أجبر ارتفاع أسعار النفط وإغلاق إيران مضيق هرمز، الولايات المتحدة الأمريكية على كسر كل قواعدها التي يعود بعضها لما يزيد على المائة عام، في محاولات لخفض أسعار النفط، قبل أن تشعل معدلات التضخم محليًا، وتثير موجات أكبر من الغضب ضد سياسات دونالد ترامب الاقتصادية والأمنية.

تجاوزت أسعار النفط قبل خمسة أيام 114 دولارًا للبرميل لأول مرة منذ عام 2022، قبل أن تتذبذب صعودًا وهبوطا بالقرب من مستوى الـ100 دولار للبرميل، وهو ما انعكس بشكل مباشر على الأمريكيين الذين يشتكون من ارتفاع متوسط ​​سعر البنزين لحوالي 3.60 دولارات للجالون (3.7 لترات تقريبًا) مقابل 2.94 دولار قبل شهر، بزيادة 23% تقريبًا.

من بين القواعد التي تكسرها “واشنطن”، قانون جونز، الذي صدر هو عام 1920، والذي يُلزم بأن يتم النقل البحري المحلي على متن سفن ترفع العلم الأمريكي ومبنية في أحواض بناء السفن الأمريكية، ما يعني وجود أزمة أمن قومي حقيقية أو حالة طوارئ اقتصادية.

تُعدّ قيود قانون جونز صارمة بشكلٍ خاص في سياق نقل الطاقة، فمن بين ما يقارب 7500 ناقلة نفط خام ومنتجات مكررة في العالم، لا يلتزم بالقانون سوى 54 ناقلة فقط باهظ التكاليف، ما يعني زيادة نقل النفط الخام عبر السواحل بالولايات المتحدة.

على سبيل المثال، لا تخدم الساحل الشرقي سوى ناقلة نفط خام واحدة متوافقة مع قانون جونز، ومع وجود سفن إضافية، ستتمكن مصافي التكرير الأمريكية من الحصول على النفط من تكساس بسهولة أكبر، بدلًا من استيراده من الخارج، كما ستتمكن كاليفورنيا، التي تستورد الوقود حاليًا من جزر البهاما كحل مكلف للالتفاف على قانون جونز، من الحصول عليه مباشرة من ساحل الخليج.

هل يجدي القانون؟

شركات تشغيل ناقلات النفط الخاضعة لقانون جونز، ترى أنه نظرًا لارتفاع أسعار تأجير ناقلات النفط الدولية في ظل الأزمة الحالية، فإن السماح للسفن التي ترفع أعلامًا أجنبية بالدخول إلى التجارة المحلية لن يُحقق فائدة تُذكر.

لن يُؤدي الإعفاء إلى انخفاضات كبيرة في تكاليف الوقود، فالنقل ليس سوى عامل واحد من بين عوامل عديدة، تُحدد أسعار الوقود، وتعكس بيئة الأسعار الحالية اضطرابات الإمداد العالمية التي لا يُمكن لأي سياسة شحن محلية، أن تُعوّضها بالكامل، لكنه يعني تقليل تشوهات السوق وزيادة القدرة التنافسية في الأسعار.

باستهداف إيران دول الخليج والشحن في مضيق هرمز، أثبتت أن قدرتها على تصعيد تكاليف الحرب على واشنطن تزيد إلى ما يتجاوز بكثير قدراتها العسكرية، خاصة بعدما أصبح رفع  أسعار النفط وبالتبعية جميع السلع ارتفاعًا صاروخيًا وسيلة إيرانية؛ لتكبيد واشنطن والعالم مزيدا من الخسائر.

السماح للروس بالتصدير.. الخيار الثاني

رغم سياسة الولايات المتحدة في مطاردة النفط الروسي ومحاصرة أسطول الظل، اضطر ترامب لتخفيف العقوبات المفروضة على الدول التي تشتري النفط الروسي، الذي ظلّ في ظل العقوبات الحالية، راكدًا في البحر، غير قابل للبيع.

قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، إن هذه الخطوة السياسية “المُصممة خصيصًا، قصيرة الأجل” ستُخفف من الأثر الاقتصادي للحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، وتُمثل هذه السياسة الجديدة تحولًا جذريًا في السياسة الأمريكية.

كانت واشنطن قد شددت العقوبات على الدول التي تشتري النفط الروسي، وفرضت تعريفة جمركية باهظة بنسبة 50% على الواردات من الهند في أغسطس، على خلفية مزاعم بأن الهند تشتري النفط الروسي، وبالتالي، تُساهم في تمويل الحرب في أوكرانيا.

استفادت روسيا من تلك الخطوة بشكل كبير لتربح 150 مليون دولار يوميًا، بينما لم تستفد أسعار الطاقة العالمية التي واصلت الارتفاع في ظل محدودية حجم سفن الظل الروسية مقارنة بالاحتياج العالمي اليومي من النفط.

الضخ من الاحتياطيات

لجأت واشنطن لخيار ثالث عبر المواجهة الجماعية بوكالة الطاقة الدولية وإصدار قرار بالإفراج الجماعي عن 400 مليون برميل من الاحتياطيات الاستراتيجية، بينها 172 مليون برميل من المخزون الأمريكي، أي أن واشنطن ستضخ 43% من إجمالي الكميات المفرج عنها.


توقعت الوكالة أن يسفر قرار ضخ 400 مليون برميل، في تهدئة الأسواق ومواجهة ارتفاع الأسعار، التي أعقبت تهديدات إغلاق مضيق هرمز والهجمات على منشآت النفط، لكن حدث العكس تمامًا بعد أن ارتفعت الأسعار لتدور في فلك الـ 100 دولار مجددًا.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، إنه سيتم إعادة ملء الاحتياطي النفطي الاستراتيجي لأمريكا بمجرد انتهاء الحرب على إيران، لكن لم تهدأ أسواق النفط أيضًا؛ لأنها تعرف أن تطبيق القرار سيستغرق حوالي 120 يوماً، ما يعني أن الهدف منه هو امتصاص المخاوف في السوق، وليس تهدئة الأسعار فعلاً.

بالتزامن مع تلك الخطوات، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إن ​الولايات المتحدة سترافق ناقلات النفط ‌عبر مضيق هرمز، إذا اقتضت الحاجة، لكنه أضاف، أنه يأمل أن تمضي ​الجهود الحربية التي تقودها واشنطن ​بشكل جيد.

أشار ترامب إلى اتخاذه سابقا “إجراءً حاسماً” من خلال “تقديم تأمين ضد المخاطر السياسية لناقلات النفط العابرة إلى الخليج”، لكن تلك الاستراتيجية محفوفة بالفشل أيضًا، فمصادر بالبحرية الأمريكية رفضت في تصريحات لوكالة رويترز، طلبات شبه يومية من قطاع الشحن البحري لتوفير حراسة عسكرية للسفن المارة من مضيق هرمز منذ بدء الحرب الأمريكية الإسرائيلية ‌على إيران، معتبرة أن خطر الهجمات مرتفع للغاية في الوقت الحالي.

أمام تحفظ البحرية الأمريكية، طالب ترامب طواقم ناقلات النفط بـ”الشجاعة”، في ظل الهجمات الإيرانية على ناقلات النفط التي تحاول عبور مضيق هرمز الحيوي، وذلك رغم تعرض 16 ناقلة نفط وسفينة شحن وسفن أخرى على الأقل لهجمات في مضيق هرمز والخليج وخليج عُمان منذ بدء الحرب قبل أسبوعين

وينتقل عبر مضيق هرمز حوالي 20.7 مليون برميل يوميًا، أو 21% من الاستهلاك العالمي، ومنذ إغلاقه حدث نقص حادًا في الإمدادات وتقلبات في الأسعار، خاصة في ظل استهداف مصافي النفط بإيران، وكذلك في دول الخليج وعجز الوحدات العاملة عن التخزين أو التصدير.

هل تجدي سياسة واشنطن؟

على المستوى المحلي، يقول مارك وولف، المدير التنفيذي للجمعية الوطنية لمديري برامج دعم الطاقة في أمريكا، إن ميزانية الفرد العادي محدودة للغاية، فالأسر ذات الدخل المنخفض والمتوسط، ​​لديها دخل فائض ضئيل جدًا، لذا إذا ارتفع سعر البنزين 50 دولارًا شهريًا، فلن يكون ذلك في متناولهم، وسيضطرون إلى التضحية بأمور أخرى.

أضاف: “عندما يرتفع سعر البنزين، يقلّصون نفقاتهم على الأدوية.. وتقلل الأسر من رحلاتها الصيفية، كما سيقلّلون من استخدام سياراتهم وسيؤجلون إصلاحات منازلهم، وسيفعلون كل ما في وسعهم؛ لأنهم مضطرون لشراء البنزين، لأنه ضروري.

أكد أن معظم الأسر ذات الدخل المنخفض لا تملك مدخرات، سيلجأون إلى تراكم ديون بطاقات الائتمان، والاقتراض من شركات الإقراض السريع، وهذه هي الإجراءات التي يتخذها الناس، عندما يعجزون عن سداد نفقاتهم الأساسية.

كما حذّر البروفيسور كريستوفر نيتل، من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، من أن تباطؤ النشاط الاقتصادي المرتبط بارتفاع الأسعار قد يدفع الاقتصاد نحو الانكماش.

أضاف أنه إذا انتهى النزاع سريعًا، فسيكون وضع الاقتصاد الأمريكي جيدًا، أما إذا استمر لمدة شهر أو شهرين أو حتى أكثر، فستكون هناك احتمالية حدوث ركود اقتصادي بنسبة 50% بالتأكيد.

هل تقلل من أزمة العالم؟

لم تسفر سياسات ترامب في السيطرة على النفط، بل تعقدت الأزمة بالدول المستوردة فـبنجلاديش أعلنت غلق جميع جامعاتها، اعتبارًا من يوم الاثنين، مقدمةً بذلك عطلة عيد الفطر، وذلك ضمن إجراءات طارئة لترشيد استهلاك الكهرباء والوقود في ظل أزمة طاقة متفاقمة.

أجبر النقص الحاد في الغاز بنجلاديش على إيقاف العمليات في أربعة من مصانع الأسمدة الحكومية الخمسة، وتحويل الغاز المتاح إلى محطات توليد الطاقة لتجنب انقطاعات واسعة النطاق، كما اشترت البلاد الغاز الطبيعي المسال من السوق الفورية بأسعار أعلى بكثير، في الوقت الذي تسعى فيه إلى الحصول على شحنات إضافية لسدّ فجوات الإمدادات.

باكستان تناقش دراسة خطوات مماثلة، مثل الإغلاق المؤقت للمدارس والجامعات، والتحول إلى التعليم عن بُعد، أو تشجيع العمل عن بُعد لتقليل استهلاك الوقود والكهرباء، بينما تعتبر تايلاند والفلبين أكثر الدول عرضة للخطر؛ بسبب اعتمادهما الكبير على واردات الطاقة من الخارج.

قرارات تظهر أزمة عميقة

المحلل المالي مصطفى عادل، يقول إن هناك أزمة طاقة في أمريكا وتوجد محاولات لتحجيمها مبكرا، فقانون جونز ينص على أن أي شحنة تتحرك بين ميناءين داخل أمريكا يجب نقلها بسفن مصنوعة في الولايات المتحدة، ومملوكة لشركات أمريكية، وطاقمها أمريكي، والنتيجة أن يكون نقل النفط داخليًا داخل أمريكا أغلى من استيراده من الخارج.

أضاف أن قانون “جونز” يقيّد النقل البحري داخل أمريكا بسفن أمريكية، ما يرفع تكلفة نقل البترول داخل الولايات المتحدة، والأمر ذاته ينطبق على قرار ضخ 400 مليون برميل، فهو غير مُجدي، نظرًا لأن العالم يستهلك يوميًا أكثر من 100 مليون برميل، والكمية المطالب الإفراج عنها تعادل فقط 4 أيام من الاستهلاك العالمي.

أكد أن الهدف كان تقليل المخاوف وتهدئة الأسعار، إلا أنه تضمن إشارة شديدة السلبية عن “تفاقم أزمة كبيرة غير معلنة”، وأن مُنتِج البترول في الأغلب لا يزال صاحب السلطة على السعر، وليس المستهلك أو صاحب الاحتياطي.