لا تزال خطوة دخول الحوثيين إلى جانب طهران في معترك الحرب الأمريكية- الإسرائيلية احتمالًا قائمًا مع استمرار الصراع ودخوله أسبوعه الرابع، في ظل متغيرات متسارعة، أعقبت اغتيال رئيس مجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني (16 مارس) وقدرة إيران على المواجهة.
وتطرح هذه التطورات تساؤلًا رئيسيًا حول ما إذا كانت طهران ستلجأ إلى تفعيل الورقة الحوثية؛ لتوسيع نطاق المواجهة، أم ستظل خطوة مؤجلة في إطار حسابات أكثر تعقيدًا.
في هذا السياق، يتحرك الصراع بين سيناريوهين رئيسيين:
الأول: عجز النظام الإيراني عن مواصلة المواجهة خلال الأسابيع المقبلة، بما قد يفضي إلى نهاية عملية للحرب وبداية مسار استسلام محفوف بتداعيات خطيرة على إقليم الشرق الأوسط.
وثانيهما، تماسك النظام الإيراني رغم الضغوط الأمريكية والإسرائيلية، المدعومة مؤخرًا بمواقف خليجية علنية، بما ينذر بانزلاق الصراع إلى حرب طويلة الأمد، وفق تقديرات لقادة في طهران.
ورغم تأكيد الحوثيين أن دخولهم الحرب دعمًا لإيران هو “مسألة توقيت”، فإن هذه الخطوة تظل رهينة بعدة محددات، في مقدمتها ضيق خيارات طهران، وحسابات القوى الإقليمية والدولية تجاه أي تصعيد في جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
كما يطرح احتمال انخراط الحوثيين مجموعة من التداعيات المعقدة، لا تقتصر على اضطراب فوري مُضاف في الاقتصاد العالمي، بل تمتد إلى إعادة تشكيل النفوذ الخارجي في إقليم القرن الإفريقي، وتغيير أنماط التفاعلات داخله، بما قد يعزز الحضور الإسرائيلي، ويهمش نسبيًا أدوار قوى إقليمية رئيسية مثل مصر والسعودية، ودورهما التقليدي في نظام أمن البحر الأحمر، فضلًا عن تأثيراته المباشرة على موقع إيران في مسار الحرب، عسكريًا وسياسيًا.
وانطلاقًا من ذلك، يحلل هذا التقرير محددات قرار الحوثيين، واستشراف سيناريوهات تدخلهم المحتمل، وتقييم التداعيات المترتبة على فتح جبهة صراع جنوب البحر الأحمر وموقف القوى الإقليمية، وتأثير هذا الاحتمال على مصر.
موقف الحوثيين: استعداد معلن وتدخل مؤجل
في هذا الإطار، وبالانتقال إلى موقف الحوثيين، باعتباره أحد المحددات الرئيسية لسيناريو توسيع الصراع، فقد أعلنوا منذ الهجوم الأمريكي- الإسرائيلي على إيران نهاية فبراير، دعمهم المطلق لطهران، مؤكدين “استعداد الجماعة للمشاركة في الحرب ترقبًا لصدور أوامر في هذا الصدد”.
وقد عبّر عبد الملك الحوثي (5 مارس) عن هذا التوجه بقوله: إن أصابعنا على الزناد، نستعد للاستجابة في أية لحظة تسمح بها التطورات”.
في المقابل، يرى مراقبون، أن التغيرات المتلاحقة في اليمن منذ أكتوبر 2023 قد أنهكت قدرة الحوثيين على الانخراط القوي في الحرب، بما في ذلك الإقدام على خطوة نوعية كغلق مضيق باب المندب أمام حركة الملاحة الدولية.
ومع ذلك، يظل الحوثيون الورقة الأخيرة؛ لتخفيف الضغوط العسكرية الأمريكية والإسرائيلية على إيران، ذلك بعد خطوات إسرائيل القوية لتحييد حلفاء إيران، حزب الله في لبنان والميليشيات العراقية في العراق عبر ضربات مكثفة وقابلة للتصعيد، حسب تقارير مهمة (معهد الشرق الأوسط، 12 مارس). وإن كانت هذه الخطوات الإسرائيلية لا تزال تواجه مقاومة نشطة كما يتجلى في لبنان.
من زاوية أخرى، يكشف تأخر دخول الحوثيين في الحرب عن ملامح الاستراتيجية الإيرانية، التي تتحرك تحت وطأة ضغوط دولية غير مسبوقة، وقد يعكس ذلك سعي أطراف دولية فاعلة نحو تسوية أو محاصصة، وفق تصور النظام الإيراني لمسار الصراع، بما يشمل التعامل مع الحوثيين كـ”احتياطي استراتيجي” أخير وفق معطيات اللحظة.
في السياق ذاته، تشير تقارير إسرائيلية (جيروزاليم بوست) إلى أن تبني الحوثيين موقفًا “محسوبًا” حتى الآن، والاكتفاء بالإدانة، لا يستبعد تعرضهم لضغوط إيرانية للقيام بأنشطة محدودة أو رمزية ضد أهداف إسرائيلية أو مصالح أمريكية في الإقليم، مع الأخذ في الاعتبار اختلاف طبيعة حركة الحوثيين كحليف لإيران مقارنة بحزب الله والميليشيات العراقية، لأسباب أيديولوجية مرتبطة بنظام ولاية الفقيه.
لكن رغم هذه التحليلات التي تفكك سردية محور المقاومة، والمضلِلة في بعض جوانبها، فإن مشاركة الحوثيين في الحرب ستأتي على أسس مختلفة عن مجرد إسناد إيران، ومحاولة القيام “بضربة استباقية” ضرورية؛ لتفادي تبعات تنتظر جنوب البحر الأحمر بالفعل حال نهاية الحرب مع إيران، وسقوط النظام الحالي في الأخير أو ضعفه بشكل كبير.
وعلى سبيل المثال، فإن إسرائيل تشدد بالفعل منذ مطلع العام الجاري وجودها العسكري والأمني في المنطقة، وثمة تقارير عن بناء إسرائيل قاعدة عسكرية عند مدخل مضيق باب المندب “لمواجهة الحوثيين”، ورغم هذا الهدف المعلن، فإن وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية ستمثل تكريسًا بعيد المدى لوضع جيو استرايجي جديد في الإقليم، يقوده “المحور الإسرائيلي” وتصطف خلفه إثيوبيا و”أرض الصومال”، ويتوقع أن يشهد عودة قوية للإمارات من الباب الخلفي “لمرحلة ما بعد الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران”.
سيناريوهات فتح جبهة جنوب البحر الأحمر:
في ضوء ما سبق، قد تتخذ خطوة دخول الحوثيين الحرب طابعًا مباغتًا عبر هجوم مؤثر، يحقق نجاحًا نسبيًا في غلق مضيق باب المندب أمام الملاحة الدولية خلال فترة قصيرة. ورغم أن بعض التقارير (رويترز، 13 مارس) ترجح استمرار تحفظ الحوثيين؛ خشية ردود فعل عنيفة من الولايات المتحدة وإسرائيل، وكذلك السعودية، فإن هذا الاحتمال يظل قائمًا، بما يفتح الباب أمام مجموعة من السيناريوهات ومواقف إقليمية على عدة مستويات:
مصر وخطر تعميق الخسائر
على المستوى المصري، سيؤدي دخول الحوثيين الحرب وغلق مضيق باب المندب إلى تعميق الخسائر الاقتصادية الناتجة عن اضطراب حركة التجارة في البحر الأحمر، والتي قُدّرت وفق تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي مطلع مارس بأكثر من 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس منذ اندلاع حرب غزة 2023.
وبغض النظر عن المكاسب المؤقتة المرتبطة بزيادة النشاط البحري الإقليمي لكل من مصر والسعودية، تظل خسارة عائدات القناة ضغطًا مباشرًا على أحد أهم مصادر الدخل القومي.
وإضافة إلى التداعيات الاقتصادية الحتمية، فإن اشتعال الحرب في جنوب البحر الأحمر، وعدم التوصل لمحطة إحداث توازن لصالح طهران، سيمثل بداية حقبة جديدة من الوجود الإسرائيلي الموسع في الإقليم، وضغطًا متوقعًا من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل (والإمارات) على مصر ومصالحها في القرن الإفريقي.
وحال ذلك، يكون أمام القاهرة خياران اثنان لا ثالث لهما ربما:
مواجهة خسارة روافع الحركة في القرن الإفريقي التي كانت مصر قد نجحت في استخدامها في العامين الأخيرين، أو “التكيف” مع الرؤية الأمريكية في الإقليم، والتي ستتجاوز بطبيعة الحال فترة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وما يعنيه ذلك من مزيد من التهميش الجيو استراتيجي، وربما على نحو يؤثر على ملفات أخرى بالغة الحساسية في توجهات مصر الخارجية في الإقليم.
السعودية والخليج
أما على المستوى الخليجي، فتواجه السعودية تحديات مركبة اقتصادية وعسكرية؛ نتيجة الحرب الجارية، ورغم نجاحها في تحويل جزء من صادراتها النفطية إلى البحر الأحمر، على خلفية الاضطرابات في الخليج العربي، فإن التحدي الذي يظل يواجه الرياض هو محدودية قدرة نقل النفط عبر البحر الأحمر وميناء ينبع تحديدًا (يتم عبره نقل 2.2 مليون برميل يوميًا مقارنة بنحو 1.1 مليون في شهر فبراير الماضي).
بينما تتوقع شركة أرامكو الوصول لقدرة يومية تبلغ 7 ملايين برميل على المدى المتوسط، لكن تظل هذه القدرة دون مستوى معدل صادرات السعودية البترولية (تمثل 40-50% من هذا المعدل تقريبًا).
وهكذا فإن التدخل الحوثي واحتمالات قدرته على غلق مضيق باب المندب، سيمثل ضربة قاصمة لصادرات السعودية البترولية التي تتجه للأسواق الآسيوية، الأمر الذي يتوقع معه عدم تهاون السعودية في مواجهة الحوثيين، وأيضا ضغط أكبر من الرياض لإنهاء الحرب على إيران بشكل حاسم، بغض النظر عن تكلفة “الفوضى السياسية” هناك.
كما ستمثل خطوة الحوثيين عودة للوراء في ملف اليمن الذي كانت السعودية قد حققت فيه اختراقًا مهمًا منذ ديسمبر 2025، وطردها القوات الإماراتية الناشطة هناك لصالح نفوذ سعودي أكبر وغير مهَدَد في اليمن.
إضافة إلى ذلك، فإن مقاربة السعودية تجاه القرن الإفريقي وخليج عدن قد تتغير، وربما تدفع التطورات الناتجة عن قرار الحوثيين المرتقب، السعودية نحو تغيير قواعد اشتباكها في الإقليم، والتراجع خطوات للخلف للاصطفاف خلف الموقف الأمريكي (والإسرائيلي) ورؤيته لمجمل الترتيبات الأمنية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
القرن الإفريقي
على مستوى القرن الإفريقي، قد يشكل تدخل الحوثيين نقطة تحول، تدفع قوى إقليمية مثل إثيوبيا و”أرض الصومال” إلى تعزيز انخراطها في الترتيبات الأمنية المرتبطة بإسرائيل، بكافة جوانبها السياسية والعسكرية والأمنية.
ويتوقع أن يتم الإسراع في خطوات تطبيع العلاقات بين إسرائيل وأرض الصومال، واستباقها بنقل معدات عسكرية إسرائيلية بشكل فوري إلى أرض الصومال، وتوسيع نطاق إرسال قوات إلى الإقليم لمواصلة مواجهة أنشطة الحوثيين.
أما إثيوبيا، فإنها ستكتسب زخمًا كبيرًا في مطالبها بالحصول على منفذ بحري على البحر الأحمر، وربما ينتج عن فتح جبهة الحرب في جنوب البحر الأحمر، تمكن إثيوبيا من تحقيق اختراق خاطف في هذا الملف، دون توقع معارضة “إفريقية” ناجزة، مع الانتباه لخطورة كل هذه التداعيات على موقف مصر وقدرتها على تعزيز موقفها الرافض لمثل هذه الخطوة، وهو ما يقود إلى ترقب آثار سلبية للغاية في هذا الملف.
الولايات المتحدة وحلفاؤها
تترقب إدارة ترامب خطوة الحوثيين بشكل واضح؛ ويتضح من موقف هذه الإدارة من مسألة غلق مضيق هرمز وتصريحاته المتكررة، أن بلاده تمتلك نفطًا، ومن ثم، فإنها لن تتضرر من مثل هذه الخطوة، والتي توضح أن نظرة واشنطن لأية أزمة طاقة عالمية تكسوها البرجماتية المطلقة على حساب أقرب الحلفاء، أو حتى من تُشن حروب الولايات المتحدة باسمهم.
ويتوقع أن يتكرر هذا الموقف حال غلق الحوثيين لمضيق باب المندب، مع عدم إغفال قدرة واشنطن على حشد مواقف إقليمية مهمة في القرن الإفريقي خلف رؤيتها المتطورة لمواجهة “الإرهاب” في جنوب البحر الأحمر.
وقد يصاحب ذلك اندفاعة أمريكية قوية تجاه خطوة كانت مثيرة للتوتر، ألا وهي اعتراف واشنطن بإقليم أرض الصومال دولة مستقلة، دون توقع أي تحفظ يذكر من دول مثل السعودية (وبدرجة ما مصر) في ظل أي تصعيد عسكري كبير في جنوب البحر الأحمر، الأمر الذي يعزز السيناريو السابق مباشرة بقوة.
إجمالًا، فإن دخول الحوثيين الحرب إلى جانب إيران، يرجح أن يظل أداة ضغط مؤجل، وحال حدوثه سيحمل تداعيات واسعة، تتجاوز البعد العسكري، لتطال الاقتصاد العالمي وترتيبات النفوذ الإقليمي.
وهذا يفتح المجال أمام تحولات سريعة، تقودها الولايات المتحدة ذات الحضور التقليدي بالفعل في المنطقة مع تركها هوامش لحركة قوى أوروبية والصين، وفق ترتيبات اقتصادية، سيتم تغييرها في المرحلة المقبلة.
لكن مسألة “من يملك القرار الحوثي” تظل حاكمة لمثل هذا التطور، ولا يتوقع بأي حال من الأحوال، أن تفرط السعودية في أية فرصة متاحة لها؛ للضغط على الحوثيين من أجل عدم الإقدام على هذه الخطوة.
إضافة إلى أن مجريات الحرب وسيناريوهات نهايتها (أو انفتاحها على حرب طويلة الأجل، وإن كان هذا السيناريو ليس قويًا راهنًا) ستحدد بشكل كبير احتمالات فتح جبهة الحرب في البحر الأحمر، ومخاوف تغيير شكل المنطقة السياسي والعسكري، وما إذا كانت المنطقة مقبلة على إعادة تشكيل غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة.






