بعد ترقب دام نحو عقد من السنوات فتح الأقباط أعينهم مؤخرًا على قرار حكومي بالموافقة على المسودة النهائية لمشروع قانون الأحوال الشخصية، مع إحالته لمجلس النواب؛ تمهيدًا لإقراره بشكل رسمي، لكنها لم تبصر حسب معنيين بقضايا “الزواج والطلاق” إلا بنودًا ستؤسس لمرحلة أكثر ارتباكًا داخل الأسرة المسيحية- على حد تعبيرهم.
ومنذ 2019 اجتمعت ست كنائس هي على الترتيب: “الأرثوذكسية، والإنجيلية، والكاثوليكية، والروم الأرثوذكس، والأرمن الأرثوذكس، والسريان الأرثوذكس” لكتابة مسودة جديدة- هي السادسة تقريبًا في تاريخ صياغة مشروع قانون الأحوال الشخصية-، والذي تبلور كفكرة عام 1977، وكُتبت مسودته الأولى في فترة البطريرك الراحل البابا شنودة الثالث عام 1988.
عيد صلاح: غياب الحوار المجتمعي
ولاقى المشروع الذي تضمن 180 مادة، جدلًا متصاعدًا منذ إعلان الحكومة موافقتها على مسودته النهائية، رغم تصريحات رؤساء الكنائس بأنه يهدف إلى استقرار الأسرة المسيحية، يأتي ذلك لتخوفات؛ ترجع إلى أنه سيستمر لفترة قد تصل إلى مائة عام- حسب تصريحات القس عيد صلاح– راعي الكنيسة الإنجيلية بمنطقة عين شمس-، لافتًا إلى أنه كان ينتظر قانونًا موحدًا، بلا منحى طائفي، كتوافق الكنائس على احتكام كل كنيسة لـ”لائحتها الخاصة”.
ورغم إيجابيات كبيرة في المشروع سعت لها الكنائس على مدار نصف قرن أهمها على الإطلاق “وجود قانون فعلي” بعد سنوات من الانتظار– على حد تعبيره، وتضمينه مبدأ “المواطنة” لكونه معني بالمواطن المسيحي، كما تنص ديباجته، على عكس ما كان في صياغات سابقة، إلا أنه من ناحية أخرى أعطى شرعية سلبية للطوائف المسيحية الأخرى مثل، “شهود يهوه، والمرمون، وغيرها”، في سياق إشارة إحدى مواده إلى انحلال الزواج حال انضمام أحد الزوجين إلى إحداها.
مستنكرًا غياب حوار مجتمعي حول “مشروع قانون الأحوال الشخصية” الذي يعد ركيزة في استقرار الأسرة المسيحية يقول “راعي كنيسة الإنجيلية بعين شمس”: إن بنوده لم تعلن للمواطنين المسيحيين المخاطبين به، لافتًا إلى أن الطوائف المسيحية انتهى دورها، وحديث الأقباط موجه إلى الدولة، أملًا في عقد جلسات استماع داخل مجلس النواب من أجل إعادة ضبط المواد محل الرفض.
إسحاق إبراهيم: سلطة دون رقابة
على الصعيد ذاته، ومن منطلق نقد المشروع الكنسي الذي توافقت عليه الطوائف المسيحية المشاركة في صياغته، رفض الباحث إسحاق إبراهيم مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية منح الكنائس الحق المطلق، والحصري في السماح بتصاريح الزواج الثاني، لافتًا إلى أن المواطنين المسيحيين بموجب ذلك، لن تكون لديهم أية فرص أخرى سوى موافقة الكنيسة.
وعكس ما أعلنه ممثل الكنيسة الإنجيلية “يوسف طلعت” بلجنة صياغة مشروع قانون الأحوال الشخصية عن كون الزواج في المسيحية رباط ديني مقدس، معرجًا على التزام الكنائس بطقوسها الدينية، يشير “إبراهيم” إلى أن الكنيسة وفقًا لمشروع القانون المزمع إقراره، تظل سلطتها مطلقة دون رقابة- على حد تعبيره-، معربًا عن أمله في أن تضمن الدولة مسارات اختيارية لمواطنيها؛ لكي يمارسوا حقوقهم.
ويستطرد قائلًا:” إذا كانت الكنيسة لا تستطيع منحي تصريح زواج ثانٍ طبقًا للائحة سابقة، فمن الأولى أن تمنح الدولة تصاريحًا بموجب القانون”.
وسبق أن صرح ممثل الكنيسة الأرثوذكسية المستشار منصف سليمان لـ”مصر 360″، بأن الانحلال المدني يترتب عليه آثار الطلاق، غير أن قرار الزواج الثاني لا بد أن يصدر عن الكنيسة، معرجًا على ضرورة فحص الحالة، والتعرف على سبب الطلاق داخل الكنيسة.
زاخر: ايجابية ولكن
بترقب، لا ينفي إيجابية تحريك مشروع قانون الأحوال الشخصية للطوائف المسيحية من جانب الحكومة، يقول كمال زاخر مؤسس جبهة العلمانيين الأقباط: إنها خطوة إيجابية ترفع مستوى المرجعية من لائحة كنسية إلى قانون، لكن المؤسف هو إحالة القانون لمجلس النواب دون حوار مجتمعي، رغم أن الأمر يتعلق بطائفة من المصريين.
ويضيف مؤسس جبهة العلمانيين الأقباط، بعد أن أبدى رغبته في دعوة المختصين لجلسات استماع قبيل إقرار مشروع القانون لضمان إلزام الكنائس، بما يترتب على صدور أحكام الطلاق، مشيرًا إلى أن أخذ المحكمة بأسباب الطلاق من شأنه ويجب أن يتوازى مع التزام الكنائس بالأحكام الصادرة.
وفيما يرى، طبقًا لمسودة مشروع “الأحوال الشخصية” النهائية، أن كنيسة الروم الأرثوذكس لديها نحو 13 سببًا للطلاق، حسب لائحتها، يشير “زاخر” إلى أنها ليست بعيدة عن “الأقباط الأرثوذكس”، وهو ما يستوجب إعادة النظر في لائحة 1938 التي كانت تتضمن نحو ثمانية أسباب للطلاق حتى عام 2008.
وتضمنت لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس المعروفة بلائحة “1938”، والتي ألغاها البابا شنودة عام 2008، عدة أسباب للطلاق من بينها “الزنا، وسوء السلوك، والانحلال الأخلاقي، والهجر، والحكم بعقوبة جنائية لفترة طويلة، واستحالة العشرة بين الزوجين”.
ولم يخفِ مؤسس “جبهة العلمانيين الأقباط” وقوفه عند عدة ملاحظات قانونية على بعض التعريفات، والعبارات الواردة في مشروع القانون، والتي من شأنها إثارة الاختلاف حول المصطلح لاحقًا، مثل “مصلحة الطفل، أو “كما هو سائد في الكنيسة”.
ويستطرد قائلًا:” قصر التطليق على حدوث “الزنا”، يعني تعريض الطرف الذي يثبت عليه لعار اجتماعي، يلاحقه طوال حياته، ولا يمنحه فرصة العودة كفاعل في الحياة الكنسية”.
ويشير “زاخر”، إلى أن الإسلام حدد آلية إثبات الزنا، غير أن مشروع قانون الأحوال الشخصية لم يشر إلى كيفية إثبات الزنا، محذرًا من الإفراط، فيما يسمى “الزنا الحكمي”- كأحد أسباب التطليق- باعتباره أخطر من “الزنا الفعلي”- على حد وصفه، ويترك الباب مفتوحًا أمام الجحيم.
ورغم إقرار المجمع المقدس للكنيسة القبطية الأرثوذكسية أسباب التطليق، ومن بينها “الزنا الحكمي”- كمراسلات وسائل التواصل الاجتماعي، والتطبيقات الإلكترونية- فإن “زاخر” يرى أنها فكرة مرفوضة، إذ لا يمكن– حسب تصريحاته- توصيف محادثات البعض عبر وسائل التواصل الاجتماعي، على أنها “زنا”، مؤكدًا أن ذلك سيفتح بابًا خلفيًا للتلاعب.
وتساءل “مؤسس جبهة العلمانيين الأقباط” عن مصير النزاعات القضائية السابقة لإقرار القانون، وما إذا كان سيطبق بأثر رجعي لحل هذه القضايا العالقة منذ سنوات، ويستطرد قائلًا: “إذا لم يطبق بأثر رجعي على النزاعات القائمة، فهذا يعني “كأن شيئًا لم يكن”، مشيرًا إلى أن القضايا السابقة على صياغة مشروع القانون هي التي دفعت إلى صياغته، وبالتالي يجب أن يمتد أثره إلى القضايا المنظورة حاليًا، لأن هذا سيحل أزمة مجتمعية، وليست مسيحية فقط”.
الصيرفي: غير صالح
عطفًا على رؤى قبطية ترى أن مشروع القانون بحاجة إلى عدة تعديلات في بعض مواده، يرى “د. نادر الصيرفي”- خبير قضايا الأحوال الشخصية أن مشروع قانون الأحوال الشخصية بوضعه الحالي غير صالح، مشيرًا إلى أن المشكلة لم تعد في صياغته، وإنما امتدت إلى أن هناك 6 طوائف مسيحية مشاركة في إعداده اتفقت على ألا تتفق- حسب وصفه-.
ويتساءل “الصيرفي”، بعد أن وصف مشروع القانون الحالي، بأنه يكرس للانقسام، والطائفية نظير تضمينه لوائح مستقلة لكل كنيسة، ما الفائدة إذا كانت كل كنيسة تخضع للائحتها الخاصة؟ مشيرًا إلى أن اتفاق الكنائس على الأحكام مجرد محاولة لإقناع مجلس النواب، بأنه يتوافق مع “الشريعة الإسلامية”- على حد تعبيره-.
ويشير– الخبير في قضايا الأحوال الشخصية- إلى أن من توافقوا على فكرة “الطلاق المدني”، اختلفوا في أسبابه، وبالتي أصبح للأرمن الأرثوذكس 13 سببًا للطلاق، بينما للسريان الأرثوذكس 10 أسباب، مقابل سببين فقط للكنيسة الأرثوذكسية.
وحسب نص القانون، فإن لائحة الأرمن الأرثوذكس تبيح الطلاق للأسباب التالية: “إذا مضت 3 سنوات من تاريخ إصابة أحد الزوجين بمرض عضوي، أو نفسي، بشرط أن تكون هناك شهادة طبية بذلك، أو صدور حكم قضائي بالسجن 3 سنوات، أو أكثر، أو شروع أحد الزوجين في قتل الآخر، أو رفض أحد الزوجين معاشرة الآخر جنسيًا أثناء الزواج بغير مانع شرعي، أو تقصير أحد الزوجين في واجبات المعونة التي يفرضها واجب الزواج، أو رفض أحد الزوجين المعيشة مع الآخر، أو غياب أحد الزوجين مدة لا تقل عن 3 سنوات دون مبرر، أو إصابة أحد الزوجين بمرض جنسي معدي أثناء الزواج، شريطة أن يظهر ذلك وفق تقرير طبي، أو إصرار أحد الزوجين على عدم الإنجاب، أو تكرار اعتداء الزوجين على الآخر، أو وجود تنافر شديد بين طباع الزوجين، مما يجعل أمر المعيشة مستحيلًا، أو قيام مانع طبيعي كالخنوثة، والإخصاء، لا يرجى زواله، بشرط أن يثبت ذلك بتقرير رسمي.
ويضيف “الصيرفي”: أن لائحة 1938 كانت تحقق توازنًا بين الكنيسة، والقضاء، بينما في ظل القانون الحالي لا توجد ضوابط تحقق التوازن، نظير كون كل كنيسة ستحتكم إلى لائحتها.
ويستطرد قائلًا:” لا نريد أن تسحبنا فرحة إحالة مشروع القانون إلى مجلس النواب بعيدًا عن مشاكل تطبيقه، متسائلًا: تحت أية ضوابط ستزوج الكنيسة، ومرجحًا أن تنتقل المشاكل لاحقًا إلى المحاكم الإدارية، والدستورية؟”.
ولذلك، حسبما يفيد “خبير قضايا الأحوال الشخصية” فإن مشروع القانون يجب أن يعود إلى الحكومة مرة أخرى، لأن أي حوار مجتمعي داخل مجلس النواب لن يغير وضعية الطوائف المسيحية المشاركة في صياغته.






