري رئيسي، يمنع الدعم السريع من استكمال سيطرته على شبكة الطرق في إقليم كردفان. فمع سيطرته على أجزاء واسعة من غرب وشمال كردفان، وحصاره للدلنج وكادقلي، أصبحت الأبيض تمثل العقبة الرئيسية أمام فرض هيمنة كاملة على الحركة بين دارفور وكردفان. ومن ثم، فإن السيطرة عليها ستمنح الدعم السريع القدرة على التحكم بمعظم المحاور البرية في الإقليم، وتضييق الخناق على ما تبقى من مواقع القوات المسلحة في جنوب كردفان، مع زيادة الضغط العملياتي على ولاية النيل الأبيض. أما احتفاظ الجيش بالمدينة، فلا يعني استعادة زمام المبادرة، وإنما الحفاظ على آخر مركز عمليات رئيسي، يعرقل اكتمال سيطرة الدعم السريع على وسط وغرب كردفان، ويحد من قدرته على توظيف تفوقه الجغرافي في عمليات أوسع.
الهجوم المرتقب.. عوامل القوة والضعف واحتمالات الحسم
تشير المعطيات الحالية، إلى أن الدعم السريع يسعى للانتقال من سياسة الحصار والاستنزاف إلى محاولة حسم عسكري أكثر تنظيماً، يقوم على تشديد العزلة المفروضة على المدينة، واستهداف بنيتها التحتية، والضغط المتزامن على عدة محاور، بما يقلل قدرة الجيش على المناورة وإعادة توزيع قواته.
ويشير نمط العمليات العسكرية خلال الأشهر الأخيرة إلى تحول ملحوظ في قدرات الدعم السريع على الانتقال من الدفاع عن مناطق نفوذه إلى تنفيذ عمليات هجومية متزامنة في أكثر من مسرح عمليات. ويبدو أن هذا التحول ارتبط باستمرار تدفق الإمدادات العسكرية واللوجستية عبر الحدود الغربية، بما يشمل العربات القتالية والذخائر والطائرات المسيّرة، فضلاً عن القدرة على تعويض الخسائر البشرية وإعادة تشكيل الوحدات القتالية بصورة متواصلة. وقد انعكس ذلك في اتساع رقعة العمليات، بالتوازي في دارفور وكردفان، مع المحافظة على القدرة على فرض الحصار حول مدن رئيسية، وفي الوقت ذاته تنفيذ هجمات على محاور أخرى، وهو ما يشير إلى تحسن نسبي في منظومة القيادة والسيطرة والإمداد مقارنة بالمراحل الأولى من الحرب.
وفي هذا السياق، تكتسب العمليات الأخيرة في شمال ولاية شمال دارفور أهمية خاصة، إذ شنت قوات الدعم السريع هجمات على عدد من القرى الواقعة على امتداد المحور المؤدي إلى معبر الطينة البري، الذي يمثل إحدى أهم بوابات الاتصال مع ليبيا وتشاد، وهي مناطق تنشط فيها القوات المشتركة المتحالفة مع الجيش، وتشير هذه التحركات إلى أن الدعم السريع لا يستهدف توسيع نطاق سيطرته المحلية فحسب، وإنما يسعى إلى تأمين خطوطه اللوجستية ومنع أي تهديد، يمكن أن تتعرض له طرق الإمداد القادمة من الحدود الغربية. وفي المقابل، يبدو أن القوات المشتركة، رغم فقدانها السيطرة على مدينة الفاشر، لا تزال تحتفظ بقدرة عملياتية في شمال وغرب دارفور، الأمر الذي يسمح لها بمواصلة استنزاف قوات الدعم السريع وتهديد خطوط إمداده، وهو ما يوفر للقوات المسلحة ميزة غير مباشرة، تتمثل في إجبار الدعم السريع على توزيع قواته وموارده بين حماية خطوطه الخلفية ومواصلة عملياته الهجومية في كردفان.
وفي المقابل، اضطر الجيش إلى توزيع قواتها على جبهات واسعة، تمتد من دارفور إلى كردفان والخرطوم والولايات الشرقية، الأمر الذي حدّ من قدرتها على تركيز قوات برية كبيرة في محور واحد لفترات طويلة. وأمام هذا الواقع، أصبح الجيش يعتمد بصورة متزايدة على التفوق النسبي في القوة الجوية والطائرات المسيّرة؛ لتعويض محدودية المناورة البرية، واستهداف مراكز القيادة وخطوط الإمداد وتجمعات الدعم السريع قبل وصولها إلى مناطق العمليات. كما اتجه إلى نقل جزء من المواجهة بعيداً عن الأبيض عبر استهداف مسارات الإمداد القادمة من ليبيا وشمال دارفور والحدود التشادية، في محاولة لإضعاف القدرة الهجومية للدعم السريع قبل وصولها إلى محيط المدينة، بدلاً من الاكتفاء بالدفاع داخلها.
وبناءً على ذلك، لا تبدو معركة الأبيض معركة تفوق عددي بين الطرفين، بقدر ما تمثل اختباراً لقدرة كل منهما على الحفاظ على منظومته اللوجستية. فالدعم السريع يعتمد على استمرار تدفق الإمدادات عبر الحدود الغربية وحماية طرقها من أي اختراق، بينما يعتمد الجيش على إبقاء خطوط اتصاله الداخلية مفتوحة، ولا سيما محور كوستي، مع الاستفادة من عمليات القوات المشتركة في شمال وغرب دارفور لاستنزاف الدعم السريع وإجباره على القتال في أكثر من جبهة في الوقت نفسه. ومن ثم، فإن نتيجة المعركة لن تتحدد فقط بحجم القوات المنتشرة حول الأبيض، وإنما أيضاً بقدرة كل طرف على استدامة الإمداد والمناورة على المستوى الإقليمي.
ثلاثة سيناريوهات
ويمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل المعركة في الأبيض. يتمثل السيناريو الأول في نجاح قوات الدعم السريع في استكمال تطويق المدينة وقطع ما تبقى من خطوط إمدادها، بما في ذلك الضغط على محور كوستي، ثم الانتقال إلى السيطرة على الأبيض. وفي حال تحقق هذا السيناريو، فإن أثره لن يقتصر على سقوط مركز إداري مهم، بل سيؤدي إلى تغير جوهري في ميزان العمليات بوسط السودان، عبر منح الدعم السريع قدرة أكبر على التحكم في شبكة الطرق الرئيسية في كردفان، وزيادة الضغط على ما تبقى من مواقع القوات المسلحة في جنوب كردفان وولاية النيل الأبيض.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار حالة الحصار والاستنزاف المتبادل دون قدرة أي طرف على تحقيق حسم عسكري سريع. ويظل هذا السيناريو مرجحاً، إذا حافظت القوات المسلحة على خط إمدادها عبر كوستي، واستمرت في استخدام القوة الجوية، بالتوازي مع استمرار الضغوط التي تمارسها القوات المشتركة في شمال وغرب دارفور على خطوط إمداد الدعم السريع، بما يجبره على توزيع قواته وموارده بين أكثر من جبهة.
ويتمثل السيناريو الثالث في نجاح الجيش، بالتنسيق مع القوات المشتركة، في تعطيل مسارات الإمداد القادمة من الحدود الغربية واستنزاف القوة الهجومية للدعم السريع، بما يؤدي إلى تراجع قدرته على الحفاظ على الحصار أو تنفيذ هجوم واسع على المدينة. وفي هذه الحالة قد لا يستعيد الجيش زمام المبادرة بصورة كاملة، لكنه سيتمكن من تثبيت دفاعاته في الأبيض وتقليص القدرة العملياتية للدعم السريع في إقليم كردفان، مع الحفاظ على المدينة بوصفها مركزاً إدارياً ومؤسساتياً، يمثل استمرار وجود الدولة في المنطقة.
قراءة مقارنة ودلالات سياسية
تختلف معركة الأبيض عن معظم المعارك، التي شهدها السودان منذ اندلاع النزاع، لأنها لا تدور حول مدينة معزولة أو حامية عسكرية، وإنما حول مركز إداري ولوجستي، يمثل نقطة ارتكاز للدولة في إقليم كردفان. ومن ثم، فإن نتائجها لن تقتصر على إعادة رسم خريطة السيطرة العسكرية، بل ستؤثر أيضاً في التوازنات السياسية والعسكرية والإنسانية على المستوى الوطني.
ويمكن مقارنة الوضع الراهن في الأبيض بالمراحل التي سبقت الهجوم على الفاشر، إلا أن المقارنة تكشف اختلافات جوهرية، تحد من إمكانية إسقاط التجربتين على نحو متطابق. ففي الفاشر، ارتبطت المعركة بصراع تاريخي ذي أبعاد إثنية وقبلية بين المجموعات العربية وغير العربية، وهو صراع تعمق عبر عقود من النزاعات على الأرض والموارد، وأنتج حالة من الاستقطاب المجتمعي، جعلت قطاعات واسعة من السكان، تنظر إلى سقوط المدينة، باعتباره تهديداً وجودياً، خاصة بعد الانتهاكات الواسعة التي شهدتها الجنينة وأجزاء من دارفور، وما رافقها من تهجير جماعي واتهامات بارتكاب أفعال قد ترقى إلى الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية. كما أن وجود معسكري زمزم وأبو شوك، والحضور القوي للحركات المسلحة المتحالفة مع القوات المسلحة، وفر قاعدة اجتماعية وعسكرية، ساهمت في إطالة أمد المقاومة.
أما الأبيض فتختلف في بنيتها الاجتماعية والسياسية؛ إذ يغلب عليها الطابع الحضري، مع تمثيل واسع لمختلف القبائل والمكونات الاجتماعية، ولم تشهد تاريخياً المستوى ذاته من الاستقطاب الإثني، الذي ميّز أجزاء من دارفور. كما أن مناطق واسعة شمال المدينة مثلت قبل الحرب نطاق نفوذ تقليدياً للدعم السريع، الأمر الذي يجعل احتمالات تشكل مقاومة شعبية منظمة وممتدة، على غرار ما حدث في الفاشر، أقل ترجيحاً. وبالتالي، فإن قدرة المدينة على الصمود ستظل مرتبطة بدرجة أكبر بقدرات القوات المسلحة على المحافظة على خطوط الإمداد واستدامة العمليات العسكرية، أكثر من ارتباطها بوجود حاضنة مجتمعية واسعة للمقاومة.
ومن زاوية أخرى، تكشف معركة الأبيض عن اختلاف جوهري في طبيعة الاستراتيجية، التي يتبناها كل طرف. فالجيش يدافع عن مدينة، تمثل مركزاً إدارياً ومؤسساتياً للدولة، وهو ما يفرض عليها الحفاظ على الحد الأدنى من الأمن والخدمات العامة والبنية التحتية واستمرار عمل المؤسسات المدنية، الأمر الذي يزيد من القيود العملياتية المفروضة عليها، ويرفع الكلفة السياسية والإنسانية لأي مواجهة داخل المدينة. وفي المقابل، لا يتحمل الدعم السريع الأعباء ذاتها، إذ يقوم جزء من استراتيجيته على إنهاك مؤسسات الدولة وتعطيل البنية التحتية وإضعاف قدرة الحكومة على إدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها، بما يجعل الفوضى في حد ذاتها أداة لتحقيق مكاسب عسكرية وسياسية.
كما أن نتائج المعركة ستكون ذات دلالات سياسية، تتجاوز الأبيض نفسها. فإذا تمكن الدعم السريع من السيطرة على المدينة، فسوف يعزز روايته، بأنه انتقل من قوة تسيطر على أطراف البلاد إلى قوة قادرة على فرض نفوذها على قلب السودان، وسيحسن موقعه التفاوضي في أي عملية سياسية مستقبلية، فضلاً عن تعزيز سيطرته على أهم شبكة طرق في إقليم كردفان. أما إذا تمكنت القوات المسلحة من الحفاظ على المدينة، فسيشكل ذلك دليلاً على استمرار قدرة الدولة على حماية مراكزها الإدارية رغم اتساع رقعة سيطرة الدعم السريع، وسيمنح الجيش فرصة لمواصلة استراتيجية استنزاف خصمه عبر استهداف خطوط إمداده، مع الحفاظ على الأبيض باعتبارها نقطة ارتكاز لأي عمليات مستقبلية في كردفان.
وعلى المستوى الدولي، لا تقتصر أهمية الأبيض على بعدها الإنساني، وإنما ترتبط بموقعها في معادلة التنافس الإقليمي حول السودان. فالمدينة تمثل نقطة ارتكاز، تربط غرب السودان بوسطه، وبالتالي، فإن السيطرة عليها ستعيد تشكيل خريطة النفوذ في إقليم كردفان، وهو ما سينعكس على حسابات الدول المنخرطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الصراع. فكلما توسعت سيطرة الدعم السريع على هذا المحور، ازداد اعتماده على شبكات الإمداد العابرة للحدود الغربية، في حين تصبح قدرة القوات المسلحة على الفصل بين جبهات دارفور وكردفان أكثر تراجعاً. ولذلك، فإن معركة الأبيض لا تُقرأ باعتبارها مواجهة محلية، وإنما باعتبارها حلقة في صراع أوسع يتعلق بالسيطرة على الممرات البرية وشبكات الإمداد، التي تربط السودان بعمقه الإقليمي.
كما أن نتائج المعركة ستؤثر بصورة مباشرة في مستقبل أي عملية سياسية، ترعاها الأطراف الإقليمية والدولية. فالتجارب السابقة تشير إلى أن موازين القوى على الأرض كانت دائماً المحدد الرئيسي لمواقف الوسطاء أكثر من التصريحات السياسية. ومن ثم، فإن سيطرة الدعم السريع على الأبيض ستمنحه ورقة تفاوضية إضافية، لأنه سيكون قد فرض نفوذاً، يمتد من معظم دارفور إلى أجزاء واسعة من كردفان، بما يعزز من طرحه، باعتباره سلطة أمر واقع على مساحة جغرافية كبيرة من السودان. أما احتفاظ القوات المسلحة بالمدينة، فسيؤكد استمرار قدرتها على حماية المراكز الإدارية الرئيسية ومنع تحول نفوذ الدعم السريع إلى سيطرة جغرافية متصلة، وهو ما سيحافظ على موقعها التفاوضي، ويحد من أي محاولات لإعادة صياغة التوازنات السياسية استناداً إلى المكاسب العسكرية للدعم السريع.
أيضا تمثل الأبيض نقطة توازن بين أقاليم السودان المختلفة. فخروجها من سيطرة الدولة سيعني انتقال الصراع من مرحلة التنافس على المدن إلى مرحلة إعادة تشكيل المجال الجغرافي، الذي تتحرك فيه الأطراف المسلحة. كما سيؤثر في أمن طرق التجارة الداخلية، وحركة المساعدات الإنسانية، وربط دارفور بوسط السودان، الأمر الذي سيجعل تداعيات المعركة تتجاوز حدود كردفان لتنعكس على استقرار السودان ككل. ولهذا، يُرجح أن تزداد الضغوط الدولية للدفع نحو ترتيبات إنسانية أو وقف مؤقت لإطلاق النار، إذا اقتربت العمليات من داخل المدينة، ليس فقط لحماية المدنيين، وإنما أيضاً لتجنب انهيار مركز إداري ولوجستي، يمثل شرياناً رئيسياً للعمل الإنساني في غرب ووسط السودان.
وفي المقابل، تكشف محدودية المواقف الدولية حتى الآن عن استمرار النهج الذي طبع التعامل مع النزاع منذ اندلاع الحرب، والقائم على التركيز على إدارة التداعيات الإنسانية أكثر من معالجة الأسباب العسكرية والسياسية للصراع. ولذلك، فإن أي بيانات أو تحركات دبلوماسية بشأن الأبيض، ما لم تقترن بإجراءات عملية، تؤثر في مصادر التسليح والتمويل وشبكات الإمداد العابرة للحدود، ستظل محدودة التأثير في تغيير ميزان القوى على الأرض، وستبقى أقرب إلى إدارة الأزمة منها إلى تسويتها.






