لم يعد دخول الحرب السودانية “اندلعت في 15 إبريل 2023” عامها الرابع، يعني مجرد استمرار المواجهات العسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، بل يمثل بداية مرحلة جديدة، تتغير فيها طبيعة الصراع نفسه. فبعد ثلاثة أعوام، هيمنت فيها الحسابات العسكرية على المشهد، برزت خلال الأسابيع الأخيرة مؤشرات على انتقال مركز الثقل تدريجيًا إلى الساحة السياسية والدبلوماسية، مدفوعًا بحراك أمريكي متصاعد، يسعى إلى الجمع بين هدنة إنسانية وعملية سياسية متوازية، بما يعيد رسم معادلة السلطة في السودان.
ورغم أن واشنطن لم تعلن رسميًا تفاصيل خريطة الطريق، التي تعمل عليها، فإن التحركات الدبلوماسية والاتصالات التي جرت خلال الفترة الماضية، وما رافقها من تسريبات وردود أفعال داخلية، تكشف أن الأزمة السودانية دخلت بالفعل مرحلة إعادة فرز التحالفات، ليس فقط بين الجيش والدعم السريع، وإنما داخل كل معسكر على حدة. ولذلك، فإن التطورات الأخيرة يمكن قراءتها، باعتبارها بداية لصراع جديد حول من يمتلك حق تمثيل السودان في أي تسوية سياسية مقبلة.
الحراك الأمريكي.. من إدارة الحرب إلى صناعة التسوية
يبدو أن المقاربة الأمريكية تجاه السودان تشهد تحولًا نوعيًا. ففي السنوات الماضية، انصب الجهد الدولي على محاولات وقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، بينما تشير المعطيات الحالية إلى أن واشنطن باتت تتعامل مع الهدنة، باعتبارها مدخلًا لعملية سياسية، وليس هدفًا قائمًا بذاته.
وتقوم هذه المقاربة على مسارين متوازيين؛ الأول تثبيت وقف إطلاق نار قابل للاستمرار، والثاني إطلاق حوار سياسي لا ينتظر نهاية العمليات العسكرية بصورة كاملة، انطلاقًا من الاقتناع بأن انتظار الحسم العسكري أصبح خيارًا غير واقعي بعد أكثر من ثلاث سنوات من الاستنزاف المتبادل.
ويعكس هذا التحول إدراكًا أمريكيًا، بأن الأزمة السودانية لم تعد مجرد نزاع داخلي، بل أصبحت مصدرًا لعدم الاستقرار في منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، بما يجعل الوصول إلى تسوية سياسية ضرورة إقليمية ودولية، وليس مطلبًا سودانيًا فحسب.
تنافس داخل مجلس السيادة
من أبرز المؤشرات على التحولات الجارية، ما أثير حول لقاء عضو مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول شمس الدين كباشي بكبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والعربية، مسعد بولس، في القاهرة مطلع الشهر الجاري.
ورغم غياب رواية رسمية مفصلة حول اللقاء، فإن ما تداولته بعض القنوات، نقلًا عن مصادر، وصفت بأنها مقربة من رئيس مجلس السيادة، بشأن وجود حالة استياء من انعقاد اللقاء، يعكس-إذا صحت تلك الروايات- حجم التنافس داخل معسكر السلطة حول إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة.
ولا يتعلق الأمر هنا بخلاف بروتوكولي، بقدر ما يرتبط بإدراك متزايد داخل المؤسسة الحاكمة، بأن واشنطن ستكون اللاعب الأكثر تأثيرًا في تحديد ملامح المرحلة المقبلة، وأن من يمتلك قناة التواصل الأكثر فاعلية معها سيكون صاحب النفوذ الأكبر في ترتيبات ما بعد الحرب.
وبذلك يصبح الصراع على إدارة السياسة الخارجية امتدادًا طبيعيًا للصراع على النفوذ داخل السلطة، خصوصًا مع اقتراب لحظة الانتقال من إدارة الحرب إلى التفاوض حول السلام.
معضلة حلفاء الجيش
الحراك الأمريكي يضع أيضًا حلفاء الجيش أمام تحديات غير مسبوقة.
فالتقارير المتداولة بشأن العملية السياسية المرتقبة تشير إلى اتجاه لاستبعاد التيار الإسلامي من أي ترتيبات تفاوضية، وهو ما يعني أن أحد أبرز الحلفاء السياسيين للجيش قد يجد نفسه خارج معادلة التسوية، حتى وإن ظل حاضرًا داخل بعض مؤسسات الدولة.
وبالنسبة للإسلاميين، فإن هذا التطور لا يعني فقط خسارة مقاعد على طاولة التفاوض، بل يهدد مستقبل نفوذهم السياسي، خاصة إذا ارتبطت التسوية بإصلاحات مؤسسية وإعادة هيكلة للأجهزة الأمنية والعسكرية.
وفي الوقت نفسه، تواجه الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش معضلة مختلفة. فهذه الحركات دخلت الحرب، باعتبارها شريكًا عسكريًا وسياسيًا، لكنها تجد نفسها أمام عملية تفاوضية لا تمنحها الوزن الذي كانت تتوقعه.
كما أن طول أمد الحرب أدى إلى تراجع حضور بعضها في مناطق نفوذها التقليدية، بفعل النزوح والتغيرات الاجتماعية والعسكرية، الأمر الذي أضعف قدرتها على الادعاء، بأنها الممثل الوحيد لحواضنها المحلية، وهو ما قد ينعكس على حجم تمثيلها في أي ترتيبات سياسية مقبلة.
خلخلة داخل تحالف بورتسودان
كلما اقترب الحديث عن التسوية ازدادت التناقضات داخل التحالف الداعم للسلطة في بورتسودان.
فهذا التحالف تأسس على هدف مشترك، هو مواجهة الدعم السريع، لكنه لم ينجح في إنتاج رؤية موحدة لليوم التالي للحرب. ولذلك بدأت تظهر تباينات بين مكوناته حول شكل الدولة المقبلة، وطبيعة العملية السياسية، والعلاقة مع المجتمع الدولي.
ويبدو أن كل طرف يحاول تأمين موقعه قبل بدء المفاوضات، وهو ما يجعل الصراع على النفوذ داخل المعسكر نفسه أكثر وضوحًا من أي وقت مضى.
الضغوط تتزايد على الدعم السريع
في المقابل، لا تبدو أوضاع قوات الدعم السريع أقل تعقيدًا.
فبحسب ما أوردته تقارير إعلامية، أبدت الحركة تحفظات على مقترحات، تتعلق بانسحابات شاملة ضمن ترتيبات وقف إطلاق النار، في وقت تتزايد فيه الضغوط الدولية عليها؛ نتيجة الاتهامات المتعلقة بالانتهاكات الجسيمة ضد المدنيين.
كما تتسع دائرة العقوبات الدولية المفروضة على قيادات مرتبطة بالحركة، بما يقلص هامش المناورة السياسية، ويضعها أمام خيارات أكثر صعوبة.
وفي موازاة ذلك، تتحدث تقارير عن محاولات لتفكيك البنية القيادية للدعم السريع عبر استقطاب بعض قياداته أو تشجيع انضمامها إلى الجيش، بما يفتح الباب أمام سيناريو، يعتمد على إعادة تشكيل الحركة من الداخل، بدلًا من الاكتفاء بالحسم العسكري.
وحتى مع صعوبة التحقق من حجم هذه التحركات، فإن تداولها يعكس أن الضغوط على الدعم السريع لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت سياسية وتنظيمية أيضًا.
السودان.. ساحة تنافس إقليمي
لا يمكن فهم الحراك الأمريكي بمعزل عن التنافس الإقليمي الدائر حول السودان.
فالقوى الإقليمية تنظر إلى السودان، باعتباره حلقة رئيسية في أمن البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ولذلك تختلف رؤيتها بشأن شكل السلطة المقبلة، ومستقبل المؤسسة العسكرية، وترتيبات الأمن الإقليمي.
ومن ثم، فإن أي تقدم في المسار الأمريكي سيظل مرهونًا بقدرته على التوفيق بين مصالح هذه المحاور المتنافسة، وهو أمر بالغ التعقيد، لأن السودان لم يعد مجرد ساحة صراع داخلي، بل أصبح ميدانًا لتقاطع مشاريع إقليمية ودولية متعددة.
تطلعات الفاعلين في التسوية المقبلة
تشير المؤشرات الحالية، إلى أن لكل طرف حساباته الخاصة تجاه العملية السياسية المرتقبة.
فالولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت هدنة مستدامة وإطلاق عملية سياسية، تنتج شريكًا سودانيًا قادرًا على تنفيذ أي اتفاق، مع الحد من نفوذ القوى، التي تعتبرها معطلة للتسوية.
أما الجيش، فيعمل على الحفاظ على شرعية مؤسسات الدولة وموقعه القيادي في المرحلة الانتقالية، مع السعي للحصول على اعتراف دولي دون تقديم تنازلات، تمس مكانته داخل منظومة الحكم.
في المقابل، يسعى الدعم السريع إلى الاحتفاظ بوجوده السياسي والعسكري ضمن أي ترتيبات انتقالية، مع تقليل آثار العقوبات الدولية ومنع أي مسار يؤدي إلى تفكيك بنيته القيادية.
أما التيار الإسلامي، فيواجه معركة تتعلق بالحفاظ على نفوذه داخل مؤسسات الدولة، بعد أن بات احتمال استبعاده من العملية السياسية أكثر حضورًا في النقاشات الدولية.
وتسعى الحركات المسلحة إلى المحافظة على المكاسب، التي حققتها منذ اتفاق جوبا، وضمان استمرار حضورها في مؤسسات الحكم والترتيبات الأمنية.
بينما تراهن القوى المدنية على استعادة مسار الانتقال الديمقراطي، وتأسيس سلطة انتقالية ذات قاعدة سياسية أوسع، مع إصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية.
ثلاثة سيناريوهات
استنادًا إلى المعطيات الحالية، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:
السيناريو الأول، يتمثل في نجاح الضغوط الدولية في تثبيت هدنة طويلة، يعقبها انطلاق عملية سياسية تدريجية، تعيد تشكيل التحالفات، وتؤسس لمرحلة انتقالية جديدة، مع استمرار التفاوض حول ملفات الأمن وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
أما السيناريو الثاني، فيقوم على نجاح محدود في خفض العمليات العسكرية، يقابله تعثر سياسي؛ بسبب الخلافات حول تقاسم السلطة، ومستقبل القوات المسلحة، ومشاركة القوى المختلفة، بما يبقي السودان في حالة “اللا سلم واللا حرب”.
بينما يفترض السيناريو الثالث، انهيار جهود الوساطة؛ نتيجة تضارب المصالح الداخلية والإقليمية، أو رفض أحد أطراف النزاع الالتزام بالترتيبات المقترحة، بما يعيد التصعيد العسكري إلى الواجهة، ويؤدي إلى مزيد من العقوبات والعزلة الدولية.
تقدير الموقف
تشير مجمل المؤشرات، إلى أن الحراك الأمريكي لا يقتصر على محاولة وقف الحرب، وإنما يستهدف إعادة تشكيل البيئة السياسية التي ستنتج السلطة المقبلة في السودان. ولذلك فإن ردود الفعل التي ظهرت داخل معسكري الجيش والدعم السريع تبدو انعكاسًا لإدراك متزايد، بأن معركة الفترات المقبلة لن تكون فقط حول السيطرة على الأرض، وإنما حول من يمتلك الشرعية السياسية والقبول الإقليمي والدولي لقيادة الدولة بعد انتهاء الحرب.
ولهذا، قد يكون العام الرابع للحرب هو الأقل حسماً عسكريًا، لكنه ربما يكون الأكثر تأثيرًا في رسم ملامح السودان الجديد. فالمعركة التي بدأت بالسلاح، تتجه تدريجيًا إلى ساحات السياسة والدبلوماسية، حيث ستُعاد صياغة التحالفات، وتُختبر موازين القوى، ويتحدد شكل الدولة التي ستخرج من بين أنقاض واحدة من أكثر الحروب تعقيدًا في تاريخ السودان الحديث.






