تبدو ديناميات “العناصر الفاعلة والمحركة” العلاقات الدولية في القرن الإفريقي أسيرة دورة متكررة على نحو ملفت للغاية؛ فالولايات المتحدة، التي انتقلت طوال عقود ما بعد الاستقلال والحرب الباردة في الإقليم بين دعم دوله واحدة تلو الأخرى، ثم الانقلاب عليها عند لحظات تاريخية حاسمة تواجه هذه الدول، تعود مجددًا لتوطيد علاقاتها مع إريتريا في خضم توتر بالغ في إقليمي البحر الأحمر والقرن الإفريقي، ويتزامن ذلك مع دعم واشنطن لسياسات إقليمية، تعزز هذا التوتر لحدود قصوى، ونعني تحديدًا توفير واشنطن مظلة لحراك إسرائيلي إثيوبي إماراتي قوامه مشروعات الهيمنة وتفكيك الدول.
واشنطن وأسمرا: هل اقتربت ساعة التطبيع؟
تشير ملاحظة أساسية إلى تحكم عامل أهمية موقع إريتريا الاستراتيجي في نظرة الولايات المتحدة لتلك الدولة التي تصفها وسائل الإعلام الغربية “بكوريا الشمالية الإفريقية”. فقد دعمت الولايات المتحدة قيام اتحاد federation بين إثيوبيا وإريتريا (المستعمرة الإيطالية حتى نهاية الحرب العالمية الثانية تقريبًا) في العام 1952 ما كان يعني ضمنيًا بسط هيمنة إثيوبيا على المستعمرة الإيطالية السابقة ترضية للأولى، بعد دعمها للجهود العسكرية الأمريكية المختلفة في إفريقيا وآسيا بعد الحرب العالمية الثانية، وحصلت واشنطن على حقوق امتياز في قاعدة كانيو في العاصمة الإريترية أسمرا (والتي ظلت أهم قاعدة أمريكية للاتصالات البحرية في العالم حتى عهد انطلاق الأقمار الصناعية)، كما دعمت واشنطن خطوة أديس أبابا بضم إريتريا في العام 1962 بعد حل الاتحاد السابق، وجاء هذا الدعم الأمريكي في سياق الحرب الباردة، وعقب نهاية هذه الحرب وتمكن القوات الإريترية من هزيمة القوات الإثيوبية المتمركزة في إريتريا، اعترفت واشنطن بالدولة الإريترية المستقلة في مايو 1993 تصديقًا للدعم الأمريكي لحركة الاستقلال الإريترية ضد إثيوبيا. وبالرغم من توتر العلاقات الأمريكية الإريترية ظلت أسمرا على علاقات وثيقة للغاية بإسرائيل حتى سنوات قريبة، وصلت إلى مستوى منح إسرائيل تسهيلات عسكرية في الجزر الإريترية القريبة من مدخل مضيق باب المندب الشمالي.
كما يلاحظ أن فرض واشنطن عقوبات مستمرة على إريتريا لم يؤدِ إلى ضعف نظام أسياس أفورقي، عوضًا عن سقوطه الذي ظل مسألة مرتقبة سنوات وسنوات في ظل المصاعب البالغة، التي عانت منها إريتريا على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية إلى جانب توتر علاقاتها مع عدد من دول الجوار في مراحل مختلفة وبشكل ملفت على مدار العقود الثلاثة الماضية. ومن هنا، يمكن توقع أن العقوبات الأمريكية وعزلة إريتريا الدولية لم تكن عوامل كافية لسقوط النظام، وأن من ضمن عوامل هذه المحصلة رؤية واشنطن، أن إريتريا بنظام حكم مستبد/ غير ديمقراطي وقادرة على تلبية الحاجة للاستقرار في البحر الأحمر والقرن الإفريقي (كما تمثل ذلك في دعم أفورقي القوي لنظام آبي أحمد ضد جبهة تحرير التيجراي ودعوة الانفصال عن إثيوبيا) أفضل حالًا من وجود دولة راديكالية، لا يمكن التنبؤ بسلوكها.
خطوات للأمام
مع اتجاه الأمور في البحر الأحمر نحو التصعيد بين تهديدات للحوثيين بغلق مضيق باب المندب، واستهدافهم مواقع سعودية (في تصعيد خطير للغاية، قد يؤشر لتجدد الحرب السعودية مع الحوثيين)، تتجه الولايات المتحدة لاتخاذ مزيد من الخطوات لاستمالة إريتريا وضمان اندماجها الكامل في ترتيبات الأمن في البحر الأحمر، كما تراها واشنطن واثنان من أهم حلفائها في الشرق الأوسط: السعودية ومصر. ولا يمكن فصل هذا المسار عن التفاهمات الأمريكية- السعودية الأخيرة، كما اتضحت في خطط توفير الطاقة النووية السلمية للسعودية بتكنولوجيا أمريكية وباستثمارات قُدرت بداية بعشرات البلايين من الدولارات.
وبقراءة طبيعة العلاقات الأمريكية- الإريترية تزداد الثقة في جدية الخطوات الراهنة؛ لتطبيع هذه العلاقات؛ إذ تواصل واشنطن، قرب نهاية يوليو الجاري وبالتزامن مع التصعيد السعودي مع الحوثيين لمستويات غير مسبوقة منذ شهور، محادثاتها مع إريتريا (والصومال في مسار واحد) من أجل تمتين العلاقات الثنائية، وفي القلب منها التعاون الثنائي في حماية حركة الملاحة في البحر الأحمر. وأفادت التقارير (25 يوليو)، أن اجتماعات المستشار الأمريكي مسعد بولس في القاهرة مع وزير الخارجية الإريتري رفقة عدد من كبار المسؤولين المصريين، “ركزت على أمن القرن الإفريقي والاستقرار في البحر الأحمر وسبل تقوية التعاون الإقليمي من أجل حماية الممرات البحرية الهامة، التي تستخدمها حركة الملاحة التجارية الدولية”.
وتلبي هذه الخطوات هدف واشنطن (Semafor, July 25, 2026) بتجنب تحول إريتريا إلى مصدر آخر من مصادر عدم الاستقرار في البحر الأحمر. وكانت زيارة مسعد بولس لأسمرا، عقب زيارة مهمة للقاهرة، وبالتزامن مع زيارة وزير خارجية إريتريا عثمان صالح لنفس المدينة، ذات هدف يتجاوز حتى مسألة البحر الأحمر، إذ شملت (The Reporter Ethiopia, July 20, 2026) مراجعة كاملة للعلاقات الثنائية بين البلدين واستشراف فرص توسع التعاون بينهما في التجارة والتنمية الاقتصادية الإقليمية والأمن؛ الأمر الذي يشير إلى عمق التوجه الأمريكي الحالي، وقبول إريتريا لتلك الخطوات والاندراج في مسارها .
يمكن قراءة التقارب المرتقب في العلاقات الأمريكية الإريترية، على أنه خطوة مهمة في تعزيز أمن البحر الأحمر واحتواء تناقضات مواقف الأطراف الإقليمية إلى حد ما؛ لا سيما أن هذا التقارب يأتي في ظل حراك دبلوماسي امريكي ملحوظ في الشأن الداخلي الإثيوبي؛ أملًا في تفادي اندلاع حرب أهلية مجددًا في البلاد. وتعد مصر بشكل خاص، القوة الإقليمية الأكثر اهتمامًا بتحقيق هذا التقارب “الامريكي الأريتري”، بغض النظر عن عدد من التقارير الإثيوبية التي تشير إلى ضلوع القاهرة بشكل مباشر في تحقيقه عبر قنوات دبلوماسية مع الجانبين (Horn Review, July 21, 2026)، لما سيمثله من إعادة انضباط إقليمي معقول برعاية أمريكية قادرة، بشكل منفرد تقريبًا، على احتواء التناقضات الإقليمية وتلبية ضمانات أغلب دول الإقليم.
مصر والتقارب الإريتري الأمريكي: مكاسب كبيرة
وعلى خلفية فشل مصري في التوصل لتسوية مرضية لسد النهضة، ووسط مؤشرات على الجنوح لقبول الأمر الواقع وتمريره شعبيًا، كما يبدو من الخطاب “الإعلامي” الراهن، تمثل مقاربة القاهرة لتمتين علاقاتها مع أسمرا مسارا بديلا لهذا الفشل، ووسيلة لتعويض بعض الخسائر في ملف سد النهضة. إذ تدرك القاهرة أهمية استقرار البحر الأحمر بالنسبة للولايات المتحدة وشركائها في أوروبا، مع توجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حسب مراقبين كثر، لدعم نظم الحكم الأكثر قدرة على تحقيق الاستقرار بغض النظر عن مدى التزامها “بمعايير” الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان واقتصاد السوق. كما تلتقي رؤية القاهرة مع هذا التوجه؛ أملًا في خروج إريتريا من عزلتها الدولية وتمكينها من لعب دور فاعل ونشط في أمن البحر الأحمر، لا سيما في ضوء إطلالتها الممتدة على البحر الأحمر (بسواحل يبلغ طولها 2234 كم منها 1151 كيلو متر على امتداد الساحل الغربي الرئيس للبحر الأحمر و1083 كم مجموع أطوال سواحل الجزر الإريترية في البحر الأحمر، وتنتهي مياه إريتريا الإقليمية عند مضيق باب المندب مباشرة)، وموقعها الاستراتيجي بين السودان وإثيوبيا وجيبوتي، الذي يمكنها من التأثير المباشر في الإقليم إيجابًا وسلبًا، والمناورة لصالح القاهرة ورؤيتها.
كما تعزز المقاربة الأمريكية تجاه إريتريا دور مصر الإقليمي المتنامي في القرن الإفريقي، كما اتضح في استضافة القاهرة لمحادثات مستمرة في الأسابيع الأخيرة بين مسؤولين أمريكيين وعدد من أبرز المسؤولين في الإقليم، مما يبرز محورية العاصمة المصرية في التحولات الجارية ومن بينها تطبيع العلاقات الأمريكية- الإريترية.
ومن بين هذه المكاسب، تأكيد أهمية رؤية القاهرة بحل مشكلات الإقليم، وفق قواعد “تقليدية” أهمها الحفاظ على سيادة الدول وسلامة أراضيها كمدخل لتحقيق الاستقرار الإقليمي، وربما لتحقيق الرؤية الأمريكية “الجديدة”؛ لتفادي مزيد من الأزمات في الإقليم، مع توقعات أن تحقق إدارة ترامب أهدافها المرجوة من سياسات احتواء التناقضات الراهنة (دون إغفال دورها الجوهري في تعظيمها بداية) في القرن الإفريقي والبحر الأحمر بالحصول على تنازلات جديدة من دول الإقليم (لصالح واشنطن)، وتعهدات إضافية بامتيازات عسكرية واقتصادية غير مسبوقة للشركات الأمريكية المعنية بالإقليم، لا سيما في قطاعات النقل والمواني والاتصالات.
بأي حال تمثل خطوات التقارب الأمريكي- الإريتري، التي يتوقع تتويجها قريبًا بتطبيع كامل في العلاقات بين البلدين، مرحلة جديدة في تحقيق استقرار إقليمي أكثر وضوحًا في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، كما أنه سيمثل ضغطًا جديدًا على الدول المعارضة لمثل هذه الجهود، لا سيما إثيوبيا، وربما الإمارات، للتراجع تكتيكيًا عن السياسات، التي تقوم على أساس انتهاك سيادة دول الإقليم من الصومال إلى جيبوتي وإريتريا مرورًا بالسودان. ورغم أن الدبلوماسية الأمريكية تظل أكثر ميلًا لاستدامة التناقضات وتكتيكية الحلول، حتى الوصول لنقطة مثلى، تراها تلك الدبلوماسية بنيل المكاسب القصوى من تلك الدول، فإن تهديدات انفلات الأمور في الإقليم تظل هاجسًا حقيقيًا للولايات المتحدة، وتهديدا حقيقيا لعلاقاتها مع دول شريكة/ حليفة في الشرق الأوسط، ورهان على عدم اكتراث واشنطن بمصالح تلك الدول ومخاوفها الحقيقية. وفي المقابل، تنظر دول معارضة لقيادة مصر تنسيق العمل مع الولايات المتحدة في هذا المسار، على أنها تهديد إقليمي، وأن اجتماعات القاهرة (19 يوليو) بين مسؤولين أمريكيين وصوماليين وإريتريين ومصريين، تُظهر (Addis Standard, July 20, 2026) تبلور قيادة مصر “في ظل رضا أمريكي” لذلك التحالف إقليمي في القرن الإفريقي (بما في ذلك السودان الذي غاب عن تلك الاجتماعات)، هذا التحالف الذي يضع أمن واستقرار وسيادة دول الإقليم على رأس أولوياته. وأنه رغم تصوير هذه الاجتماعات على أنها مقاربات ثنائية منفصلة، فإن المسؤولين المصريين وصفوها، بأنها جزء من مشاورات أوسع “لتحسين الأمن في القرن الإفريقي، ودعم جهود السلام الدولية والإقليمية ومعالجة التحديات الأمنية من أجل ضمان الاستقرار الإقليمي”.
وربما كان من أوضح الرسائل السياسية، التي خرجت من اجتماعات القاهرة تصميم القاهرة وأسمرا على وجوب أن يظل مستقبل بناء الأمن في البحر الأحمر محصورًا في سياسات دوله المشاطئة له فقط (باستثناء إثيوبيا كما يتضح من السياق). غير أن من الرسائل الأخرى أن التقارب الإريتري- الأمريكي بات يحظى بمقبولية مصرية حقيقية، كما أنه يمثل–جزئيًا بطبيعة الحال- تتويجًا لمساعٍ مصرية في العام الأخير لضمان عدم تمدد الفوضى في الإقليم وحماية دوله– لا سيما الصومال وإريتريا- من تهديدات الافتئات على سيادتها بفضل دعم خارجي وترتيبات أمنية شاذة (مثل الوجود الإسرائيلي في إقليم أرض الصومال، ودعم الإمارات لميليشيات الدعم السريع في السودان بوساطة إثيوبية).






