في الحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران، يمتلك الطرفان أوراق قوة، ولكنها أوراق ناقصة، تجعل هناك صعوبة في تحقيق نصر ساحق على الطرف الآخر، وتجعل مسار هذه الحرب محفوفا بالمخاطر والتحديات الكبيرة.

وقد امتلكت إيران العديد من أوراق القوة منذ تبلور نموذجها “الممانع” الأكثر جدية بين نظم الممانعة أو ادعاء الممانعة العربية، فبنت قاعدة صناعية وعلمية وعسكرية قوية، وظفت جانبا منها لأغراض سلمية، وجانبا آخر لأغراض عسكرية، وعرفت نظاما سياسيا، شهد لفترة تنافسا حقيقيا بين الإصلاحيين والمحافظين، قبل أن يسيطر الاتجاه المحافظ على مفاصل الدولة بدعم من المرشد الراحل، وينهي تجربة الإصلاحي مير حسين موسوي عقب خسارته انتخابات الرئاسة في ٢٠٠٩ في انتخابات مشكوك في نزاهتها، ووضع بعدها تحت الإقامة الجبرية؛ نتيجة الاحتجاجات التي خرجت دعما له، وأصبح التنافس بعدها بين محافظين مدعومين من المرشد، وإصلاحيين يرضى عنهم المرشد.

والحقيقة، أن إيران امتلكت مجموعة من أوراق القوة منها قدرة النظام السياسي على البقاء والمناورة، وأحيانا التجديد داخل إطار النظام وقواعده، كما أنها امتلكت قدرات عسكرية وعلمية كبيرة، نجحت في الصمود في وجه الاعتداءات الإسرائيلية، واستطاعت أن ترد لأكثر من شهر، وتستهدف المدن الإسرائيلية، وتصيب أماكن صناعية وعسكرية حساسة.

قدرات إيران العلمية والصناعية والعسكرية مؤكدة، وقدرتها على الصمود والمقاومة واضحة، ولكنها أيضا خسرت جانبا كبيرا من أوراق قوتها؛ بسبب سياساتها في المنطقة، وفقدت جانبا كبيرا من تعاطف الرأي العام العربي معها؛ بسبب أذرعها ووكلائها وتدخلها في شؤون أكثر من بلد عربي.

لم تفكر إيران على مدار سنوات، أن تحالفها مع نظام بشار الأسد سيفقدها الشعب السوري، وأن مشاركتها في الجرائم الذي ارتكبها بحقه، خلقت شعورا باللا مبالاة تجاه أي هجوم، تتعرض له أو يتعرض له حليفها حزب الله، كما أن دعم طهران للحوثيين كان عامل انقسام داخل اليمن، وكذلك دعمها للفصائل العراقية المسلحة مثل أحد الأسباب الرئيسية وراء إضعاف الدولة العراقية، وكان مصدر انقسام واستقطاب داخلي، لم تتعاف منه بغداد حتى اليوم.

وقد مثل استهداف إيران لمنشآت مدنية داخل دول الخليج عكس ما يجب أن تقوم به دولة متوسطة الحجم تواجه قوة عظمي، فتوسيع دائرة الأعداء يضعف من قدرتها على مواجهة الخطر الكبير، متمثلا في أمريكا وإسرائيل، ويذكرنا بتجارب بلدان لم تميز بين خصومها أو منافسيها وبين أعدائها، فخسرت أمام الاثنين.

إن معضلة أذرع إيران، أنها أعطتها أوراق قوة ناقصة؛ لأنها سحبت منها أوراق أخرى أكثر أهمية، تتعلق بالدعم المجتمعي من قبل كل شعوب المنطقة أو على الأقل عدم العداء لها، لأن تعويض الفارق في أوراق القوة التي تمتلكها القوة العظمي مقارنة بإيران، لا يكون فقط بمشروعية أخلاقية تتعلق بخطاب الدول الأضعف، إنما بخلق حالة “إجماع وطني” داخلي وتعاطف خارجي من قبل الغالبية العظمي من الدول الرافضة لسياسات القوى الكبرى، وهو ما لم تحصل عليه إيران إلا جزئيا من قبل قطاع من الرأي العام في داخل الدول التي لم تكتو بنار الميليشيات والأذرع الإيرانية.

كان يمكن لإيران أن تعتمد على دعم الشعوب العربية ودول المنطقة في مواجهة سياسات الإخضاع والهيمنة الإسرائيلية، لو كانت أوراق قوتها نابعة فقط من قدراتها الداخلية، وهي حقيقية وكبيرة، وليس لها أذرع تدخل بخشونة في شؤون كثير من الدول، وهددت التماسك المجتمعي في دول أخرى، أو لو كانت بنت نموذجا سياسيا يُترك لشعوب المنطقة قبوله أو رفضه أو التعامل معه بشكل مصلحي، بعيدا عن نموذج تصدير الثورة ومحاولة فرض الوصاية على دول المنطقة.

يقينا، أمريكا وإسرائيل تمتلك أوراق قوة كثيرة أبرزها، التفوق العسكري والاستخباراتي، فلم تحتج دولة الاحتلال لهيكل تنظيمي “طويل عريض” وميليشيا وفصائل مسلحة؛ لكي تخترق إيران، إنما نجحت بالتفوق التكنولوجي والاستخباراتي، أن تغتال المرشد وعددا كبيرا من قادة الصف الأول العسكريين والمدنيين، بجانب استهداف جانب كبير من قدرات إيران العسكرية والمدنية، نفس الأمر ينسحب بصور أكبر على أوراق القوة الأمريكية التي تمتلك تفوقا عسكريا هائلا، وقدرات تدميرية أصابت البشر والحجر.

يقابل أوراق القوة الأمريكية أوراق ضعف، تتعلق بعامل الزمن والكلفة الاقتصادية لهذه الحرب، وضغوط الرأي العام الداخلي، وخطر فقدان واشنطن لثقة حلفائها في قدرتها على حمايتهم، كما أثر إغلاق مضيق هرمز على حركة التجارة العالمية، وبات ارتفاع أسعار المواد الغذائية يهدد العديد من البلدان بخطر قد يصل لحد المجاعة، كما ارتفع سعر النفط بأكثر من ٤٠٪، وأعلنت وكالة الطاقة الدولية، أن هناك ١٢ مليون برميل يوميا، فقدها العالم؛ بسبب هذه الحرب، واعتبرت إن ما يجري حاليا أسوأ من أزمتي النفط في السبعينيات وفقدان الغاز الروسي ٢٠٢٢.

أما وجود إسرائيل في هذه الحرب، فرغم قوتها العسكرية والتكنولوجية، إلا أنه مثل سببا كافيا لعدم دخول أي دولة عربية في تحالف مع أمريكا في مواجهة إيران، بل وجعل دول الخليج تتمسك بعدم التورط المباشر في هذه الحرب، وتكتفي بقدراتها الدفاعية لردع الهجمات الإيرانية.

إطالة أمد الحرب في صالح أوراق طهران، ويخصم من أوراق أمريكا وإسرائيل، وأن معضلة هذه الحرب أن أوراق القوة التي يمتلكها كل طرف، لا تسمح له بتحقيق نصر حاسم، إلا إذا أقدم الطرف الآخر على تقديم تنازلات، ومن هنا، فإن التفوق الأمريكي الإسرائيلي لن ينهي بمفردة الحرب، إلا إذا قدمت إيران تنازلات واضحة، وقبلت معظم المقترحات الأمريكية، وهذا ما سنراه في الأسبوع القادم الأخطر في هذه الحرب.