توصلت إيران والولايات المتحدة الأربعاء إلى اتفاق لوقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، مع السماح بمرور حركة الشحن عبر مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، والذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.

يأتي هذا الاتفاق بعد ستة أسابيع من التصعيد العسكري، شهدت خلالها المنطقة سلسلة هجمات منسقة، نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل على بنى تحتية عسكرية إيرانية ومنشآت مرتبطة بالبرنامج النووي، ما أظهر للأطراف مدى حدود القوة قبل الانتقال إلى هدنة مؤقتة ذات أبعاد عسكرية واقتصادية وسياسية معقدة.

وقبل ساعات من إعلان وقف إطلاق النار، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بأن “حضارة كاملة ستفنى الليلة”، إذا لم تفتح إيران المضيق، وهو ما عكس ذروة التوتر خلال الأيام السابقة، التي شهدت تهديدات متتالية ولغة خشنة، اعتبرتها طهران تعبيرًا عن الغضب، ولاقت تحفظًا من عدة قوى دولية.

وخلال المفاوضات غير المباشرة برعاية باكستان، اشترطت إيران لفتح المضيق وقف جميع الأعمال العدائية، بما في ذلك الهجمات على اليمن ولبنان والعراق، مؤكدة أن الممر لن يُفتح في ظل استمرار العمليات.

فعليًا، توقفت العمليات العسكرية على إيران، بينما استمرت إسرائيل في مهاجمة لبنان بشكل مكثف، ما أدى في يوم واحد إلى إصابة أكثر من 1500 شخص، وهو ما خلق أزمة، دفعت أطرافًا دولية إلى التدخل، بالتزامن مع بدء عملية الاستعداد للمفاوضات يوم الجمعة في إسلام آباد.

ظروف الوصول إلى الهدنة: السياق العسكري والسياسي

جاءت التهديدات الأمريكية السابقة على الهدنة ضمن استراتيجية الردع عبر التصعيد، التي تهدف إلى رفع سقف التهديدات لفرض تنازلات سريعة من إيران. إلا أن التحول المفاجئ نحو قبول الهدنة، عكس إدراكًا من واشنطن لمخاطر الانزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، خاصة مع ارتفاع أسعار النفط بنسبة 8– 12% بفعل إغلاق مضيق هرمز، وهي النقطة المركزية التي وظفتها طهران ليس للضغط على إسرائيل والولايات المتحدة فحسب، بل لإرباك الاقتصاد العالمي ككل.

التهديد باستمرار إغلاق المضيق ضمن الحرب كان إعلان مرحلة جديدة من الصراع، ومواجهة بين القوات الأمريكية والإيرانية، وشمول الحرب منطقة الخليج وتجاوز الأهداف العسكرية إلى الأهداف المدنية بشكل أكبر، بما فيها محطات الطاقة والمياه والجسور.

 ومع تأكيد إيران قدرتها على الردع العسكري باستمرار الهجمات على إسرائيل طوال الأسبوعين الخامس والسادس، واستمرار استهداف المصالح الأمريكية في الخليج ومنشآت النفط، وتمسكها باستراتيجية منع الوصول والضغط الاقتصادي عبر مضيق هرمز، ما دفع دولًا آسيوية وأوروبية إلى التفاوض معها وعدم الانجرار إلى دعوات تشكيل قوة عسكرية لفتح الممر قسرًا.

في موازاة ذلك، فشلت محاولات تشكيل مظلة دولية لتحالف، يقوم بدور دفاعي لعبور السفن، حيث أسقط الفيتو الروسي والصيني يوم 7 إبريل مشروع قرار بهذا الغرض، قدمته البحرين إلى مجلس الأمن.

 وقد سبق نقاش المشروع جولات تفاوض بين القوى الدولية؛ لتخفيف صيغته، لكنه لم يمرر بفعل الفيتو الروسي الصيني، الذي جاء ردًا على تهديدات أمريكية شديدة اللهجة ضد إيران. وخلال جلسة النقاش، أعربت البحرين عن أسفها لعدم قيام المجلس بدوره في حماية الملاحة الدولية والأمن الدولي.

أجندة التفاوض

من جانبها قدمت طهران خطة تفاوض لاتفاق مبدئي من عشر نقاط أساسية؛ تهدف إلى الحد من التوترات الإقليمية. واشترطت إيران ضمنها وقف العمليات العسكرية في كل الدول التي شهدت هجمات، بما في ذلك العراق ولبنان واليمن.

كما تتضمن الخطة رفع العقوبات الاقتصادية تدريجيًا عن طهران، والإفراج عن الأصول المجمدة لدى الولايات المتحدة، وإلزامها بدفع تعويضات لإعادة الإعمار مقابل التزام إيران بعدم السعي لامتلاك أي أسلحة نووية.

بينما ترك موضوع اليورانيوم المخصب دون إعلان، ومن المرجح إعادة طرح مقترحات حول نقله أو تعويض إيران عنه ماليًا أو عبر مقترحات قديمة أو جديدة. لكن إسرائيل تعتبر هذه النقطة مركزية في وقف الحرب.

 من ناحيته أكد المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، أن “انتصار إيران في الميدان سيتكرس أيضًا في المفاوضات السياسية”، في إشارة إلى سعي طهران لتحويل ما تراه أنه تحقق لها كمكاسب عسكرية إلى مكاسب دبلوماسية ملموسة.

الوساطة الباكستانية وجولة التفاوض المقبلة

برزت باكستان كوسيط غير تقليدي مستفيدة من علاقاتها المتوازنة نسبيًا مع واشنطن وطهران. وأعلن رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف دعوة الوفود إلى إسلام آباد يوم 10 إبريل لمواصلة المفاوضات؛ بهدف التوصل إلى اتفاق نهائي.

في المقابل، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت، إن المفاوضات ستكون “صعبة للغاية”، في ظل انعدام الثقة المتراكمة منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام 2018، وهو ما يعكس التعقيدات الكبيرة في تحويل الهدنة المؤقتة إلى تسوية شاملة.

كما يحمل التصريح إشارات مزدوجة للأطراف بما فيها إسرائيل كنوع من الاحتواء، وبقاء التهديد مسلطا على إيران، وليست دول الخليج بعيدة عن السياق.

الموقف الأمريكي: تحولات الخطاب والرسائل المزدوجة

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن وقف إطلاق النار دخل حيّز التنفيذ، وأن الولايات المتحدة وافقت على تعليق الهجمات لمدة أسبوعين مقابل إعادة فتح مضيق هرمز، مضيفًا أن واشنطن تجاوزت أهدافها العسكرية.

كما تغير خطابه من تهديدات حادة إلى لهجة أكثر هدوءًا، حيث أعلن دعم إعادة الإعمار في إيران، واصفًا اليوم بأنه “عظيم للسلام العالمي”، ومشيرًا إلى أن هذه الخطوات قد تمثل “العصر الذهبي للشرق الأوسط”. وأشار الى عودة حركة الشحن والإمداد والتعاون في سبيل عودة مضيق هرمز للعمل وأن الولايات المتحدة ستكون حاضرة في ذلك، وهذا يحمل إشارة إلى اتفاقات حول التشغيل مستقبلا، قد تضمن لطهران تحصيل رسوم، مع مجموعة دولية مشرفة على عمل الممر، لن تغيب الولايات المتحدة فيها، إذ تواصل خط التفاوض.

الموقف الإسرائيلي والانقسام الداخلي وتباين الأهداف

أعلن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دعم قرار وقف إطلاق النار، مشددًا على أهمية أمن دول المنطقة في إشارة إلى مصالح دول الخليج التي تعرضت للاستهداف. ورغم الموافقة على الاتفاق، أكد أن التفاهم لا يشمل لبنان؛ بسبب ما وصفه بتهديد حزب الله، مشيرًا إلى استمرار العمليات العسكرية هناك، لاعتبارات الأمن الإسرائيلي.

في المقابل، انتقد زعيم المعارضة يائير لابيد تعامل نتنياهو مع الأزمة، ووصفه بأنه “كارثة سياسية”، مشيرًا إلى غياب إسرائيل عن طاولة التفاوض، ما يعكس انقسامات داخلية حول الرؤية الاستراتيجية للحرب.

ويعتبر لابيد من أكثر السياسيين في تل أبيب الذين يعولون على التحالف الإسرائيلي الأمريكي، ويرى أن منافسه نتياهو يضر هذه العلاقة الاستراتيجية.

وعلى المستوى العسكري، تكشف تصريحات الجيش الإسرائيلي قبل الاتفاق، أنه كان يحضر لضربات قوية ضد إيران، قبل أن يجري ضمن التوصل إلى توافق حول الهدنة، اتصال بين ترامب ونتنياهو لإبلاغه بصيغ التفاهمات التي جرى التوصل إليها، وكانت إسرائيل فيما يبدو تلتحق بالولايات المتحدة متأخرا، وليست شريكة في الصياغة.

وهذا جانب يوضح التباين في أهداف الحرب بين واشنطن وتل أبيب، حيث مالت الأخيرة إلى هدف إسقاط النظام، بينما اتجهت الولايات المتحدة لاحقًا إلى استراتيجية إضعافه كهدف بديل وممكن، ودفعه للقبول بالشروط الأمريكية في ملفات التسليح والعلاقات الإقليمية، وأخيرا ملف حرية الملاحة، والذي كان حاسما.

ويعكس مجمل هذا المشهد، وجود اختلاف بين تقدير الولايات المتحدة وإسرائيل لهدف الحرب، حيث أرادت تل أبيب من الحرب، إسقاط النظام وتدمير إيران بشكل كلي، واقتنعت واشنطن بهذا الهدف، لكن بعد مرور 6 أسابيع من الحرب، لم يتضح أنه قابل للتنفيذ فعادت إلى استراتيجية إضعاف النظام ودفعه للقبول بالاشتراطات الأمريكية.

وقد أشار ترامب ضمنيا إلى هذا التحول قبل يومين، حين أعلن أن الولايات المتحدة ساعدت جماعات سياسية معارضة “الأكراد”، وأرسلت إليها أسلحة ضمن مساعٍ لإسقاط النظام، وفي سياق الحرب، وذلك بعد احتجاجات واسعة، شهدتها إيران خلال يناير 2026 وقبل الحرب بشهر.

 لكن حسب تصريحات ترامب، الأكراد احتفظوا بالسلاح دون القيام بالمهمة. هذه التصريحات جاءت ضمن ما نشر من تقارير حول خطأ تقدير نتنياهو، وهدفه الذي اقنع به ترامب لاستراتيجية إسقاط النظام بالتدخل الخارجي والتحريض على الاحتجاج في وقت الحرب، والذي كان رهانا خاسرا.

الفاعلون غير الدوليين

بعد إعلان الهدنة، تحدثت مصادر مقربة من حزب الله عن تعليق العمليات العسكرية ضد إسرائيل، كما أعلنت فصائل عراقية ضمن تنسيقية المقاومة الإسلامية تعليق عملياتها خلال فترة الهدنة، مع تسليم رهينة فرنسية.

ويظهر ذلك قدرة إيران على ضبط حلفائها، مع بقاء احتمال حدوث خروقات ميدانية، خاصة مع استمرار التصعيد الإسرائيلي في لبنان بهجمات مكثفة، ورد حزب الله بإطلاق مسيرات وصواريخ على الأراضي المحتلة.

الوضع الميداني

على الرغم من إعلان وقف إطلاق النار، استمرت الضربات الإسرائيلية على جنوب لبنان، وأسفرت الضربات التي شملت عشرات المناطق، عن ارتفاع حصيلة العدوان إلى 357 شهيدا و1223 جريحا، منذ فجر الأربعاء الماضي، وفق وزارة الصحة اللبنانية.

واستهدفت إسرائيل عناصر جهاز أمن الدولة اللبناني داخل مبنى حكومي في النبطية جنوبي لبنان بجانب عشرات المواقع الأخرى كما وجهت ضربات للعاصمة بيروت، ووصلت الحصيلة الإجمالية للضحايا منذ 8 مارس إلى  1953 شهيدا و6303 جرحى.

استمرار العدوان على لبنان، يعني تأكيد إسرائيل على فصل هجماتها عن اتفاق الهدنة المبدئي، وفي جانب آخر، استمرار الضغط على إيران فيما يخص الملف النووي، واليورانيوم المخصب، وربما عودة الهجمات مرة أخرى على طهران من جانب تل أبيب في إصرار على استمرار الحرب عليها كنوع من الضغوط لتقديم تنازلات في التفاوض.

وفي الوقت الذي كانت واشنطن توصلت لاتفاق يخص فتح مضيق هرمز، لكن وكما نشرنا سابقا، في تقدير موقف حول متطلبات فتح المضيق بشكل كامل، أنه يحتاج تحضيرات وإعداد على مستويات عدة، إزالة الألغام ومعرفة الخرائط، وتوافر الأدوات، والترتيبات الفنية، وتسهيل مرور السفن عبر الاتفاق على آلية المرور.

ورغم هذه المعوقات، ساهم الإعلان عن إعادة فتح مضيق هرمز مؤقتًا وبإشراف الجيش الإيراني على عمليات العبور في تهدئة الأسواق النفطية، حيث يمر من المضيق نحو 17– 20 مليون برميل نفط يوميًا، ما يعكس البعد الاقتصادي الحيوي للاتفاق.

لكن هذا مهدد بالتراجع، سواء نتاج عملية التفاوض، أو متطلبات الممر نفسها، ومن الوارد أن تعود الحرب مرة أخرى في المدى القريب، إذ فشلت جولة التفاوض في باكستان مع سعي كل طرف لفرض أجندته.

المواقف الدولية

رحبت عدة دول بالهدنة، بينها الصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والهند وتركيا ومصر وسلطنة عمان، التي اعتبرت الاتفاق فرصة لإحياء المسار الدبلوماسي.

 وأشار ترامب ضمنيا إلى دور صيني غير مباشر في دفع إيران نحو التفاوض، مؤكدًا أن ملف اليورانيوم المخصب سيتم التعامل معه لاحقًا. هذا ضمن تصريحات له مع وكالة الأنباء الفرنسية.

وخلال عملية التفاوض في باكستان، جرى تسريب تقارير استخبارتية، تفيد بأن الصين تستعد لتسليم أنظمة دفاع جوي جديدة إلى إيران خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ما يعني موازة الدور الدفاعي مع التفاوض؛ للحفاظ على الهدنة الهشة، ودفع الولايات المتحدة نحو مرونة في التفاوض.

على جانب آخر، ترى إيران وقف إطلاق النار فرصة لتجديد مخزونها من بعض أنظمة الأسلحة بمساعدة شركاء دوليين لها، والاستعداد لسيناريو فشل المفاوضات المحتمل.

السيناريوهات المستقبلية

يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية للمرحلة المقبلة: عقد المفاوضات، وإتاحة فرصة لنجاحها، ومعها تحويل الهدنة إلى اتفاق أوسع يشمل ترتيبات أمنية واقتصادية.

عودة التصعيد وانهيار الهدنة؛ بسبب خرق ميداني أو فشل التفاوض، واستمرار العدوان الإسرائيلي على لبنان، وربما عودة ضرباتها على إيران، أما السيناريو الثالث، استمرار الوضع الرمادي، أي حالة “لا حرب ولا سلام” مع تبادل الضغوط، لكن ليس ضمن سياق مواجهة عسكرية مباشرة.

هدنة تكتيكية

في المحصلة، يبدو وقف إطلاق النار أقرب إلى هدنة تكتيكية منه إلى تسوية دائمة، إذ يمنح الأطراف فرصة لإعادة ترتيب مواقفها دون معالجة جذور الصراع.

ورغم الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبرنامج النووي الإيراني، فإن ذلك لا يعني تخلي طهران عن هدف الردع الاستراتيجي أو برامجها العسكرية، بما في ذلك تطوير الصواريخ الباليستية ودعم النظام الدفاعي بالتعاون مع شركاء للحد من الضربات الجوية، والتي تسببت في خسائر كبيرة.

 كما سيظل ملف العقوبات حاضرًا، مع ربط رفعها بخطوات إيرانية في الملفات الخلافية، التسليح والعلاقات الإقليمية وأمن الملاحة في مضيق هرمز.

وفي المقابل، يبقى استمرار العمليات الإسرائيلية في لبنان يشكل عاملًا ضاغطًا، يهدد استقرار التفاهمات، ويعكس هشاشة الاتفاق وارتفاع كلفته السياسية والعسكرية.

في جميع الحالات، تبدو المنطقة أمام مرحلة إعادة تشكيل لقواعد الاشتباك، وتتراجع فرص التسوية الشاملة لصالح مستوى مواجهة أقل حدة، وسيبقى يراوح مكانه، في ظل تعارض المصالح الواضح، ورؤية إيران للصراع، واستمرار أدوات الضغط المتبادلة.