تشير التطورات العسكرية والسياسية في المواجهة المتجددة بين الولايات المتحدة وإيران، التي بدأت في 8 يوليو، إلى انتقال واشنطن إلى مرحلة جديدة من إدارة الحرب عنوانها رفع الكلفة العسكرية والاقتصادية على طهران قبل العودة إلى طاولة التفاوض.
ويظهر ذلك في استخدامها يوم 23 يوليو قاذفات B-1B لأول مرة منذ استئناف العمليات، وتوسيع الحشد العسكري، وتكثيف الضغوط الدبلوماسية.
بجانب توسيع الضغط على بنية الدولة ومراكز صنع القرار، عبر التلويح باستهداف طهران وما يحمله من تهديد مراكز القرار للنظام، ويجي ذلك بعد أسبوعين من الضربات التي شملت 12 مدينة واستهدفت مواقع عسكرية وموانئ وجسورًا ومحطات قطارات، بجانب التهديد بتوسيع الأهداف إلى منشآت الطاقة والبنية التحتية، إضافة إلى استمرار استهداف الجزر الإيرانية وتهديد بهجمات برية.
في المقابل، تصر إيران على توسيع دوائر الردع خارج حدودها وتهديد كل طرف ينخرط في العمليات ضدها هذا التوازي يعكس تصعيدًا يستهدف تحسين شروط التفاوض قبل أي تسوية، ولا يعني بالضرورة إغلاق نافذة الحل السياسي بين الطرفين.
أولًا: مؤشرات عسكرية

في 23 يوليو، كشف موقع أكسيوس أن الولايات المتحدة نفذت أول ضربة باستخدام قاذفة القنابل الاستراتيجية B-1B، بعد إقلاعها من قاعدة فيرفورد البريطانية، بينما اكتفت القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) بالإشارة في بيان 22 يوليو إلى تنفيذ عشرات الضربات لتأمين الملاحة، مع بقاء نحو 50 ألف جندي في الشرق الأوسط على درجة عالية من الجاهزية، وسط تأكيدات إسرائيلية بالاستعداد للانخراط المباشر إذا طلبت واشنطن ذلك.
دلالة الضربة تكمن في طبيعة الوسيلة؛ فالقاذفة قادرة على حمل ذخائر خارقة للتحصينات وصواريخ كروز بعيدة المدى، ما يمثل انتقالًا إلى أدوات ذات قدرة تدميرية أعلى تستهدف المنشآت المحصنة والأنفاق والملاجئ. كما أن الجمع بين التنفيذ العسكري وتأخير الإعلان الرسمي يعكس نمطًا يهدف إلى الردع النفسي وإرباك الخصم، مع تجنب التزام سياسي قد يوسع الحرب أو يغلق باب التفاوض .
ويُذكر أن قاعدة فيرفورد استُخدمت سابقًا في عمليات جوية استراتيجية، كما في الحرب على العراق، ما يمنح استخدامها الحالي دلالة تتجاوز البعد العملياتي إلى رسالة ردع واضحة.
ثانيًا: واشنطن تصعّد وهي تحت ضغط
يتزامن التصعيد مع تصاعد الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن حرب طويلة ومكلفة؛ إذ شهد الكونجرس تصويتًا على مشروع قرار يستند إلى قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، يطالب بوقف العمليات دون تفويض تشريعي صريح.
ورغم أن القرار غير ملزم واستمرار إدارة ترامب في العمليات، فإن انضمام عدد من الجمهوريين إلى المعترضين يعكس اتساع المخاوف من تحول المواجهة إلى حرب استنزاف مفتوحة.

وتزداد هذه الضغوط مع ارتفاع كلفة الحرب؛ إذ تقدر النفقات الأمريكية بنحو 37.5 مليار دولار، إلى جانب مقتل 18 عسكريًا، فيما تراجع التأييد للحرب داخل قاعدة ترامب الانتخابية من نحو النصف إلى الثلث، وسط مخاوف من انعكاس ارتفاع أسعار الوقود على انتخابات التجديد النصفي.
في هذا السياق، يبدو رفع مستوى العمليات محاولة لتحقيق إنجاز عسكري أو سياسي سريع يعزز الموقف التفاوضي للإدارة قبل تفاقم الضغوط الداخلية.
ثالثًا: إيران وسيادة الممرات المائية
تعمل طهران على توسيع كلفة الحرب وتثبيت سيادتها على الممرات المائية، عبر الإصرار على تنظيم حركة السفن في مضيق هرمز وفق قواعدها، في مواجهة الرفض الأمريكي والحصار البحري؛ وقد انعكس ذلك في تراجع حركة الملاحة إلى نحو ثلاث سفن عابرة فقط.
بينما في 13 يوليو أعلن ترامب أن واشنطن ستتولى دور “حامية مضيق هرمز”، مقترحًا فرض رسوم عبور بنسبة 20% على السفن، قبل أن يتراجع لاحقًا بعد إعلانه حصوله على تعهدات باستثمارات خليجية جديدة توفر فرص عمل للأمريكيين.
وجاء الرد الإيراني سريعًا؛ إذ أكد وزير الخارجية عباس عراقجي أن إيران كانت وستظل “الحارس الحقيقي” للمضيق، مضيفًا أن من يوفر الأمن يستحق التعويض، لكن “نسبة 20% مبالغ فيها” – في رسالة جمعت بين السخرية والتأكيد على رغبة إيران في فرض سيادتها على المضيق.
رابعًا: امتداد الردع الإيراني إلى الحلفاء والقواعد

لوحت طهران بتوسيع نطاق التهديد إلى مضيق باب المندب، بينما جاءت هجمات الحوثيين على سفن سعودية في البحر الأحمر لتؤكد أن أي انخراط خليجي أوسع في دعم العمليات الأمريكية سيكون له كلفة بحرية وأمنية مباشرة.
وردّت السعودية باستهداف مواقع في الحديدة بعد ثلاثة هجمات طالت سفنها، فيما أكد الحوثيون أنهم لا يستهدفون إغلاق المضيق، بل حصار الناقلات السعودية فقط.
وتصاعدت وتيرة المواجهة مع تنفيذ غارات جوية نُسبت إلى القوات الجوية التابعة للحكومة اليمنية على مواقع للحوثيين في محافظتي مأرب والجوف.
وردّت الجماعة باستهداف منشآت نفطية سعودية، إذ أعلن المتحدث العسكري باسمها، يحيى سريع، تنفيذ عمليات استهدفت منشآت تابعة لشركة أرامكو في ينبع وجازان.
وامتد الردع الإيراني إلى الحلفاء الغربيين؛ إذ حذرت طهران بريطانيا من أن أي قاعدة تُستخدم في استهداف إيران ستصبح هدفًا مشروعًا، في إشارة إلى سوابق أوردتها تقارير، منها استهداف قاعدة دييغو غارسيا الأمريكية-البريطانية بصاروخين أخطآ الهدف.
وإصابة منشآت داخل قاعدة أكروتيري البريطانية في قبرص بطائرة مسيّرة. وأكدت لندن لاحقًا أن هذه القواعد لن تكون ضمن الترتيبات التي تسمح باستخدام المنشآت البريطانية في العمليات الأمريكية بالمنطقة.
يعكس ذلك استراتيجية إيرانية متعددة المسارات، تستهدف رفع كلفة الحرب على واشنطن وشركائها، وإبطاء جهود بناء تحالف دولي، عبر تهديد كل طرف ينخرط في العمليات، بالتوازي مع فرض معادلة ردع في هرمز وباب المندب.
خامسًا: خطاب مزدوج .. تصعيد مع إبقاء نافذة التفاوض
تقوم استراتيجية ترامب على الجمع بين الضغط العسكري والدبلوماسية عبر ثلاثة مسارات:
فرض معادلة “الجسر بالسفينة” والهدف مقابل الهدف
في 22 يوليو صعّد ترامب لهجته متوعدًا بتدمير جسر أو محطة طاقة مقابل كل سفينة تستهدفها إيران في هرمز، ناقلًا المواجهة من الأهداف العسكرية إلى التلويح بضرب البنية التحتية.
ورد عراقجي بالتأكيد أن أي استهداف للمنشآت الإيرانية سيقابله رد مماثل، وأن مصالح الولايات المتحدة وحلفائها ستصبح أهدافًا مشروعة.
توسيع بنك الأهداف:
تطورت الرسائل الأمريكية من استهداف المواقع العسكرية واللوجستية إلى التلويح باستهداف العاصمة طهران ومراكز اتخاذ القرار، والتلويح بالاغتيالات، في إطار رفع كلفة استمرار الحرب قبل أي تسوية.
الإبقاء على نافذة التفاوض:
ظلت هذه النافذة مفتوحة رغم التصعيد، كما ظهر في تصريحات ترامب المتكررة بأن “إيران تريد اتفاقًا لكنها ليست مستعدة له بعد”. وفي هذا السياق جاءت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى طهران بعد لقائه ترامب، حيث التقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، بالتزامن مع توقيع اتفاقيات اقتصادية وبحث ملفات الطاقة، خاصة الغاز الذي تعتمد بغداد على استيراده من طهران بنسب مرتفعة.
وتشير تقارير إلى أن الزيدي نقل مقترحًا أمريكيًا لوقف إطلاق النار رفضته طهران، فيما أكد عراقجي أن المشكلة ليست في غياب الوسطاء، بل في “النظرة الأمريكية التي تتسم بعدم المنطق والسعي إلى الهيمنة” وهذا يشير إلى صلابة موقف الطرفين وصعوبة تحقيق اختراق سياسي قريب.
وتتسع الاتصالات الإقليمية في الاتجاه نفسه؛ إذ زار وفد عماني طهران لبحث ترتيبات الملاحة في هرمز، بينما أعلنت الصين استمرار دعمها للوساطة الباكستانية، في وقت نقلت فيه إسلام آباد إلى طهران أهمية وقف الهجمات على دول الخليج لتسهيل استئناف أي مفاوضات.

فيما أكدت مصر أهمية الحفاظ على حرية الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، مشددة على ضرورة وقف التصعيد، وجاء ذلك خلال اتصالين هاتفيين أجراهما وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يوم السبت 25 يوليو، مع كل من وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي، ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
سادسًا: اختبار بناء التحالفات والتداعيات الاقتصادية
لا تبدو الرسائل الأمريكية المتزامنة بين التصعيد العسكري وبناء التحالفات والإبقاء على قنوات الاتصال متناقضة، فهي تعكس فلسفة تفاوضية تقوم على رفع الكلفة لانتزاع تنازلات، مع عزل إيران دبلوماسيًا عبر حشد مواقف داخل الناتو ومجلس الأمن ضدها .
ورغم استمرار التحفظ الأوروبي على المشاركة المباشرة، فإن السماح البريطاني بانطلاق القاذفات الأمريكية من أراضيه، وتأجيل الاتحاد الأوروبي نشر صور برنامج “كوبرنيكوس” الخاصة بمنطقة الخليج بطلب أمريكي، يعكسان تطور من مراحل الدعم السياسي إلى توفير تسهيلات عملياتية.
كما كشفت تقارير عن تحضيرات لاجتماع أمريكي-بريطاني في لندن لبحث تشكيل تحالف دولي لحماية الملاحة في هرمز، باعتبار إعادة فتحه ركيزة أساسية لأي مخرج للأزمة.
وتجد دول الخليج نفسها بين متطلبات الشراكة الأمنية مع واشنطن ومخاوف التعرض لضربات انتقامية إيرانية، ما يدفعها إلى تعزيز الدفاعات وخفض التصعيد ودعم المسارات الدبلوماسية.
وعلى المستوى الدولي، قفز سعر برميل النفط إلى 100 دولار، مع ارتفاع التأمين البحري واضطراب سلاسل الإمداد العالمية – أوراق ضغط تدرك طهران أنها تمنحها وزنًا تفاوضيًا إضافيًا.
إلى أين يتجه التصعيد؟
تدل المؤشرات على أن المواجهة لم تبلغ ذروتها بعد؛ فإلى جانب إدخال القاذفات الاستراتيجية والتلويح المتبادل باستهداف البنية التحتية، تتزايد المؤشرات على توسيع بنك الأهداف ليشمل منشآت نووية أو جزرًا إيرانية استراتيجية.
في المقابل، أظهرت طهران تسليح مواطنيها في بعض الجزر، مؤكدة استعدادها لسيناريوهات التصعيد وقدرتها المستمرة على تهديد الممرات البحرية.
بناءً على ذلك، يمكن تصور مسارين رئيسيين:
المسار الأول وهو التفاوض بالنيران
استمرار التصعيد العسكري في المدى القصير، يعقبه تفاوض جزئي عبر وسطاء إقليميين ودوليين حول ترتيبات الملاحة في هرمز، دون أن يمثل ذلك تسوية شاملة، وهذا هو المرجح حسب المؤشرات والدلائل الحالية في المدي القصير.
المسار الثاني حرب شاملة: اتساع نطاق المواجهة، أو تنفيذ معادلة “الجسر بالسفينة”، أو وقوع خطأ في تقدير الموقف، ما قد يؤدي إلى رد إيراني واسع يستهدف القواعد الأمريكية والدول المنخرطة في العمليات، محولًا الحرب من أداة لتحسين شروط التفاوض إلى مواجهة يصعب احتواؤها.
واجمالا، لا تتجه واشنطن نحو حرب هدفها إسقاط النظام الإيراني، بل نحو تعظيم الضغط العسكري والسياسي وتوسيع بنك الأهداف وبناء التحالفات، مع الإبقاء على قنوات التفاوض.
في المقابل، تسعى إيران إلى منع فرض هذه الشروط منفردة عبر توسيع معادلة الردع خارج حدودها، والمرحلة المقبلة مرشحة لاستمرار سياسة “التفاوض بالنيران”، فيما يبقى سيناريو مواجهة أوسع قائمًا إذا خرجت إحدى جولات التصعيد عن حدود الحسابات السياسية والعسكرية.






