يتابع المصريون بخوف تطورات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وهم يتحسسون جيوبهم ويتوجسون شرا وغلاء وأسعارا مرتفعة أكثر من أي شعوب أخرى حتى المتحاربين ذاتهم، بعدما بات لديهم اقتناع بأن أوضاعهم المعيشية تتأثر هبوطا وحرمانا بأي مشكلات تشهدها أي بقعة في العالم.
بحسب تقرير جديد لمعهد الشرق الأوسط الأمريكي، فإن اقتصاد مصر مُعرض بشدة لتأثيرات الصراع “الإيراني ـ الأمريكي”، فبجانب ارتفاع أسعار الطاقة ونقصها الذي أثر على معظم أنحاء العالم، عانت مصر أيضًا من مشاكل تعكس هشاشة اقتصادها الهيكلية.
تراجع موارد مصر من العملة الصعبة
معروف أن موارد مصر من العملة الصعبة تتضمن السياحة والتصدير وقناة السويس وتحويلات العاملين المغتربين، وهي موارد قد يتأثر بعضها بطول أمد النزاع في المنطقة
لم تتضح بعد آثار الأزمة على قطاع السياحة، لكن القطاع يتوقع تداعيات سلبية، من أهمها تحذير وزارة الخارجية الأمريكية في 2 مارس بشأن السفر إلى مصر وأكثر من اثنتي عشرة دولة أخرى بالمنطقة، ورغم استبدال البيان في 7 مارس ببيان آخر، يؤكد أن مصر من أكثر الدول أمانًا بالمنطقة، إلا أن العاملين بالقطاع أكدوا أن الضرر كان قد وقع بالفعل.
في المقابل، يتحدث تقرير للبنك المركزي المصري، صادر مساء الأحد الماضي، أكثر عن تلك النقطة، إذ يقول إنه بسبب تداعيات الحرب، خفض البنك المركزي توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى 4.8% و4.9% للعامين الماليين 2026/2025 و/2026 ،2027 على التوالي، مقارنة بالتقديرات السابقة البالغة %5.1 و.%5.5
يعزو “المركزي” ذلك إلى تراجع المساهمة المتوقعة من نشاط السياحة وقناة السويس، لكن من المتوقع أن تواصل قطاعات الصناعات التحويلية غير البترولية والخدمات دعم نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، فضلاً عن تحسن أداء نشاط الاستخراجات في ضوء الاكتشافات البترولية والغازية الناجحة، بحسب تقرير البنك.
تعاني قناة السويس من الأزمة، فرغم أن حركة الملاحة عبر القناة بدأت بالتعافي بداية العام، بعدما بلغت الإيرادات 449 مليون دولار في الشهر الأول من عام 2026 تقريبًا، إلا أن الأحجام انخفضت في غضون الأيام الأولى من النزاع؛ بسبب تصاعد المخاطر الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين، بحسب المعهد الأمريكي.
وبحسب وكالة “رويترز”، فإنه “في أول يومين أو ثلاثة أيام من الحرب، انخفضت بيانات الصادرات بنسبة 77% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، كما انخفضت بيانات الصادرات إلى السعودية والإمارات، اللتين تمثلان معًا أكثر من ثلث صادرات مصر بنسبة 83% و90% على التوالي”.
ويُقدّر إجمالي تدفق رؤوس الأموال الخارجة من مصر (تدفق للخارج) منذ بداية النزاع بما بين 5 و8 مليارات دولار، وهو مبلغ أقل بكثير من حوالي 20 مليار دولار، فُقدت خلال جائحة كوفيد-19 والغزو الروسي لأوكرانيا.
تأثير على الجنيه وسعر الصرف
هذا التدفق أدى إلى انخفاض قيمة الجنيه المصري إلى أكثر من 52 جنيهاً للدولار. ويرى الاقتصاديون، أنه رغم امتلاك مصر لبعض الاحتياطيات بفضل أصولها الأجنبية واحتياطياتها الأجنبية البالغة 53 مليار دولار، إلا أن استمرار النزاع لفترة طويلة، قد يؤدي إلى التضخم نتيجة ارتفاع الأسعار.
البنك المركزي، في تقريره للسياسة النقدية للربع الأول غير مستهدفاتها للتضخم بالفعل، إذ يُتوقع تسارع المعدل السنوي للتضخم العام خلال الربع الثاني من عام 2026 (مارس ـ يونيو)، واستمراره عند مستوياته المرتفعة طوال عام 2026، قبل أن يستأنف مساره النزولي، اعتبارا من الربع الأول لعام 2027.
تشير التوقعات إلى أن متوسط المعدل السنوي للتضخم العام سيبلغ من (16.0 – 17.0%) في 2026، و12.0 – %13.0 في عام 2027 مقابل %14.1 في عام 2025، ومن المتوقع، أن يتجاوز مسار التضخم الحالي، مستهدف البنك المركزي المصري البالغ %7 (2± نقطة مئوية) (يعني يتراوح بين 5 و9%)، في المتوسط بحلول الربع الرابع من عام 2026.
ويقول البنك إن المعدل السنوي للتضخم العام سيهبط إلى نطاق المعدلات الأحادية (أقل من 10%) خلال النصف الثاني من عام 2027، ومع ذلك يظل مسار التضخم عُرضة لمخاطر صعودية، منها احتمالية استمرار الصراع بين أمريكا وإيران لفترة أطول.
الحكومة تعرف المشكلة أخيرًا
في المقابل تحمل الأزمة مزايا، فالحكومة، بحسب تقرير المعهد، عرفت أخيرًا نقطة ضعفها الأساسية وهي الطاقة، فبينما استأنفت إسرائيل توريد الغاز مطلع إبريل، تعتزم الحكومة تنويع مصادرها من الطاقة، خاصة بعدما أوقفت إسرائيل التوريد أكثر من مرة بدعاوى الصيانة أو الحرب.
تعتزم الحكومة شراء 40 شحنة من الغاز الطبيعي المسال خلال الشهرين المقبلين لتلبية احتياجات البلاد خلال فصل الصيف، حيث يرتفع الاستهلاك لما بين 15 و20 شحنة شهرياً في المتوسط.
يأتي جزء كبير من هذا الغاز من الولايات المتحدة، ففي مطلع إبريل، وافق مجلس إدارة بنك التصدير والاستيراد الأمريكي (إكسيم) على تأمين ائتماني للصادرات بقيمة تزيد عن ملياري دولار، لدعم شحنات الغاز الطبيعي المسال الأمريكية إلى مصر.
يُعدّ هذا الأمر فرصة تجارية ممتازة للمصدرين الأمريكيين، لكنه أيضاً دعم أمريكي مرغوب فيه لمصر، إذ يُسهم في توفير سلعة حيوية، بدلاً من القروض، وهذه نقطة قوة مهمة للقاهرة، لا سيما وأن 64% من الإنفاق مُخصص لخدمة الدين في ميزانيتها المقترحة الجديدة.
الطاقة مشكلة مزمنة
تسلك مصر أيضاً مسارين آخرين لحل أزمة الطاقة، أولهما تسريع تحقيق أهداف الطاقة المتجددة، بهدف توليد 42% من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول عام 2030، مدفوعًا بمشاريع ضخمة للطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بما في ذلك محطة بنبان للطاقة الشمسية بقدرة 1800 ميجا واط، ومبادرات الهيدروجين الأخضر المختلفة. وحتى عام 2025، تم توقيع 32 اتفاقية شراء طاقة مع مطورين من القطاع الخاص لتوليد 1465 ميغاواط من الطاقة المتجددة.
أما المسار الثاني، فيعتمد على الوقود الأحفوري التقليدي، بشراء كامل إنتاج حقل أفروديت للغاز بقبرص عند بدء تشغيله خلال ست سنوات، بينما من المتوقع أن يبدأ حقل كرونوس للغاز، الواقع أيضًا في قبرص، والذي طورته شركتا إيني وتوتال، بتزويد مصر بالغاز في أقل من عامين.
على الصعيد المحلي، اكتشفت شركة إيني تريليوني قدم مكعب من الغاز في حقل تمساح المصري، ولكن إلى حين بدء تشغيل هذه الموارد، سيتعين عليها الاستمرار في محاولة تحصين نفسها ضد عدم الاستقرار الجيو سياسي.
وضع دقيق لاقتصاد مصر
الاقتصاد المصري المفترض أن يكون صمام الأمان لاستقرار مصر السياسي، وبالطبع، يمكن القول إن استقرار معظم الدول يتناسب طرديًا مع ازدهارها الاقتصادي.
أدت الأحداث الاقتصادية إلى اضطرابات سياسية في أعوام 1977 و2011 و2013، وبالنظر إلى أن الاقتصاد المصري مرّ بالعديد من الأزمات على مدى العقود القليلة الماضية، فقد حرصت الحكومات المتعاقبة دائمًا على تجنب نقطة تحول يصعب التنبؤ بها.
لذا، فإن تقليص دور الدولة في الاقتصاد ليس مجرد وسيلة لاسترضاء صندوق النقد الدولي. فمصر، الدولة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في الشرق الأوسط، تشهد دخول 1.3 مليون شخص إلى سوق العمل سنويًا، لكن لا يتم استحداث سوى حوالي 500 ألف وظيفة جديدة.
بالنظر إلى أن القطاع الخاص يوظف حوالي 80% من القوى العاملة، ويساهم بنسبة 75% من الناتج المحلي الإجمالي، يظهر أن تقليص دور الدولة هو المسار الأكثر أمانًا نحو الأمن الاقتصادي والسياسي.
ما المطلوب؟
يتعين على الحكومة أن تدرك تمامًا تغير علاقاتها مع الجهات المانحة الخارجية. فقد اقتصرت الاستثمارات الأجنبية المباشرة من منطقة الخليج لسنوات، ومن المرجح، أن يصبح هذا المصدر أكثر تقييدًا في ظل التكاليف المالية للحرب مع إيران.
على مصر بذل المزيد من الجهود لجذب هذه الاستثمارات، وكانت آخر حزمة تمويل رئيسية من الاتحاد الأوروبي بقيمة 7.4 مليارات يورو في عام 2024، منها 5 مليارات يورو قروض ميسرة، و600 مليون يورو منح، ومليار يورو استثمارات.
مطلوب من الحكومة أيضا، السعي لجذب المزيد من الاستثمارات بدلًا من زيادة ديونها، أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن مساعدة مصر على الاعتماد على نفسها هي أفضل سبيل لتعزيز الاستقرار، وسيكون تشجيع تنمية القطاع الخاص وتوسيع التجارة دعمًا حيويًا.






